‏إظهار الرسائل ذات التسميات Fellowship. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات Fellowship. إظهار كافة الرسائل

السبت، 3 أكتوبر 2015

صج محد يبيكم؟

 جلست مع احد الأطباء المتدربين في احد البرامج التدريبية في بلاد الواق واق. كان تعيساً بائساً. شكى لي الحال. قال لي ان مدير برنامجهم الذي تدرّب في بلاد الفرنجة قال له و لأصحابه "إنتوا أصلاً دون المستوى، منو يبيكم؟". قاصداً بذلك أن شهادات البرامج التدريبية المحلية (البورد الواقواقي) غير مُعتَرَف بها عالمياً. و بالتالي لن يحصلوا على وظيفة خارج حدود الواق واق.

هنا ابتسمت. و تذكرت قوله تعالى...

"قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ" (سورة الزمر. آية ٩)


 الأطباء الواقواقيون الذين يسافرون للدراسات العليا في الفرنجة إما يذهبون فقط للزمالة المهنية (fellowship) ، أو لتدريب متكامل (بورد + إختبارات + زمالة) للحصول في النهاية على رخصة كاملة لممارسة الطب في الفرنجة (full license).  الحصول على "رخصة" لا يعني بالضرورة الحصول على "وظيفة". مثل رخصة قيادة السيارة (ليسَن). كونك تملك رخصة القيادة ، فهذا لا يعني بالضرورة حصولك على سيارة بإسمك.

 مجتمعنا الواقواقي يمجد و يقدس الشهادات الإفرنجية. هذا أمر له أسبابه الوجيهة التي يعرفها الجميع. بين الفساد الذي ينخر المؤسسات التعليمية في العالم الثالث من جهة ، و بين السمعة الطيبة للتعليم الإفرنجي من جهة أخرى ، نجدُ الفجوة كبيرة بينهما يملؤها "الخنين و الخايس". الخنين الطبيب المؤهل المتميّز حقاً. و الخايس الطبيب الذي تدرّبَ في الفرنجة لكنه بقي كما هو: "عينة محفوظة".

أنا أسأل كل واقواقي نافش ريشه بشهاداته الإفرنجية الأسئلة التالية لتذكيره فقط هو من أين أتى.


١. هل نسيتَ كيف بُعِثتَ إلى بلاد الفرنجة؟ 

بالتنسيق مع هيئة "واق واق" العامة للتخصصات الطبية ، الملحق الثقافي في السفارة الواقواقية في بلاد الفرنجة يبذل كل سنة جهوداً جبارة لتأمين "مقاعد" في مستشفيات الفرنجة لتدريب لأطباء الواقواقيين. ضمن اتفاقيات عقودها المالية سخية جداً. هذا أمر مشروع تنتهجه كل الدول المتطورة التي تستثمر في تنمية كوادرها الوطنية.

كل المطلوب من الطبيب الواقواقي اجتياز إختبارات التقييم الإفرنجية الأولى. كإختبار الرخصة الإفرنجية مثلاً. وهو ليس بالأمر الصعب. باقي الإجراءات متروكة للسفارة الواقواقية في بلد الإبتعاث. راتب البعثة ينزل شهرياً في رصيد حساب الطبيب الواقواقي معززاً مكرّماً. بمعنى ان الواقواقي لم يكافح ليعبر البحور و المحيطات مثلما يفعل الهنود أو الصينيين للحصول على مقعد للعمل و الدراسة في بلاد الفرنجة. و لم يعمل في وظيفتين أو أكثر ليؤمّن لقمة عيشه كما يفعل غيره من المهاجرين من الدول الفقيرة.

٢. هل وظيفتك في الفرنجة تنتظرك؟

 كل من عاش في الفرنجة يعلم بأن المألوف جداً هناك أن نصادف مهندساً يقلي البطاطس في مطاعم الوجبات السريعة. أو محامياً يمسح الأرضيات في المقاهي. كل ذلك بسبب شح الوظائف. صحيح أن العمل شرف و كسب لقمة العيش تتطلب الخفّية. لكن الأمر مؤلم عندما يتخرج المرء من الجامعة ليعمل في مهنة أقل من مؤهله بمراحل. لا سيما إن كانت دون الطموح. 

بينما في الواق واق، توظيف الطبيب المواطن عن طريق "ديوان القوى الواقواقية" فوري. و بعدما يرجع من دراساته العليا ، ترقيته مرهونة بزمن تخليص المعاملة فقط. بينما في الفرنجة ، الطبيب الإفرنجي إبن البلد صاحب الرخصة الطبية الكاملة ، يبحث عن وظيفة شاغرة بعد تخرجه  وهذا بالنسبة له التحدي الأكبر. 

الوظائف في بلاد الفرنجة محدودة و نادرة. لأن الأطباء القدامى راسخون في وظائفهم. يسددون ما عليهم من قروض دراسية لسنين طويلة فيتقاعدون متأخراً. لا شواغر و لا مجال لتوظيف الدماء الجديدة. المستشفيات ميزانياتها محدودة. لذلك لا توظّف أطباء أكثر من حاجتها.

الشهادة وحدها لا تكفي.
في أي مكان في العالم و في أي مهنة: كي تحصل على وظيفة ، المؤهل الدراسي وحده لا يكفي. تحتاج لميزات أخرى كإجادة اللغة و العلاقات العامة و القاعدة الجماهيرية. ميزات كهذه لا نحصل عليها من الجامعة. و إنما تستغرق سنين طويلة لتنميتها و تطويرها. لذلك الطبيب "القديم ابن البلد" الذي يملكها له الأولوية في التوظيف على الطبيب الوافد الجديد في السوق.

فلا تعتقد ان الواقواقي الذي عبَر المحيطات قادماً من آخر الدنيا (الواق واق) ليعمل في الفرنجة، فرصته في الحصول على الوظيفة توازي فرصة الافرنجي ابن البلد. 

كنت كلما سألت أصحابي الافرنجيين "ماذا ستفعل بعد نهاية زمالتك؟" 
(What are you going to do after your fellowship)

إجابتهم التلقائية الموحدة "سأبحث عن وظيفة" 
(I'm going to look for a job)

بينما إذا هم سألوني "ماذا ستفعل عندما ترجع بلاد الواق واق؟" 
أجيبهم "هناك وظيفة تنتظرني".
(There is a job waiting for me)

الواقواقي خريج الفرنجة يعطينا إيحاء أنه اذا رجع الفرنجة سيجد حشود المعجبين بإنتظاره في المطار مهلّلين "طلع البدر علينا". ستتلاقفه الأيدي من كل المستشفيات للإستيلاء عليه و على خبراته الدفينة و أسراره الباتعة. إحساسه كإحساس ملكة الجمال التي عدّى عمرها الستين عاماً و تقول لزوجها "طلقني. طابور من الخطاطيب بإنتظاري خارج المنزل".

لكل قاعدة إستثناء. الإستثناء هنا إذا كان الطبيب الواقواقي نابغة في مجاله. أو إذا كان تخصصه نادر و مطلوب مثل طب التخدير أو طب العائلة أو طب الأورام مثلاً. أو إذا كان حظه يكسّر الصخر! الأطباء الواقواقيون من هذه النوعية يهاجرون إلى الفرنجة بهدوء. دون مشاكل و لا طول لسان و لا قلة أدب. بل و يتركون وراءهم سمعة طيبة.


٣. هل تتحمّل نمط الحياة الإفرنجي؟

 شتاء الواق واق رائع. لكن درجة حرارة الصيف الطويل ٥٠ مئوية فوق الصفر لا تُطاق.

في بلاد الفرنجة
صيف الفرنجة رائع. لكن درجة الحرارة ٥٠ مئوية تحت الصفر في الشتاء الطويل لا تُطاق. لذلك على المدى البعيد ، التطرف في درجة الحرارة أمر لا يُطاق. بالنسبة لأي موظف يعمل داخل المبنى (indoors)، درجة الحرارة الخارجية ليست مهمة.  

في بلاد الفرنجة 
 في فصل الشتاء يقضي الإفرنجي وقتاً طويلاً كل يوم في إزالة الثلج المتراكم أمام منزله بنفسه. و لأن قوانين العمالة و حقوق الانسان هناك صارمة: ماكو خَدَم! أجرة الخادم عالية لا يستطيع الكل تحمل تكاليفها.

في بلاد الفرنجة 
 أسعار الوقود نار. لذلك سيارات الإفرنجيين بشكل عام صغيرة متواضعة. يفضل الإفرنجي قضاء حوائجه ماشياً أو بالدراجة الهوائية إن أمكن.

في بلاد الفرنجة 
 راتب الطبيب ظاهرياً وفير. لكن الضرائب المفروضة على كل شيء (ضريبة دخل-ضريبة مبيعات...الخ) تكسر الظهر و معها يتلاشى الراتب. المعيشة مكلفة للغاية. آلية الرواتب تعتمد على الحوافز. تشابه إلى حد كبير آلية رواتب مستشفيات القطاع الخاص في الواق واق. كل شيء بحسابه. بمعنى أنك كلما عملتَ أكثر ، كلما راتبك صار أكثر. تدريب الأطباء له أجرة. إلقاء المحاضرات له أجرة. في المقابل ، ضريبة الدخل توازن الأمور. سن التقاعد متأخر. و يظل الطبيب "يكرف" و "يلهث" وراء الحوافز حتى سن التقاعد.

في بلاد الفرنجة 
الطبيب الإفرنجي لا يتمتع بحصانة طبلوماسية. بل بالعكس، يد التمريض فوق يد الطبيب في ظروف كثيرة. و لا يتسع له الوقت ليمارس طقوسه خلال ساعات العمل.

المواطن الواقواقي المغترب يتحمل الحياة في الفرنجة لأنها مؤقتة. لسان حاله يقول "مصيري راجع ديرتي الواق واق". لكن هل يتحمل الواقواقي هذه الحياة على المدى البعيد؟ أشك في ذلك. 
   
٤. لماذا لا ترجع الفرنجة؟ 

البنت في بيت ابوها تطلب "شنطة" سعرها ٥ دنانير. 
أبوها يضربها قائلاً "إكلي تبن".
بعدما تتزوج تطلب من زوجها "شنطة" سعرها ١٥٠ دينار. 
زوجها يعتذر عن الدفع لأنها فوق ميزانيته. 
تستنكر زوجته قائلة "شنو هالعيشة؟ في بيت أبوي أنا كنت معززة مكرمة"

نكتة كهذه انتشرت في برامج التواصل الإجتماعي لكن مغزاها جاد.
ذلك أن عاطفتنا أحياناً تحجب الحقيقة و تجعلنا ننسى من أين أتينا. 

هل تساءلتَ : لماذا بعض الإخوة العرب من الذين ولِدوا و ترعرعوا في الواق واق ثم هاجروا للفرنجة ، مصيرهم الرجوع الى الواق واق و معهم الجنسية الإفرنجية مع المؤهل الدراسي الإفرنجي؟ لماذا لم يبقوا هناك؟ لأن الذي يعتاد على نمط الحياة في الواق واق لن يتحمل الحياة في أي بلد آخر.

إذا كنتَ تتغنى (و تشهق) ببلاد الفرنجة أو بأي دولة أخرى مجاورة. شقيقة كانت أو صديقة ، يا أخي لا تحزن. هاجر إلى البلد الذي تعشقه و نحن سندعو لك من قلوبنا أن يوفقك الله.

عزيزي الواقواقي صاحب الشهادة الإفرنجية...
لماذا أنت باقٍ في الواق واق؟ 
و لماذا رضيتَ بمنصبك الأكاديمي في البورد الواقواقي الذي أنت نفسك تحتقره؟ 
و لماذا تنصح تلاميذك و أبناءك و أحبابك بالدراسة في الفرنجة؟ 
أنت فعلاً معلم ... و إحنا منك نتعلم!

الغرض الأساسي من إبتعاث الأطباء هو جلب علوم الفرنجة معهم لعلاج مرضانا و تعليم تلاميذنا في بلاد الواق واق. "محد يبيكم" عبارة مؤلمة ليس الغرض منها إلا التجريح و التحقير الذي لا داع له. لا سيما في مجال عملنا الذي يشترط المهنية و سمو الخُلُق. سواء مع مرضانا أو زملاءنا أو تلاميذنا على حد سواء. 

أطباء الفرنجة بشر. منهم الطيب و منهم الحقير. منهم العالي و منهم الداني.
لكن النظام المهني العام عندهم لا يسمح للحقير بالتعبير عن ما في داخله ، و إلا كانت العواقب جسيمة ربما تصل إلى تدمير مهنته. لذلك هم ليسوا ملائكة و لا شياطين.

تنويه
القصة كلها بزمانها و دولها و رجالها و أحداثها ما هي إلا من نسيج خيال المؤلف.
أي تشابه بينها و بين دول أو أحداث أو أماكن أو أفراد على أرض الواقع هو بمحض الصدفة البحتة. 
   

السبت، 8 يونيو 2013

متلازمة البورد الكندي

ظهرت في الأوساط الطبية في دول الخليج العربية في السنوات القليلة الماضية "حالة مرضية" معروفة بمتلازمة البورد الكندي (The Canadian Board Syndrome). ظهرت في البداية لأسباب فكاهية بحتة للسخرية من "بعض" الأطباء الخليجيين (وليس الكل) الذين أتموا دراساتهم العليا في كندا و رجعوا إلى أوطانهم ليرشوا الملح على جروح الخدمات الصحية بدلاً من تضميدها. ذلك لأن عزتهم أخذتهم بالإثم و صدّقوا عقدة الخواجة و حسبوا أنفسهم آلهة على غيرهم من الأطباء. أول من وضع شرح "متلازمة البورد الكندي" على الورق بالتفصيل في إطار كوميدي كان د. جراح الطبيّخ.

متلازمة البورد الكندي ربما تتلخص بالعلامات / الأعراض التالية:
- غرور و تكبّر ليس له مثيل. مع نظرة دونية للزملاء الذين لم يحالفهم الحظ في الذهاب الى كندا.

- تشدّق باللغة الانجليزية و باللكنة الأمريكية خصوصاً.

- أي محادثة تبدأ بعبارة "عندما كنت في كندا".

- عدم الالتزام بساعات العمل في المستشفى كما يجب ، مع التفرغ الكامل للقطاع الخاص.

- الحرص على عدم ارتداء المعطف الأبيض (البالطو الأيض) ، ذلك لأن "الاستشاري" يرتدي بدلة رسمية دون معطف.

- شغل أكبر عدد ممكن من المناصب في نفس الوقت.
مثلاً: رئيس وحدة + رئيس بورد + عضو الهيئة التدريسية بالجامعة. مع "صف" قائمة الشهادات الدراسية و الألقاب تحت اسم الطبيب في الختم (البورد الأمريكي و الكندي. الزمالة الأمريكية و الكندية في التخصصات العامة و الدقيقة و دقيقة-الدقيقة). ذلك لأن كل منصب لديه البدلات المالية الخاصة به. 

- إقناع الغير بأن المهارات الطبية التي اكتسبوها في الخارج (جراحة/مناظير/سونار/قسطرة ..الخ) ليست صعبة ، و إنما مستحيلة. لا يتعلم هذه المهارات غير العباقرة مثلهم فقط. 

- نصيحة للأطباء الصغار بإكمال دراستهم في كندا. حتى لو كان قائل النصيحة هو رئيس البورد المحلّي في تخصصه. 

- كره التدريس بكل أنواعه و على كل المستويات. بالرغم من ذلك يكافح للحصول على منصب أكاديمي في الجامعة و يطالب ببدل التدريس من وزارة الصحة!


من واقع خبرتي المتواضعة خلال السنوات العشر الماضية ، متلازمة البورد الكندي ، أو "كاناديان بورد سيندروم" ، تسمية خاطئة (misnomer).

لا علاقة لهذه التسمية بأمريكا الشمالية أو الغرب بشكل عام و ذلك للأسباب التالية:
١. كثير من الأطباء الذين "يعانون" من هذه الحالة ، لديهم أعراض الحالة وعلاماتها أساساً حتى قبل سفرهم إلى كندا.

بل و منهم من لم يعبر المحيط الأطلسي في حياته. أعراض المتلازمة لديهم كانت واضحة منذ أيام دراستهم في كليّة الطب.  

٢. "المتلازمة" بحد ذاتها ما هي إلا انعكاس لعقدة نقص بشكل عام و عقدة الأجنبي (عقدة الخواجة) بشكل خاص.
متأصلة في شخصية الطبيب. هناك أطباء عرب تدرّبوا في الغرب و تخلّدت أسماؤهم و إنجازاتهم تاريخياً و على مستوى عالمي و هم على أرض الواقع في قمة التواضع و دماثة الخلق.  

٣. أعراض متلازمة البورد الكندي ما هي إلا صفات شرقية قديمة لا علاقة لها بالغرب. فالعرب بالذات معروفين أكثر من غيرهم بحبّهم الأزلي للتفاخر بالأنساب و الأصل و المال و القوة و النفوذ و المناصب. حب التفاخر "بالمؤهلات الدراسية" لا يختلف في هذا السياق. مثلما يقول المثل "اللي عمره ما تبخّر ، تبخّر و إحترق". 

٤. نظرية دوننغ-كروغر (Dunning–Kruger effect): تنص هذه النظرية على أن الأفراد ذوي المهارات المتوسطة عادةً ما يبالغون في تقدير أنفسهم و مهاراتهم. كل فرد يظن نفسه أذكى و أفضل و أمهر مما هو عليه في الواقع. 

الذي يتخرج من دول الغرب يعتبر نفسه أبرز من غيره. ناسياً اننا في عصر الانترنت ، حيث الواحد منا يتسطيع تأكيد أي معلومة يسمعها خلال ثوانٍ من غوغل. 

٥. النسبة و التناسب.
مما لا شك فيه أن النجاح و التفوق مسألة نسبية. الخدعة في الموضوع أن القليل يعي هذه المسألة. فالشخص الذي يبلغ طوله ١٥٠ سنتيمتر و يعيش في قرية أقزام ، يرى نفسه "عملاقاً" بينهم و لكنه في الواقع ليس كذلك. نفس المبدأ في أسرة كل أبناؤها فاشلون في الدراسة ، ما عدا واحداً فقط منهم استطاع أن يدخل الجامعة ، ليرى نفسه "إلهاً" بين إخوته. 

نظام الخدمة الصحية في الكويت سيء ومتعثر لأسباب كثيرة. لذلك الطبيب المتدرب في كندا يرى نفسه وكأن على رأسه "ريشة" مقارنة بهؤلاء المتدربين محلياً. حتى لو كان هذا المتدرب من كندا من أغبى مخلوقات الله. 

٦. حان وقت قطف الثمار.
دراسة الطب طويلة و مضنية ، كلها كفاح و سهر (للدراسة أو لعلاج المرضى على حد سواء) و ربحها المادي على المدى البعيد غير مجزي مقارنة بمجالات أخرى مثل "الفن" و البورصة و تجارة العقارات و غيرها. 
دراسة الطب سبع سنوات. تليها سنة الامتياز. بعد ذلك ست إلى سبع سنوات في كندا. المجموع بالمتوسط ١٥ سنة دراسة. هذا اذا لم يتعطل الطبيب و لم يرسب أو يتأخر خلال هذا المشوار. لذلك عند رجوعه من كندا يحرص على حصد أكبر كمية من الأموال في أقصر فترة و أقل مجهود. 
   
الخلاصة.
١. مثلما يقال في البحث العلمي: التصادف لا يعني السببية (Correlation is not causation).
فالطبيب المغرور المتعالي المتخرج من كندا ، نفسه المريضة ليس لها علاقة بالغرب

٢. القاعدة العامة تشير الى أن العلاقة بين العلم و الغرور علاقة عكسية.
بمعنى أن الغرور يضمحل كلما زاد العلم ، و التكبر يقل كلما زادت الخبرة.  
قال تشارلز داروين "الجهل يزيد الثقة بالنفس". 
و قال شيكسبير "الغبي يرى نفسه حكيماً. بينما الحكيم يرى نفسه غبياً". 

في الختام أتذكر الذي قاله لي أحد زملائي الاستشاريين الكنديين بخصوص هذه المتلازمة: نحن ندربهم. نحن لا نربّيهم! 

الخميس، 29 سبتمبر 2011

الاستشاري السكة

هذا المقال يلخص خبرتي المتواضعة مما لاحظته من سلوكيات لبعض الأطباء الاستشاريين خلال السنوات العشر السابقة. لأسباب مهنية و قانونية لن أذكر اسم أي شخص. لأن الغرض من هذا المقال التنوير لا التجريح. إستياء بعض الأفراد من محتوى هذا المقال نابع من مبدأ "اللي على رأسه بطحة يحسّس عليها" و إستياء كهذا من ناس كهؤلاء لست مسئولاً عنه.

يتربّع الطبيب الاستشاري على قمة الهرم الغذائي بين الأطباء ، و واجب على كل طبيب ناشئ أن يعرف شخصية استشاريه في العمل. هذا المقال موجّه أساساً الى زملائي الاطباء حديثي التخرج من كلية الطب. الغرض منه التأهب النفسي للقاء فئة "باغية" من الإستشاريين، وجودها "عار" على مهنة الطب التي هي بطبيعتها مهنة إنسانية بطبيعتها ، وتفادي هذه الفئة "الباغية" قدر الامكان.

يتكون العالم من ستة مليارات انسان. لكل انسان طباعه الخاصة التي تميزه عن غيره. و لكننا في وظيفتنا نستطيع أن "نختزل" شخصيات الاستشاريين في أربعة خانات رئيسية:

1. الإستشاري "القـدّيـس"
2. الإستشاري "الطبيعي" أو "العادي"
3. الإستشاري "الاجتماعي"
4. والإستشاري "السكة" ، الذي حوله يتمحور هذا المقال


1. الإستشاري "القـدّيـس"هذا النوع من الأطباء عملة نادرة جداً. فهو متفوق في دراسته ، متفان و شغوف في عمله ، حريص على تدريب الأطباء الناشئين ، حريص على مصلحتهم. متواضع جداً بالرغم من انجازاته العلمية الجبارة.
إذا كان القديس مديراً لبرنامج تدريبي، ترى برنامجه من أنجح البرامج على الإطلاق. إذا كان رئيسك من هذا النوع، تشبث به بالنواجذ! وانصح كل زملائك بملازمة هذا الانسان لأن معرفته بحد ذاتها مكسب.

2. الاستشاري "الطبيعي" أو "العادي".
استشاري من هذا النوع "طبيعي" بمعنى أنه يتماشى مع العرف العام في بيئة العمل. فهو يبتسم اذا سمع نكتة مضحكة و يعبس اذا سمع خبراً سيئاً. لا يمانع ان يدرّسك اذا كان لديك سؤال أو استفسار. لديه محاضرتين او ثلاث في السنة ، حسب الطلب. يواكب تكنولوجيا العصر ، لديه هاتف نقال ذكي (بلاك بيري او آيفون أو ما شابه) يتواصل فيه مع زملائه. لايمانع ان يعطيك رقم هاتفه إذا طلبتَ منه ذلك.

3. الاستشاري "الاجتماعي"
شخصيته مرحة، إجتماعي بطبيعته ، يشابه الاستشاري الطبيعي ، لكنه يفتقد الشغف لوظيفته.
فهو يتبادل معك النكات و يناقشك في كل الأمور غير الطبية ، و لديه مشاركات في الانترنت (المدونات ، فيس بوك ، تويتر ...الخ) ، لكنه لن يدرّسك أو يدربك في اي حال من الاحوال وتحت أي ظروف ، بالرغم من شخصيته الطيبة ، الا أنه يسعى لتهميش نفسه أكاديمياً (يعني صفر على اليسار).
أهم شيء عنده تأدية وظيفته بدون زيادة أو نقصان و أن يرجع الى بيته في نهاية الدوام الرسمي.
وجود هذا الشخص في حياتك كعدمه ، بالعربي الفصيح : إن حضرَ لا يُعَد ، و ان غابَ لا يُفتقَد.

4. الإستشاري "السكة"
تشكل هذه النوعية الاغلبية الساحقة من الاستشاريين في دول العالم الثالث. هذا المقال يركز على هذه النوعية من الاستشاريين. الإستشاري السكة يشوّه سمعة القسم و ربما المستشفى كله في بعض الأحيان. الإستشاري السكة يقتل طموح البعض من الأطباء الناشئين ، و يكون قدوة سيئة للبعض الآخر. ربما يجد البعض في صفة "السكة" بعض القسوة أو قلة الأدب و المهنية. ولكنني حاولت قد الامكان ايجاد صفة بديلة مناسبة و لائقة أكثر دون جدوى.


الاستشاري "السكة" هو واحد من اثنين:
1- شخص غبي، نجح في اختباراته بالحيلة (الواسطة او الفساد) أو بالحظ.
2- شخص ذكي و مجتهد و متفوق ، لكنه حمار بعناده و رعونته و غطرسته. و حموريته ممكن أن تكون موروثة أو مكتسبة (قدوته كان سكة أيضاً).

صفات الاستشاري السكة

الصفة الأولى: إزدواجية المعايير ، تفصيل الدوام حسب الطلب.احدى صفات الاستشاري الفاسد هي انه آخر من يداوم و أول من يرجع بيته آخر الدوام. بينما الاستشاري السكة أخذ هذا الفساد الى بُعد آخر جديد ، و بذلك أعني انه "يفصّل" دوامه ليتناسب مع راحته و إحتياجياته الشخصية حسب الطلب.

على سبيل المثال: اذا كان استشارياً في الجراحة ، فهو يتواجد في غرفة العمليات فقط طوال اليوم و يختار العمليات التي تناسبه. بمعنى أنه لا يعاين مرضاه قبل العملية و لا يتابع حالتهم بعد العملية ، يفحص شخصياً مرضى عيادته الخاصة فقط خلال ساعات العمل في القطاع العام. بينما يقوم زملاؤه بكل المهام ما قبل و بعد العملية الجراحية كأنهم خدماً يعملون تحت اشرافه. وهذا السلوك يتعارض مع كل الأخلاق الطبية المتعارف عليها.

إذا كان رئيساً للقسم، يرفض ازدواجية المعاييرعلى غيره ، و يطبق القانون على غيره "بحذافيره" ، ويقول للأطباء العاملين لديه "انا عايز سيستم system". لكن إذا مسّ القانون مصلحته الشخصية (لا سمح الله) ، رضي بإزدواجية المعايير على نفسه و استثنى نفسه من القوانين التي وضعها بنفسه لتطبيقها على غيره.

و هنا أشير الى أن الاستشاري السكة لا يعترف بمبدأ "القيادة بالقدوة" (Leadership by example).

فعندما يرتب جدول المناوبات الليلية (الخفارات) ، "يبدع" في تكثيف الخفارات على غيره و تقليلها على نفسه.

إذا غاب عن العمل لا يفتقده أحد. لذلك إجازاته الدورية تعتبر "أعياد رسمية" عند زملائه. مع العلم بأن وجود الاستشاري الحمار يعد سبباً رئيسياً في نفور الكفاءات ، و يتجلى هذا النفور في زيادة عدد استقالات الموظفين من المستشفى.

الصفة الثانية: "ده تلميزي"
اذا كان تخصصه يتطلب مهارات يدوية (جراحة، قسطرة قلب، منظار للمعدة و القولون...الخ) لا يعلمك هذه المهارات و لا حتى يشرح لك ما يفعله. و بعض الاحيان يرفض حتى دخولك معه الى غرفة العمليات!

و بالرغم من ذلك ، يصف الاستشاري نفسه بأنه "استاذك" حتى لو لم يدرسك و لم يدربك. و عندما يتحدث عنك مع الغير يقول "ده تلميزي". و اذا حدث خلاف بينك و بينه صرخ في وجهك قائلاً "انا سينيور عليك".

و خلال عملك معه ، عندما تسأله عن معلومة في تخصصه، رده المعتاد هو...
"روح بيتكم و إقرأ عنه Go home and read".


الصفة الثالثة: "عايش الدور"
يضع لتخصصه "برستيجاً" لا يليق به.
حيث انه يعطيك الانطباع بأن تخصصه للاطباء النوابغ فقط!
و كأن الدنيا لا يوجد فيها أخصائيين آخرين في تخصصه.
فهو يعيش الدور بكل ما تعنيه الكلمة من معنى!
يظن بأنه نعمة الله على العالمين.
يهتم بحسن هندامه أكثر من اهتمامه بحسن أخلاقه وسلوكه.

بالنسبة له، الفرق بين الجونيور (Junior) و السينيور (Senior) مسألة حياة أو موت! مسألة حساسة جداً لايستهان بها بأي حال من الاحوال. فهو يناديك بمسمى "جونيور" طوال الوقت و يقولها لك باحتقار و ازدراء.

فهو لا يجالس الجونيورز، و يناديهم بالاسم الأول بدون لقب "دكتور". و هنا تلاحظ الفقدان الانتقائي للذاكرة ، لأن الاستشاري "المبجّل" نسي (أوتناسى) أنه نفسه كان في يوم من الأيام طبيباً ناشئاً حديث التخرج أيضاً.

الجدير بالذكر هنا الآتي...
أولاً: بالرغم من كرهه و احتقاره للجونيورز، إلا أن احترامه لهم يتزايد تدريجياً تزامناً مع ترقياتهم.
فكلما ارتقى الجونيور و تطور مسماه الوظيفي، كلما تغيرت لهجة الاستشاري السكة و نبرة صوته لهذا الجونيور.
بينما الاستشاري "القديس" يعاملك بأدب و احترام بغض النظر عن مسماك الوظيفي أو مؤهلاتك الدراسية.

ثانياً: معاملة الاستشاري السكة للجونيور تعتمد على عوامل أخرى لهذا الجونيور، مثل الجنسية ، و النسب ، و الجنس ، و المركز الوظيفي لوالد الجونيور. بالنسبة له، طاقم التمريض مسخّر لخدمته فقط. (أحد أهم الأسباب التي جعلت من التمريض مهنة طاردة للمواطنين). تستطيع ان تلاحظ هذا السلوك كالآتي:

- في العيادة الخارجية: لا ينادي المرضى في غرفة الانتظار. لأنها مهمة الممرضة.
- لا يقوم من كرسيه لمصافحة المريض قبل الفحص، و بعد الفحص لا يغير فرش السرير بنفسه ، لأنها مهمة الممرضة.
- عندما يمارس اجراء طبي تحت التعقيم، لا يعقم المريض بنفسه،لأنها مهمة الممرضة.
- في المناوبة الليلية، اذا اشتكى احد المرضى في منتصف الليل، يأمر الطبيب الممرضة للذهاب الى المريض لفحصه أولاً، لأنها مهمة الممرضة.
- عندما ينفعل ، يصرخ في وجه الممرضة قائلاً "انتِ مجرد ممرضة" (you are JUST a nurse) بلهجة استفزازية قليلة الأدب.

بالنسبة له ، المريض مجرد "حالة"
ينظر الى الى المريض على انه "حالة" وليس انساناً متكاملاً لديه إحساس و شعور و كرامة. و بذلك لا يراعي اي شكوى للمريض خارج تخصصه. مثال: طبيب القلب السكة لا يستمع لشكوى مريضه اذا كانت لديه أي شكوى أخرى غير القلب.

الصفة الرابعة: مزاجات ... مزاجات ... مزاجات
أنت أسير مزاجه. فإذا كان مزاجه صافياً، سألك بضعة اسئلة فنية دقيقة وتافهة في تخصصه ، لاتفيدك في حياتك العملية و لا تساعدك في دراساتك و اختباراتك. بمعنى آخر: معلومات لاتسمن و لاتغني من جوع.

و اذا كان مزاجه متعكراً، يسألك كثيراً عن حالات المرضى و يوبخك اذا لم تكن تعرف تفاصيل الدقيقة لكل مريض.
عندما يفتح فمه، تتدفق كميات هائلة من التفاهة والتناقض و ثقل الظل. ذلك لا لعدم وجود من يقف في وجهه و ينبهه على أخطائه.

أمثلة على التفاهة في الكلام و انعدام المنطق:
1. يأمرك بأن تكون في مكانين في وقت واحد!
على سبيل المثال ، يأمرك بأن تعمل في العيادة الخارجية و تغطي الحالات الحرجة في قسم الطوارئ في الوقت نفسه.

2. يصف نفسه عندما كان طبيباً متدرباً بعد تخرجه من كلية الطب بالصفات التالية: كان يعمل 16 ساعة في اليوم، و كان يقضي باقي ساعات يومه معتكفاً في الدراسة! (لا ينام أبداً). كان يداوم يومياً من بعد صلاة الفجر و ينتهي دوامه بعد صلاة المغرب. لم يرتكب أي أخطاء طبية أبداً. "ختم" دراسة كل الكتب في تخصصه قبل انتهائه من برنامجه التدريبي. و كان أميناً مخلصاً متفانياً في عمله حتى النخاع.

الصفة الخامسة: الفلوس أهم حاجة.
تفكيره مادي الى أبعد الحدود.
فهو يتفانى في القطاع الخاص ويكرس المستشفيات الحكومية لخدمة مرضى عيادته الخاصة.

غير ذلك ، يحرص كل الحرص ان يحصل على منصب أكاديمي في الهيئة التدريسية في الجامعة و في لجان الاختبارات في سبيل الحصول على البدلات و المكافآت المالية فقط. فليس لديه أي اهتمامات أو مساهمات أكاديمية لخدمة طلبة الطب و الأطباء حديثي التخرج. و اذا كان عضواً في الهيئة التدريسية في كلية الطب و لديه مؤلفات أو كتب، فهو يضغط على الطلبة لشراء كتبه، لأن أسئلة الاختبار ستأتي من كتبه.

و إذا كان عضواً في لجنة الاختبارات النظرية، تجده يضع أصعب الاسئلة (اسئلة صعبة عليه، هو شخصياً لايستطيع الاجابة عليها احياناً دون الاطلاع على المراجع!). و اذا كان عضواً في لجنة الاختبارات العملية ، لديه اعلى نسبة رسوب من الطلبة.

الخلاصة
أعيد و أنبّه على أن هذا الدليل لا يقصد أفراداً بشخصهم ، و انما هو مجموعة من أنماط لسلوكيات مشتركة في بعض الأطباء الذين تعاملهم معهم في السنوات العشر الماضية.

أخواني الأطباء الناشئين: دربكم المهني في بدايته ، وهو درب طويل و متعب ، يتطلب منكم التفاني و التفرغ و الشغف. لا تضيعوا وقتكم الثمين في العمل لدى استشاري "سكة" ، ذلك لأن معرفته خسارة ، و العمل معه مهانة ، و الإقتداء به غلطة ، والابتعاد عنه مكسب.