‏إظهار الرسائل ذات التسميات arabs best people عرب أجدع ناس غرور كبرياء نرجسية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات arabs best people عرب أجدع ناس غرور كبرياء نرجسية. إظهار كافة الرسائل

السبت، 3 أكتوبر 2015

صج محد يبيكم؟

 جلست مع احد الأطباء المتدربين في احد البرامج التدريبية في بلاد الواق واق. كان تعيساً بائساً. شكى لي الحال. قال لي ان مدير برنامجهم الذي تدرّب في بلاد الفرنجة قال له و لأصحابه "إنتوا أصلاً دون المستوى، منو يبيكم؟". قاصداً بذلك أن شهادات البرامج التدريبية المحلية (البورد الواقواقي) غير مُعتَرَف بها عالمياً. و بالتالي لن يحصلوا على وظيفة خارج حدود الواق واق.

هنا ابتسمت. و تذكرت قوله تعالى...

"قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ" (سورة الزمر. آية ٩)


 الأطباء الواقواقيون الذين يسافرون للدراسات العليا في الفرنجة إما يذهبون فقط للزمالة المهنية (fellowship) ، أو لتدريب متكامل (بورد + إختبارات + زمالة) للحصول في النهاية على رخصة كاملة لممارسة الطب في الفرنجة (full license).  الحصول على "رخصة" لا يعني بالضرورة الحصول على "وظيفة". مثل رخصة قيادة السيارة (ليسَن). كونك تملك رخصة القيادة ، فهذا لا يعني بالضرورة حصولك على سيارة بإسمك.

 مجتمعنا الواقواقي يمجد و يقدس الشهادات الإفرنجية. هذا أمر له أسبابه الوجيهة التي يعرفها الجميع. بين الفساد الذي ينخر المؤسسات التعليمية في العالم الثالث من جهة ، و بين السمعة الطيبة للتعليم الإفرنجي من جهة أخرى ، نجدُ الفجوة كبيرة بينهما يملؤها "الخنين و الخايس". الخنين الطبيب المؤهل المتميّز حقاً. و الخايس الطبيب الذي تدرّبَ في الفرنجة لكنه بقي كما هو: "عينة محفوظة".

أنا أسأل كل واقواقي نافش ريشه بشهاداته الإفرنجية الأسئلة التالية لتذكيره فقط هو من أين أتى.


١. هل نسيتَ كيف بُعِثتَ إلى بلاد الفرنجة؟ 

بالتنسيق مع هيئة "واق واق" العامة للتخصصات الطبية ، الملحق الثقافي في السفارة الواقواقية في بلاد الفرنجة يبذل كل سنة جهوداً جبارة لتأمين "مقاعد" في مستشفيات الفرنجة لتدريب لأطباء الواقواقيين. ضمن اتفاقيات عقودها المالية سخية جداً. هذا أمر مشروع تنتهجه كل الدول المتطورة التي تستثمر في تنمية كوادرها الوطنية.

كل المطلوب من الطبيب الواقواقي اجتياز إختبارات التقييم الإفرنجية الأولى. كإختبار الرخصة الإفرنجية مثلاً. وهو ليس بالأمر الصعب. باقي الإجراءات متروكة للسفارة الواقواقية في بلد الإبتعاث. راتب البعثة ينزل شهرياً في رصيد حساب الطبيب الواقواقي معززاً مكرّماً. بمعنى ان الواقواقي لم يكافح ليعبر البحور و المحيطات مثلما يفعل الهنود أو الصينيين للحصول على مقعد للعمل و الدراسة في بلاد الفرنجة. و لم يعمل في وظيفتين أو أكثر ليؤمّن لقمة عيشه كما يفعل غيره من المهاجرين من الدول الفقيرة.

٢. هل وظيفتك في الفرنجة تنتظرك؟

 كل من عاش في الفرنجة يعلم بأن المألوف جداً هناك أن نصادف مهندساً يقلي البطاطس في مطاعم الوجبات السريعة. أو محامياً يمسح الأرضيات في المقاهي. كل ذلك بسبب شح الوظائف. صحيح أن العمل شرف و كسب لقمة العيش تتطلب الخفّية. لكن الأمر مؤلم عندما يتخرج المرء من الجامعة ليعمل في مهنة أقل من مؤهله بمراحل. لا سيما إن كانت دون الطموح. 

بينما في الواق واق، توظيف الطبيب المواطن عن طريق "ديوان القوى الواقواقية" فوري. و بعدما يرجع من دراساته العليا ، ترقيته مرهونة بزمن تخليص المعاملة فقط. بينما في الفرنجة ، الطبيب الإفرنجي إبن البلد صاحب الرخصة الطبية الكاملة ، يبحث عن وظيفة شاغرة بعد تخرجه  وهذا بالنسبة له التحدي الأكبر. 

الوظائف في بلاد الفرنجة محدودة و نادرة. لأن الأطباء القدامى راسخون في وظائفهم. يسددون ما عليهم من قروض دراسية لسنين طويلة فيتقاعدون متأخراً. لا شواغر و لا مجال لتوظيف الدماء الجديدة. المستشفيات ميزانياتها محدودة. لذلك لا توظّف أطباء أكثر من حاجتها.

الشهادة وحدها لا تكفي.
في أي مكان في العالم و في أي مهنة: كي تحصل على وظيفة ، المؤهل الدراسي وحده لا يكفي. تحتاج لميزات أخرى كإجادة اللغة و العلاقات العامة و القاعدة الجماهيرية. ميزات كهذه لا نحصل عليها من الجامعة. و إنما تستغرق سنين طويلة لتنميتها و تطويرها. لذلك الطبيب "القديم ابن البلد" الذي يملكها له الأولوية في التوظيف على الطبيب الوافد الجديد في السوق.

فلا تعتقد ان الواقواقي الذي عبَر المحيطات قادماً من آخر الدنيا (الواق واق) ليعمل في الفرنجة، فرصته في الحصول على الوظيفة توازي فرصة الافرنجي ابن البلد. 

كنت كلما سألت أصحابي الافرنجيين "ماذا ستفعل بعد نهاية زمالتك؟" 
(What are you going to do after your fellowship)

إجابتهم التلقائية الموحدة "سأبحث عن وظيفة" 
(I'm going to look for a job)

بينما إذا هم سألوني "ماذا ستفعل عندما ترجع بلاد الواق واق؟" 
أجيبهم "هناك وظيفة تنتظرني".
(There is a job waiting for me)

الواقواقي خريج الفرنجة يعطينا إيحاء أنه اذا رجع الفرنجة سيجد حشود المعجبين بإنتظاره في المطار مهلّلين "طلع البدر علينا". ستتلاقفه الأيدي من كل المستشفيات للإستيلاء عليه و على خبراته الدفينة و أسراره الباتعة. إحساسه كإحساس ملكة الجمال التي عدّى عمرها الستين عاماً و تقول لزوجها "طلقني. طابور من الخطاطيب بإنتظاري خارج المنزل".

لكل قاعدة إستثناء. الإستثناء هنا إذا كان الطبيب الواقواقي نابغة في مجاله. أو إذا كان تخصصه نادر و مطلوب مثل طب التخدير أو طب العائلة أو طب الأورام مثلاً. أو إذا كان حظه يكسّر الصخر! الأطباء الواقواقيون من هذه النوعية يهاجرون إلى الفرنجة بهدوء. دون مشاكل و لا طول لسان و لا قلة أدب. بل و يتركون وراءهم سمعة طيبة.


٣. هل تتحمّل نمط الحياة الإفرنجي؟

 شتاء الواق واق رائع. لكن درجة حرارة الصيف الطويل ٥٠ مئوية فوق الصفر لا تُطاق.

في بلاد الفرنجة
صيف الفرنجة رائع. لكن درجة الحرارة ٥٠ مئوية تحت الصفر في الشتاء الطويل لا تُطاق. لذلك على المدى البعيد ، التطرف في درجة الحرارة أمر لا يُطاق. بالنسبة لأي موظف يعمل داخل المبنى (indoors)، درجة الحرارة الخارجية ليست مهمة.  

في بلاد الفرنجة 
 في فصل الشتاء يقضي الإفرنجي وقتاً طويلاً كل يوم في إزالة الثلج المتراكم أمام منزله بنفسه. و لأن قوانين العمالة و حقوق الانسان هناك صارمة: ماكو خَدَم! أجرة الخادم عالية لا يستطيع الكل تحمل تكاليفها.

في بلاد الفرنجة 
 أسعار الوقود نار. لذلك سيارات الإفرنجيين بشكل عام صغيرة متواضعة. يفضل الإفرنجي قضاء حوائجه ماشياً أو بالدراجة الهوائية إن أمكن.

في بلاد الفرنجة 
 راتب الطبيب ظاهرياً وفير. لكن الضرائب المفروضة على كل شيء (ضريبة دخل-ضريبة مبيعات...الخ) تكسر الظهر و معها يتلاشى الراتب. المعيشة مكلفة للغاية. آلية الرواتب تعتمد على الحوافز. تشابه إلى حد كبير آلية رواتب مستشفيات القطاع الخاص في الواق واق. كل شيء بحسابه. بمعنى أنك كلما عملتَ أكثر ، كلما راتبك صار أكثر. تدريب الأطباء له أجرة. إلقاء المحاضرات له أجرة. في المقابل ، ضريبة الدخل توازن الأمور. سن التقاعد متأخر. و يظل الطبيب "يكرف" و "يلهث" وراء الحوافز حتى سن التقاعد.

في بلاد الفرنجة 
الطبيب الإفرنجي لا يتمتع بحصانة طبلوماسية. بل بالعكس، يد التمريض فوق يد الطبيب في ظروف كثيرة. و لا يتسع له الوقت ليمارس طقوسه خلال ساعات العمل.

المواطن الواقواقي المغترب يتحمل الحياة في الفرنجة لأنها مؤقتة. لسان حاله يقول "مصيري راجع ديرتي الواق واق". لكن هل يتحمل الواقواقي هذه الحياة على المدى البعيد؟ أشك في ذلك. 
   
٤. لماذا لا ترجع الفرنجة؟ 

البنت في بيت ابوها تطلب "شنطة" سعرها ٥ دنانير. 
أبوها يضربها قائلاً "إكلي تبن".
بعدما تتزوج تطلب من زوجها "شنطة" سعرها ١٥٠ دينار. 
زوجها يعتذر عن الدفع لأنها فوق ميزانيته. 
تستنكر زوجته قائلة "شنو هالعيشة؟ في بيت أبوي أنا كنت معززة مكرمة"

نكتة كهذه انتشرت في برامج التواصل الإجتماعي لكن مغزاها جاد.
ذلك أن عاطفتنا أحياناً تحجب الحقيقة و تجعلنا ننسى من أين أتينا. 

هل تساءلتَ : لماذا بعض الإخوة العرب من الذين ولِدوا و ترعرعوا في الواق واق ثم هاجروا للفرنجة ، مصيرهم الرجوع الى الواق واق و معهم الجنسية الإفرنجية مع المؤهل الدراسي الإفرنجي؟ لماذا لم يبقوا هناك؟ لأن الذي يعتاد على نمط الحياة في الواق واق لن يتحمل الحياة في أي بلد آخر.

إذا كنتَ تتغنى (و تشهق) ببلاد الفرنجة أو بأي دولة أخرى مجاورة. شقيقة كانت أو صديقة ، يا أخي لا تحزن. هاجر إلى البلد الذي تعشقه و نحن سندعو لك من قلوبنا أن يوفقك الله.

عزيزي الواقواقي صاحب الشهادة الإفرنجية...
لماذا أنت باقٍ في الواق واق؟ 
و لماذا رضيتَ بمنصبك الأكاديمي في البورد الواقواقي الذي أنت نفسك تحتقره؟ 
و لماذا تنصح تلاميذك و أبناءك و أحبابك بالدراسة في الفرنجة؟ 
أنت فعلاً معلم ... و إحنا منك نتعلم!

الغرض الأساسي من إبتعاث الأطباء هو جلب علوم الفرنجة معهم لعلاج مرضانا و تعليم تلاميذنا في بلاد الواق واق. "محد يبيكم" عبارة مؤلمة ليس الغرض منها إلا التجريح و التحقير الذي لا داع له. لا سيما في مجال عملنا الذي يشترط المهنية و سمو الخُلُق. سواء مع مرضانا أو زملاءنا أو تلاميذنا على حد سواء. 

أطباء الفرنجة بشر. منهم الطيب و منهم الحقير. منهم العالي و منهم الداني.
لكن النظام المهني العام عندهم لا يسمح للحقير بالتعبير عن ما في داخله ، و إلا كانت العواقب جسيمة ربما تصل إلى تدمير مهنته. لذلك هم ليسوا ملائكة و لا شياطين.

تنويه
القصة كلها بزمانها و دولها و رجالها و أحداثها ما هي إلا من نسيج خيال المؤلف.
أي تشابه بينها و بين دول أو أحداث أو أماكن أو أفراد على أرض الواقع هو بمحض الصدفة البحتة. 
   

السبت، 11 يناير 2014

تدرب "عندهم" أحسن لك

  سؤال كهذا يتكرر على لسان كل من يرغب في دراسة أي مرحلة من مراحل الطب:
منذ البكالوريوس ، مروراً بالبورد العام إلى الزمالة التخصصية ، إنتهاءاً بزمالة التخصص الدقيق.

المتعصبون للغرب (و ما أكثرهم) يجاوبون تلقائياً بأن الدراسة في الغرب أفضل طبعاً. بينما الأساتذة المحليّون يدافعون عن كليّات الطب المحلية و يرفعون من شأن مستشفيات البلد و التعليم الطبي فيها. أساتذة محليون آخرون يشجعون تلاميذهم (تحت الطاولة) على إنتهاز فرص الإبتعاث إذا توفرت لهم لدراسة الطب في الخارج. كل واحد منهم لديه أسبابه. 

إتضح لي بأن المشكلة ليست في الإجابات المتنوعة.
المشكلة ربما تكمن في السؤال نفسه.
بمعنى أننا ربما كنا نسأل السؤال الخطأ. 

الأساتذة المحلّيون الذين يدافعون عن جودة التدريب الطبي المحلي ("المحلي": في الدول الخليجية و الدول العربية) يدّعون بأن مستوى تلاميذهم الأكاديمي يفوق مستوى نظرائهم المتدربين في الغرب. و لديهم نتائج الإختبارات التي تثبت صحة إدعاءاتهم. 

في المقابل ، الذين يمدحون التدريب في الغرب لا يبذلون مجهوداً كبيراً في الدفاع عن جودة التدريب هناك. لأن سمعة الجامعات وحدها مثل "ستانفورد" أو "أوكسفورد" أو "هارڤارد" كفيلة بإسكات أي متسائل. لكن كما قلت مسبقاً ، نحن كنا نسأل السؤال الخطأ.

  الفرق الأساسي بين التعليم المحلي و الأجنبي هو إختلاف الأولويات. فالأساتذة في الغرب هدفهم "صناعة" طبيب قادر على التفكير المنطقي المرتّب المتسلسل و إتخاذ القرار في التشخيص و العلاج في نفس اللحظة و من قلب الحدث. بعد ذلك إجادة المهارات اليدوية   لمساعدة المريض (كلٌ حسب تخصصه)

  بينما في التعليم المحلي ، الهدف الأساسي هو صنع طبيب حافظ المنهج الدراسي كله عن ظهر قلب. التركيز على الجانب النظري أهم شيء في الدنيا بالنسبة للأساتذة المحليون الأفاضل. لذلك الأطباء الذي يتمتعون بذاكرة تصويرية ينجحون في كل الإختبارات و يحصلون على أعلى الشهادات. و فعلاً يتفوقون على نظرائهم من الجامعات الغربية في الإختبارات النظرية. 

بينما الطبيب المتدرب في الغرب ربما لا يحفظ الكتاب "من الغلاف إلى الغلاف" و لا يدرس عشر ساعات في اليوم. و لكنه إذا ذهب إلى غرفة الطواريء يستطيع أن يضع خطة مسبقة مفصّلة للفحوصات المطلوبة لتشخيص كل مريض ، و يجري بنفسه العمليات/الإجراءات المطلوبة حسب تخصصه (قسطرة قلبية ، منظار للمريء و المعدة ، تنفس صناعي في الإنعاش ، جراحة البطن المفتوح ...الخ).

السؤال الصحيح ربما ...
في ميدان المعركة: 
هل تريد جنوداً لديهم لياقة بدنية عالية و معرفة في استخدام السلاح و خبرة سابقة في الحروب؟
أم تريد جنوداً يحفظون الشعر و النثر و النحو و الصرف؟
ستضحك من هذا السؤال لأن إجابته واضحة. 

 السؤال نفسه في المستشفى...
هل تريد طبيباً يحفظ كل مقررات الطب في تخصصه عن ظهر قلب؟
أم تريد طبيباً يعرف كيف يتصرف بمفرده في الطواريء و الأجنحة و العيادات الخارجية؟

إذا تظن بأن إجابة هذا السؤال سهلة كالسؤال السابق...
- أنت لا تعلم كم مرة قال لنا الإستشاري "روح بيتكم ادرس أحسن لك".
- أنت لا تعلم كيف الإستشاريون يحاولون إبعاد الأطباء المتدربين عن ممارسة (أو حتى مشاهدة) مهاراتهم الطبية.  
-لا يزال نظام الترقيات في العديد من المستشفيات العربية قائم على اجتياز الإختبارات النظرية (الزمالة البريطانية أو الماجستير أو الدكتوراه...الخ). لذلك الطبيب يمضي أغلب وقته في دراسة الكتب و حل أسئلة الإختبارات السابقة. 

الأطباء العرب يتفاخرون بأن اختباراتهم المحلية أصعب كثيراً من اختبارات الغرب. "الخواجات" يريدون تخريج "طبيب حقيقي" يفهم أساسيات المهنة. بينما العرب يريدون تخريج "هارد-ديسك" متنقل أعصابه تالفة من كثرة التخويف و التهديد و الوعيد و أسئلة الإختبارات التعجيزية.    

الأحد، 27 أكتوبر 2013

بشرى خير

نشاهد على قناة الناشيونال جيوغرافيك و اليوتيوب القط الذي يطارد ذيله دون توقف ، والأرنب الذي يحاول الوصول إلى الجزرة المعلّقة بخيط أمامه دون كلل. نضحك على هذه الحيوانات و لسان حالنا يقول "نحن بشر. نحن أرقى من أن نتصرف بهذه الطريقة المتخلفة". و لكن هل هذا الكلام صحيح١٠٠٪؟  

أمثلة
طالب الطب يفني سنوات شبابه في دراسة طويلة لا تنتهي. سنوات من العناء و "الكرف" و تحمّل الإهانات من الذين يعلونه رتبة. و يصر على إكمال دراساته العليا في الغرب حتى لو تعطّلت بعثته لسنوات طويلة. كل ذلك لأمله في ارتداء المعطف الأبيض و الاستمتاع بالهيبة المصاحبة للقب "دكتور". طالبة الطب ترفض الزواج في سبيل إكمال المسيرة المهنية نفسها.  

المغترب الآسيوي في دول الخليج العربية يعمل ١٦ ساعة يومياً دون إجازة. على "أمل" أن يرجع لأهله بعد سنوات قليلة غنياً مرفوع الرأس. معه ما يكفي من المال لشراء منزل أو بدء تجارة أو الزواج.

البنت الصغيرة يزوجوها أهلها رجلاً مسنّاً لا تحبه ، لتنجب منه  ١٥ طفلاً. تتحمل المعاناة على مر السنين لأن أهلها أقنعوها بأنها "ستحبّه" مع الزمن ، و إن لم يتغير شعورها تجاهه ، فعلى الأقل بوليصة تأمينها أبناؤها ، أملها في المستقبل. 

الشباب "الأحرار" في الدول القمعية يكافحون الديكتاتور الحالي. يجاهدون لنشر الحرية بين الناس و يوفرون العيش الكريم للشعب. و المواطن البسيط الجائع المغلوب على أمره يسمع وعودهم الجميلة في خطبهم الحماسية الرنانة التي تجيّش العواطف. يصدّقهم و يحارب الديكتاتورية الغاشمة معهم و من أجلهم.  

المواطن الخليجي يؤمن بفكرة "البيت". بعكس بعض العرب الذين يكتفون بالشّقة. الخليجي "يجب" أن يعيش في بيت مهما كان الثمن. يقترض هو و زوجته مبالغ ضخمة. يرهن كل ما يملك. يعيش في حالة تقشّف. كل ذلك في سبيل شراء "بيت العمر".  

الأصلع الوسيم يؤمن بأن الشعر سر الجمال. لذلك يغطي رأسه بأي طريقة ممكنة (شعر مستعار ، غترة + عقال ، قبعة…الخ).

تمضي السنين بسرعة غير ملحوظة
حياة الإنسان ما هي إلا "وميض" في عمر الأرض و الكون. 

و طالب الطب أصبح طبيباً. ولكن بعد الجامعة بدأت سنة التدريب ، تلتها سنوات التخصص العام و التخصص الدقيق و تخصص-التخصص الدقيق (sub-sub-specialty) في الغربة. ليجد نفسه على مشارف الأربعين من العمر وهو لا يزال جالساً في قاعة المحاضرات يدوّن ملاحظاته في دفتره أو حاسوبه الشخصي. بينما أترابه في المهن الأخرى يجهزون خططهم للتقاعد!     

و زميلته الطبيبة سارت في نفس الدرب. "طابور" الرجال الراغبين في الزواج منها إضمحل تدريجياً مع الزمن. لكنها مكرسة كل حياتها في المستشفى. 

و المغترب الآسيوي تصله رسائل من أبنائه الذين تخرجوا من الثانوية و دخلوا الجامعة. يريدون المزيد من المال لتغطية مصاريف الدراسة. وقتها يتذكر أنه عندما ترك أبناءه للعمل في الخليج ، كانوا في سن الرضاعة.

و البنت الصغيرة التي تزوجت و ظنّت بأن كفاحها سينتهي برعاية أبنائها لها. هرمت و أصبحت "جَدّة" تكافح لترعى أحفادها (بينما هي بحاجة لمن يرعاها) ، ذلك لأن أبناؤها يكافحون ، حسبهم في عملهم لتكوين أنفسهم و إثبات وجودهم في هذا العالم الذي لا يرحم. 

و الضباط "الأحرار" قلبوا نظام الحكم بنجاح. قتلوا الديكتاتور و أبادوا جلاوزته. ليتربّعون منتصرين على عرش السلطة. و يكوّنوا  بذلك ديكتاتورية العهد الجديد. الديكتاتورية هي نفسها ولكن بحلّة جديدة و وجه جديد و أسماء جديدة. المواطن البسيط المغفّل لا يزال يشجعهم و يدعو لهم بالتوفيق ، و يصفق لهم ، لأنه يؤمن بمصداقية وعودهم المزيفة.  

و الخليجي بعد دفعه لآخر قسط  لقرض البيت الذي اشتراه منذ عقود. رجع لأهله فخوراً مرتاحاً. لأن البيت أصبح أخيراً ملكه بالكامل (لا طالب و لا مطلوب). لكنه قضى شبابه كله و استهلك كل صحته و ضحّى بمتع الحياة فقط لتسديد هذا القرض. و بعد انتهاء السداد ، أخبرته زوجته بحاجتهم للإقتراض مجدداً لترميم البيت نفسه!

و الأصلع لم يزدَد وسامة. حتى بعد عملية زراعة الشعر.

مالقصد من وراء هذه الأمثلة؟
 لا يأس مع الحياة و لا حياة مع اليأس
قائل هذه العبارة أصاب قلب الهدف دون منازع. ذلك لأننا بني آدم نتنفس الأمل و نقتات عليه ولا نعيش بدونه. و المرء إذا آمَنَ  في مبدأ أو قضية من الصعب عليه إعادة حساباته و تقييم وضعه.  كالقط الذي يؤمن بأنه حتماً سيصطاد ذيله ، أو الأرنب الذي يؤمن بأنه حتماً سيلتقط الجزرة. 

طبعاً هذه الأمثلة افتراضية بحتة و نتائجها ليست حتمية. فالحظ و الأقدار و ظروف الزمان و المكان كلها عوامل تلعب دوراً كبيراً في تقرير المصير. المشكلة هنا في المحتالين و ضعاف النفوس (و السذّج أيضاً) الذين يعرفون قيمة الأمل و كيفية تسويقه لليائس. حتى إذا كان هذا "الأمل" مزيفاً. القلة القليلة من الناس تفهم "اللعبة" و تعيش حياتها حرة خالية من الآمال الكاذبة.  

الأحد، 15 سبتمبر 2013

إحنا أحسن ناس !

"أبو سعد" مهاجر عربي اتخذ كندا موطناً جديداً له. كل همّه فتح محل فلافل صغير يعيش منه.

عندما وصل الى كندا ، بحث في الجرائد عن سكن له. حصل على شقة صغيرة في عمارة سكنية قديمة متواضعة. تفاجأ أبو سعد بطيبة جيرانه الذين استقبلوه بحفاوة عفوية. كل جار منهم رحب به شخصياً و قدم له طبقاً أو هدية رمزية. تتميّز العمارة السكنية التي اختارها أبوسعد بموقعها الجغرافي ، ذلك لأنها تقع بين جامعة عريقة و مستشفى ضخم. لذلك أغلب سكان العمارة يعملون في أحد هاذين المرفقين لأسباب واضحة.
و هناك يطرح السؤال نفسه: من هم جيران أبوسعد؟ 
الفيزيائي "غوتنبرغ" الألماني الأصل ، الذي يعمل حالياً على تطوير وقود ذري آمن لإستخدامه في تقنية صواريخ الفضاء في متن محطة الفضاء الدولية.

البروفيسور "يوري" الروسي الأصل المتخصص في الديناميكا الحرارية. يبحث حالياً في مجال تطوير الطاقات البديلة المتجددة (مثل الشمس/الرياح/شلالات الماء) لتستبدل النفط في المستقبل القريب. 

العبقري "هيمانتا" الهندي الأصل ، نابغة زمانه في الرياضيات البحتة. يعمل أستاذاً في قسم الرياضيات في الجامعة المجاورة للعمارة. هيمانتا أبهر الجميع في قدرته على حل أصعب المعادلات الرياضية.

الدكتورة "هانو" الكورية الأصل. طبيبة متدربة في تخصص أمراض النساء والولادة في سنتها الأخيرة ، لتصبح بعد هذه السنة استشارية في تخصصها.  

الدكتور"بلونغو" النيجيري الأصل ، الطبيب النابغة الذي كرس حياته في أبحاث علاج السرطان.

هؤلاء الجيران ، بالرغم من شهاداتهم و خبراتهم ، إلا أنهم متواضعون الى أبعد الحدود. كل منهم لديه شغف لا ينتهي في عمله الإنساني. همّهم في هذه الحياة تحقيق أهدافهم ، و لا ضير في الفوز بجائزة نوبل في إختصاصهم في مرحلةٍ ما ،  لتتخلد أسماؤهم في التاريخ.
بينما معلم الفلافل أبوسعد ، أنفه عالي في السماء. ينظر اليهم نظرة دونية مليئة بالإحتقار مع قليل من الشفقة. لا يلبي دعواتهم المتكررة بالعشاء معه. يتفاداهم في الممرات و يحاول قدر الإمكان أن لا يرد عليهم التحية. سلوك أبو سعد لديه تبريراته ، ذلك لأنه أفضل منهم جميعاً.

لماذا هو أفضل منهم؟ الإجابة موجودة في أعماق العقل الباطن لحضرة جناب صاحبنا. 

هذا ما يحويه عقل أبو سعد...
من هؤلاء و من يظنوا أنفسهم ليحاولوا مصادقتي و التعرف علي؟
هؤلاء ناس لا أصل لهم ولا فصل. كل هؤلاء من الدرجة الثانية لأنهم ليسوا عرَباً.
هؤلاء لا يعرفون حتى آباؤهم. بينما شجرة عائلتي أعرفها و أتتبع أصولي العربية فيها منذ ثلاثين جيل !

أنا عربي أصيل و مسلم تقي ورع. مملكة أجدادي جاورَت حدودها الصين شرقاً و فرنسا غرباً.

بصمة أسلافي الحضارية كانت أصول علومهم. تقدّمهم التقني الحالي كان بسببنا. 

أنا أفضل عند الله من هذا الألماني الأشقر "غوتنبرغ" ،  إسمه ربما يوحي بأصله اليهودي. للأسف قتل ستة ملايين يهودي في المحرقة (الهولوكوست) لم يكن كافياً. كان على "هتلر" إتمام المهمة و إبادتهم جميعاً و محوهم من على وجه الأرض ليريحنا من هؤلاء أحفاد القردة والخنازير. 


أنا أؤمن بالله ، بعكس الشيوعي الملحد "يوري" ، تلميذ لينين و ستالين و ماركس.


أما عن الهندي "هيمانتا" ، فأنا لا أقول إلا حسبي الله على زمن أصبح فيه خدمنا الهنود أساتذة. 


و بالنسبة لتلك الطبيبة الكورية. أليس من الأفضل (والأولى) لها أن تترك ما هي منغمسة فيه حالياً لتتزوج و تنجب البنين و البنات؟ المرأة مملكتها البيت فقط. 


و هذا النيجيري "العبد" أبو الأبحاث والفهامة ، الله يرحم أيام زمان في بلدي عندما كانت ديّته خمسين ديناراً فقط لا غير ! 


معك حق يا أباسعد. 
فأنت أفضل منهم كلهم مجتمعين.
بل أنت سيدهم و تاج راسهم.
فإذا أتتك المنيّة ، فاعلم أن العالم سيفتقد أهم شيء قدمته أنت للبشرية : الفلافل