جلست مع احد الأطباء المتدربين في احد البرامج التدريبية في بلاد الواق واق. كان تعيساً بائساً. شكى لي الحال. قال لي ان مدير برنامجهم الذي تدرّب في بلاد الفرنجة قال له و لأصحابه "إنتوا أصلاً دون المستوى، منو يبيكم؟". قاصداً بذلك أن شهادات البرامج التدريبية المحلية (البورد الواقواقي) غير مُعتَرَف بها عالمياً. و بالتالي لن يحصلوا على وظيفة خارج حدود الواق واق.
هنا ابتسمت. و تذكرت قوله تعالى...
"قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ" (سورة الزمر. آية ٩)
الأطباء الواقواقيون الذين يسافرون للدراسات العليا في الفرنجة إما يذهبون فقط للزمالة المهنية (fellowship) ، أو لتدريب متكامل (بورد + إختبارات + زمالة) للحصول في النهاية على رخصة كاملة لممارسة الطب في الفرنجة (full license). الحصول على "رخصة" لا يعني بالضرورة الحصول على "وظيفة". مثل رخصة قيادة السيارة (ليسَن). كونك تملك رخصة القيادة ، فهذا لا يعني بالضرورة حصولك على سيارة بإسمك.
مجتمعنا الواقواقي يمجد و يقدس الشهادات الإفرنجية. هذا أمر له أسبابه الوجيهة التي يعرفها الجميع. بين الفساد الذي ينخر المؤسسات التعليمية في العالم الثالث من جهة ، و بين السمعة الطيبة للتعليم الإفرنجي من جهة أخرى ، نجدُ الفجوة كبيرة بينهما يملؤها "الخنين و الخايس". الخنين الطبيب المؤهل المتميّز حقاً. و الخايس الطبيب الذي تدرّبَ في الفرنجة لكنه بقي كما هو: "عينة محفوظة".
أنا أسأل كل واقواقي نافش ريشه بشهاداته الإفرنجية الأسئلة التالية لتذكيره فقط هو من أين أتى.
١. هل نسيتَ كيف بُعِثتَ إلى بلاد الفرنجة؟
بالتنسيق مع هيئة "واق واق" العامة للتخصصات الطبية ، الملحق الثقافي في السفارة الواقواقية في بلاد الفرنجة يبذل كل سنة جهوداً جبارة لتأمين "مقاعد" في مستشفيات الفرنجة لتدريب لأطباء الواقواقيين. ضمن اتفاقيات عقودها المالية سخية جداً. هذا أمر مشروع تنتهجه كل الدول المتطورة التي تستثمر في تنمية كوادرها الوطنية.
كل المطلوب من الطبيب الواقواقي اجتياز إختبارات التقييم الإفرنجية الأولى. كإختبار الرخصة الإفرنجية مثلاً. وهو ليس بالأمر الصعب. باقي الإجراءات متروكة للسفارة الواقواقية في بلد الإبتعاث. راتب البعثة ينزل شهرياً في رصيد حساب الطبيب الواقواقي معززاً مكرّماً. بمعنى ان الواقواقي لم يكافح ليعبر البحور و المحيطات مثلما يفعل الهنود أو الصينيين للحصول على مقعد للعمل و الدراسة في بلاد الفرنجة. و لم يعمل في وظيفتين أو أكثر ليؤمّن لقمة عيشه كما يفعل غيره من المهاجرين من الدول الفقيرة.
٢. هل وظيفتك في الفرنجة تنتظرك؟
كل من عاش في الفرنجة يعلم بأن المألوف جداً هناك أن نصادف مهندساً يقلي البطاطس في مطاعم الوجبات السريعة. أو محامياً يمسح الأرضيات في المقاهي. كل ذلك بسبب شح الوظائف. صحيح أن العمل شرف و كسب لقمة العيش تتطلب الخفّية. لكن الأمر مؤلم عندما يتخرج المرء من الجامعة ليعمل في مهنة أقل من مؤهله بمراحل. لا سيما إن كانت دون الطموح.
بينما في الواق واق، توظيف الطبيب المواطن عن طريق "ديوان القوى الواقواقية" فوري. و بعدما يرجع من دراساته العليا ، ترقيته مرهونة بزمن تخليص المعاملة فقط. بينما في الفرنجة ، الطبيب الإفرنجي إبن البلد صاحب الرخصة الطبية الكاملة ، يبحث عن وظيفة شاغرة بعد تخرجه وهذا بالنسبة له التحدي الأكبر.
الوظائف في بلاد الفرنجة محدودة و نادرة. لأن الأطباء القدامى راسخون في وظائفهم. يسددون ما عليهم من قروض دراسية لسنين طويلة فيتقاعدون متأخراً. لا شواغر و لا مجال لتوظيف الدماء الجديدة. المستشفيات ميزانياتها محدودة. لذلك لا توظّف أطباء أكثر من حاجتها.
الشهادة وحدها لا تكفي.
في أي مكان في العالم و في أي مهنة: كي تحصل على وظيفة ، المؤهل الدراسي وحده لا يكفي. تحتاج لميزات أخرى كإجادة اللغة و العلاقات العامة و القاعدة الجماهيرية. ميزات كهذه لا نحصل عليها من الجامعة. و إنما تستغرق سنين طويلة لتنميتها و تطويرها. لذلك الطبيب "القديم ابن البلد" الذي يملكها له الأولوية في التوظيف على الطبيب الوافد الجديد في السوق.
فلا تعتقد ان الواقواقي الذي عبَر المحيطات قادماً من آخر الدنيا (الواق واق) ليعمل في الفرنجة، فرصته في الحصول على الوظيفة توازي فرصة الافرنجي ابن البلد.
كنت كلما سألت أصحابي الافرنجيين "ماذا ستفعل بعد نهاية زمالتك؟"
(What are you going to do after your fellowship)
إجابتهم التلقائية الموحدة "سأبحث عن وظيفة"
(I'm going to look for a job)
بينما إذا هم سألوني "ماذا ستفعل عندما ترجع بلاد الواق واق؟"
أجيبهم "هناك وظيفة تنتظرني".
(There is a job waiting for me)
الواقواقي خريج الفرنجة يعطينا إيحاء أنه اذا رجع الفرنجة سيجد حشود المعجبين بإنتظاره في المطار مهلّلين "طلع البدر علينا". ستتلاقفه الأيدي من كل المستشفيات للإستيلاء عليه و على خبراته الدفينة و أسراره الباتعة. إحساسه كإحساس ملكة الجمال التي عدّى عمرها الستين عاماً و تقول لزوجها "طلقني. طابور من الخطاطيب بإنتظاري خارج المنزل".
لكل قاعدة إستثناء. الإستثناء هنا إذا كان الطبيب الواقواقي نابغة في مجاله. أو إذا كان تخصصه نادر و مطلوب مثل طب التخدير أو طب العائلة أو طب الأورام مثلاً. أو إذا كان حظه يكسّر الصخر! الأطباء الواقواقيون من هذه النوعية يهاجرون إلى الفرنجة بهدوء. دون مشاكل و لا طول لسان و لا قلة أدب. بل و يتركون وراءهم سمعة طيبة.
٣. هل تتحمّل نمط الحياة الإفرنجي؟
شتاء الواق واق رائع. لكن درجة حرارة الصيف الطويل ٥٠ مئوية فوق الصفر لا تُطاق.
في بلاد الفرنجة
صيف الفرنجة رائع. لكن درجة الحرارة ٥٠ مئوية تحت الصفر في الشتاء الطويل لا تُطاق. لذلك على المدى البعيد ، التطرف في درجة الحرارة أمر لا يُطاق. بالنسبة لأي موظف يعمل داخل المبنى (indoors)، درجة الحرارة الخارجية ليست مهمة.
في بلاد الفرنجة
في فصل الشتاء يقضي الإفرنجي وقتاً طويلاً كل يوم في إزالة الثلج المتراكم أمام منزله بنفسه. و لأن قوانين العمالة و حقوق الانسان هناك صارمة: ماكو خَدَم! أجرة الخادم عالية لا يستطيع الكل تحمل تكاليفها.
في بلاد الفرنجة
أسعار الوقود نار. لذلك سيارات الإفرنجيين بشكل عام صغيرة متواضعة. يفضل الإفرنجي قضاء حوائجه ماشياً أو بالدراجة الهوائية إن أمكن.
في بلاد الفرنجة
راتب الطبيب ظاهرياً وفير. لكن الضرائب المفروضة على كل شيء (ضريبة دخل-ضريبة مبيعات...الخ) تكسر الظهر و معها يتلاشى الراتب. المعيشة مكلفة للغاية. آلية الرواتب تعتمد على الحوافز. تشابه إلى حد كبير آلية رواتب مستشفيات القطاع الخاص في الواق واق. كل شيء بحسابه. بمعنى أنك كلما عملتَ أكثر ، كلما راتبك صار أكثر. تدريب الأطباء له أجرة. إلقاء المحاضرات له أجرة. في المقابل ، ضريبة الدخل توازن الأمور. سن التقاعد متأخر. و يظل الطبيب "يكرف" و "يلهث" وراء الحوافز حتى سن التقاعد.
في بلاد الفرنجة
الطبيب الإفرنجي لا يتمتع بحصانة طبلوماسية. بل بالعكس، يد التمريض فوق يد الطبيب في ظروف كثيرة. و لا يتسع له الوقت ليمارس طقوسه خلال ساعات العمل.
المواطن الواقواقي المغترب يتحمل الحياة في الفرنجة لأنها مؤقتة. لسان حاله يقول "مصيري راجع ديرتي الواق واق". لكن هل يتحمل الواقواقي هذه الحياة على المدى البعيد؟ أشك في ذلك.
٤. لماذا لا ترجع الفرنجة؟
البنت في بيت ابوها تطلب "شنطة" سعرها ٥ دنانير.
أبوها يضربها قائلاً "إكلي تبن".
بعدما تتزوج تطلب من زوجها "شنطة" سعرها ١٥٠ دينار.
زوجها يعتذر عن الدفع لأنها فوق ميزانيته.
تستنكر زوجته قائلة "شنو هالعيشة؟ في بيت أبوي أنا كنت معززة مكرمة"
نكتة كهذه انتشرت في برامج التواصل الإجتماعي لكن مغزاها جاد.
ذلك أن عاطفتنا أحياناً تحجب الحقيقة و تجعلنا ننسى من أين أتينا.
هل تساءلتَ : لماذا بعض الإخوة العرب من الذين ولِدوا و ترعرعوا في الواق واق ثم هاجروا للفرنجة ، مصيرهم الرجوع الى الواق واق و معهم الجنسية الإفرنجية مع المؤهل الدراسي الإفرنجي؟ لماذا لم يبقوا هناك؟ لأن الذي يعتاد على نمط الحياة في الواق واق لن يتحمل الحياة في أي بلد آخر.
إذا كنتَ تتغنى (و تشهق) ببلاد الفرنجة أو بأي دولة أخرى مجاورة. شقيقة كانت أو صديقة ، يا أخي لا تحزن. هاجر إلى البلد الذي تعشقه و نحن سندعو لك من قلوبنا أن يوفقك الله.
عزيزي الواقواقي صاحب الشهادة الإفرنجية...
لماذا أنت باقٍ في الواق واق؟
و لماذا رضيتَ بمنصبك الأكاديمي في البورد الواقواقي الذي أنت نفسك تحتقره؟
و لماذا تنصح تلاميذك و أبناءك و أحبابك بالدراسة في الفرنجة؟
أنت فعلاً معلم ... و إحنا منك نتعلم!
الغرض الأساسي من إبتعاث الأطباء هو جلب علوم الفرنجة معهم لعلاج مرضانا و تعليم تلاميذنا في بلاد الواق واق. "محد يبيكم" عبارة مؤلمة ليس الغرض منها إلا التجريح و التحقير الذي لا داع له. لا سيما في مجال عملنا الذي يشترط المهنية و سمو الخُلُق. سواء مع مرضانا أو زملاءنا أو تلاميذنا على حد سواء.
أطباء الفرنجة بشر. منهم الطيب و منهم الحقير. منهم العالي و منهم الداني.
لكن النظام المهني العام عندهم لا يسمح للحقير بالتعبير عن ما في داخله ، و إلا كانت العواقب جسيمة ربما تصل إلى تدمير مهنته. لذلك هم ليسوا ملائكة و لا شياطين.
تنويه
القصة كلها بزمانها و دولها و رجالها و أحداثها ما هي إلا من نسيج خيال المؤلف.
أي تشابه بينها و بين دول أو أحداث أو أماكن أو أفراد على أرض الواقع هو بمحض الصدفة البحتة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق