‏إظهار الرسائل ذات التسميات cardiology. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات cardiology. إظهار كافة الرسائل

السبت، 31 أكتوبر 2015

خف علينا يا بو سيستم

كلما جلستُ مع أي طبيب متخرج من بلاد الفرنجة و سألته: مالذي  يميّز بلاد الفرنجة عن بلادنا؟ كلهم يجيبون بعد بضعة "آهات": آه. الفرنجة فيها "سيستم". لا يقف الأمر عند مفردة "سيستم" فحسب. وإنما يمتد لتلقينه لطلاب الطب المحليين جيلاً بعد جيل إلى درجة ترديدها كالببغاء... "الإفرنجيين افضل منا لأنهم عندهم سيستم". 

يتذكر خريجو الفرنجة أيام غربتهم بحسرة و يرددون في بالهم "يا زين ايام الدراسة في الفرنجة. عندهم سيستم".

لكن السؤال الذي يطرح نفسه: مالمقصود "بالسيستم"؟ 
"سيستم" كلمة انجليزية (system) و تعني "نظام". لكن في بلادنا الواق واق لدينا أيضاً نظام و قوانين و لوائح. إذا كان المقصود بالسيستم انعدام الفساد ، فالفرنجة أيضاً لا تخلو من الفساد. السيستم الذي يتحدثون عنه و يتشدقون به مفهوم أَكْبَر و أشمَل سأشرحه في هذا المقال.

السيستم في العمل
 الاستشاري الافرنجي أول من يداوم في المستشفى و آخر من يرجع بيته. يقسّم جدوله حسب مهامه. بين العيادة الخارجية و الأجنحة و العمليات و كتابة  التقارير الطبية و تدريس الطلبة ...الخ. هل سبب هذا الالتزام المفرَط حب الوظيفة؟ لا ننكر أن الشغف موجود عند البعض. لكن هناك عوامل أخرى تُلزِم الطبيب بساعات العمل

بمعنى أن المسألة ليست متروكة للضمير و الرضا الوظيفي فقط. سياسة الثواب و العقاب التي تشمل كل موظفي المستشفى لا تستثني منها الأطباء. كل طبيب يلتزم بمهام معيّنة و بساعات عمل مخصّصة يأتي ترتيبها من الإدارات العليا. ساعات العمل سواء في الأجنحة أو الطواريء أو العيادات الخارجية.

في بلاد الفرنجة ، مالذي يحدث إذا رفض الاستشاري المناوب الذهاب إلى المستشفى ليلاً لفحص حالة حرجة؟ ما هي العواقب القانونية إذا توفى مريض بسبب الإهمال المتعمد للطبيب؟ 

بينما في بلاد الواق واق ، الاستشاري الواقواقي يقسم جدوله حسب مزاجه و راحته و تفضيله الشخصي ولا يجرؤ أحد على المساءلة أو حتى النقاشحتى إذا إتكأ على كرسيه طوال اليوم و رمى واجباته على عاتق الأطباء الأقل منه رتبة.

السيستم في التعامل
تخصصات الطب المساعد و بالذات التمريض نادرة و مطلوبة أكثر من الطب في الفرنجة. الممرضين يدعمهم "إتحاد" قوي (Union)  يساندهم و يدافع عن حقوقهم و يحاسب من يظلمهم. لذلك بالنسبة لإدارة المستشفى ، استقالة الممرض أكثر خطورة من استقالة الطبيب. إسألوا أي طبيب عاش في الفرنجة: ما هي العواقب القانونية إذا أساء الطبيب معاملة الممرض؟ 

نفس المبدأ يطبّق على كل العاملين في مستشفيات الفرنجة. التنمّر (bullying) بكل أنواعه ممنوع. ليس من حق أي موظف أن يسيء معاملة موظف آخر بغض النظر عن المسمى الوظيفي. في ممرات المستشفى مثلاً ، إذا رمى الطبيب قاذوراته على الأرض ، ينظر الفراش إلى الطبيب بحزم و يطلب منه بلهجة حادة أن يرمي قاذوراته في صندوق القمامة! الطبيب ليس له إلا أن يعتذر للفرّاش و يمتثل لأوامره

السيستم في الميزان
الطبيب في بلاد الفرنجة لديه عدوّان لدودان يقفان له بالمرصاد: المحامي و المحاسِب

موقع في الانترنت للمحامين المتخصصين في كشف "النصب" في عمليات القسطرة

يافطة إعلانية لمكتب محاماة في الشارع في الولايات المتحدة
"هل الدعامة التي وضعوها لك (في قلبك) لم يكن لها داع؟ إتصل بنا"

المحامي يبحث عن أي خلل أو تقصير في تشخيص و علاج المرضى كي يسحب الطبيب من معطفه ليجرّه إلى أروقة المحاكم. والمحاسِب "الخاص" تستأجره شركات التأمين الصحي ليدقق في سجلات الطبيب المالية و مصروفات المستشفى لمقارنة الصادر و الوارد و رصد أي تلاعبات مالية محتملة. إذا كان الطبيب مثلاً يطلب فحوصات لا داعٍ لها. أو يجري عمليات جراحية غير ضرورية. أو إذا كان يفحص بعض مرضاه مجاناً و يستغل موارد المستشفى. كلاهما -المحامي و المحاسب- ينتظران زلّة واحدة للطبيب لينقضّوا عليه مثل النسور آكلة الجِيَف. لأن رزقهم يعتمد على هذه الزلّات.



النسور آكلات الجيف

لذلك الطبيب يقي نفسه من "الطلايب و عوار الراس" و يلتزم بلوائح و أصول العمل بكل حذافيرها. أو كما يقول المصريون "يمشي على العجين ما يلخبطهوش" و "إمشي عدل يحتار عدوّك فيك".

السيستم في التدريس والتدريب
مستشفيات بلاد الفرنجة ميزانياتها محدودة. لذلك ترحب إدارة كل مستشفى بأي "دعم" لميزانيتها. مثلاً بعض أثرياء البلد يتبرعون لبناء عيادة أو تجديد جناح. أو تتفق بعض المستشفيات مع كليّات الطب لتعليم طلبة الطب فيها مقابل رسوم مالية تدفعها الجامعات. أو بتوقيع إتفاقيات تعاونية مع سفارات "الدول الغنية" لتدريب الأطباء الأجانب مقابل عقود مالية سخيّة جداًلذلك تحرص المستشفيات التعليمية على تقديم أفضل تدريب طبي و على أعلى مستوى للجميع

تدريب ممتاز = سمعة ممتازة = جذب طلاب و أطباء متدربين أكثر = دعم مادي أفضل

 لذلك في بعض الأحيان إذا أخطأ الطبيب المتدرب مثلاً. ترى الإستشاري يحمر وجهه من الغضب و يبقى صامتاً. يكظم غضبه و يمنع نفسه من الصراخ و الشتيمة خوفاً من التبعات القانونية المُحتملة إذا اشتكى الطبيب المتدرب المعني عند مكتب الشئون الأكاديمية

بينما في بلاد الواق واق لا توجد قوانين رادعة توقف الاستشاري قليل الأدب عند حده. قابلت استشاريين واقواقيين تخرجوا من الفرنجة في الستينات و السبعينات و لما أرَ في حياتي أوقح منهم و لا أكثر بذاءة من لسانهم. ماذا تعلمتم من أخلاق الفرنجة بالله عليكم؟ و أي قدوة ستكونون لتلاميذكم؟

هل تعلم أن الاستشاري في بلاد الفرنجة شهادته سارية المفعول لمدة عشر سنوات فقط؟ بمعنى أنه يقدم إختبارات البورد مرة كل عشر سنوات لتجديد شهادته (recertification) لتجديد رخصة ممارسة مهنة الطب

تخيّل نفسك تقول للإستشاري الواقواقي: طال عمرك عليك أن تقدم اختبارات الزمالة مرة كل عشر سنوات. ماذا سيكون رد فعله؟ أبسط ما سيفعله أن يطردك من مكتبه

القصد 
الاستشاريون الذي يمدحون الفرنجة و يفتقدونهم لأن عندهم "سيستم" ، مديحهم كلام "مأكول خيره". هم أنفسهم سيحاربون "السيستم" إذا تم تطبيقه في بلاد الواق واقحدث أكثر من مرة أن حاولت جامعات افرنجية تطوير مستشفيات الواق واق و انتهت بفشل ذريع. لأن الاستشاريون الواقواقيون لا يريدون "سيستم إفرنجي" في مستشفياتهم و لأسباب جليّة. مديحهم لسيستم الفرنجة مثل شركات التبغ التي تدعم حملات مكافحة التدخين. أو نواب مجلس الأمة الذين يطالبون بحل القضايا المستعصية التي حلّها لا يَصُب في مصلحتهم.

السبت، 8 يونيو 2013

متلازمة البورد الكندي

ظهرت في الأوساط الطبية في دول الخليج العربية في السنوات القليلة الماضية "حالة مرضية" معروفة بمتلازمة البورد الكندي (The Canadian Board Syndrome). ظهرت في البداية لأسباب فكاهية بحتة للسخرية من "بعض" الأطباء الخليجيين (وليس الكل) الذين أتموا دراساتهم العليا في كندا و رجعوا إلى أوطانهم ليرشوا الملح على جروح الخدمات الصحية بدلاً من تضميدها. ذلك لأن عزتهم أخذتهم بالإثم و صدّقوا عقدة الخواجة و حسبوا أنفسهم آلهة على غيرهم من الأطباء. أول من وضع شرح "متلازمة البورد الكندي" على الورق بالتفصيل في إطار كوميدي كان د. جراح الطبيّخ.

متلازمة البورد الكندي ربما تتلخص بالعلامات / الأعراض التالية:
- غرور و تكبّر ليس له مثيل. مع نظرة دونية للزملاء الذين لم يحالفهم الحظ في الذهاب الى كندا.

- تشدّق باللغة الانجليزية و باللكنة الأمريكية خصوصاً.

- أي محادثة تبدأ بعبارة "عندما كنت في كندا".

- عدم الالتزام بساعات العمل في المستشفى كما يجب ، مع التفرغ الكامل للقطاع الخاص.

- الحرص على عدم ارتداء المعطف الأبيض (البالطو الأيض) ، ذلك لأن "الاستشاري" يرتدي بدلة رسمية دون معطف.

- شغل أكبر عدد ممكن من المناصب في نفس الوقت.
مثلاً: رئيس وحدة + رئيس بورد + عضو الهيئة التدريسية بالجامعة. مع "صف" قائمة الشهادات الدراسية و الألقاب تحت اسم الطبيب في الختم (البورد الأمريكي و الكندي. الزمالة الأمريكية و الكندية في التخصصات العامة و الدقيقة و دقيقة-الدقيقة). ذلك لأن كل منصب لديه البدلات المالية الخاصة به. 

- إقناع الغير بأن المهارات الطبية التي اكتسبوها في الخارج (جراحة/مناظير/سونار/قسطرة ..الخ) ليست صعبة ، و إنما مستحيلة. لا يتعلم هذه المهارات غير العباقرة مثلهم فقط. 

- نصيحة للأطباء الصغار بإكمال دراستهم في كندا. حتى لو كان قائل النصيحة هو رئيس البورد المحلّي في تخصصه. 

- كره التدريس بكل أنواعه و على كل المستويات. بالرغم من ذلك يكافح للحصول على منصب أكاديمي في الجامعة و يطالب ببدل التدريس من وزارة الصحة!


من واقع خبرتي المتواضعة خلال السنوات العشر الماضية ، متلازمة البورد الكندي ، أو "كاناديان بورد سيندروم" ، تسمية خاطئة (misnomer).

لا علاقة لهذه التسمية بأمريكا الشمالية أو الغرب بشكل عام و ذلك للأسباب التالية:
١. كثير من الأطباء الذين "يعانون" من هذه الحالة ، لديهم أعراض الحالة وعلاماتها أساساً حتى قبل سفرهم إلى كندا.

بل و منهم من لم يعبر المحيط الأطلسي في حياته. أعراض المتلازمة لديهم كانت واضحة منذ أيام دراستهم في كليّة الطب.  

٢. "المتلازمة" بحد ذاتها ما هي إلا انعكاس لعقدة نقص بشكل عام و عقدة الأجنبي (عقدة الخواجة) بشكل خاص.
متأصلة في شخصية الطبيب. هناك أطباء عرب تدرّبوا في الغرب و تخلّدت أسماؤهم و إنجازاتهم تاريخياً و على مستوى عالمي و هم على أرض الواقع في قمة التواضع و دماثة الخلق.  

٣. أعراض متلازمة البورد الكندي ما هي إلا صفات شرقية قديمة لا علاقة لها بالغرب. فالعرب بالذات معروفين أكثر من غيرهم بحبّهم الأزلي للتفاخر بالأنساب و الأصل و المال و القوة و النفوذ و المناصب. حب التفاخر "بالمؤهلات الدراسية" لا يختلف في هذا السياق. مثلما يقول المثل "اللي عمره ما تبخّر ، تبخّر و إحترق". 

٤. نظرية دوننغ-كروغر (Dunning–Kruger effect): تنص هذه النظرية على أن الأفراد ذوي المهارات المتوسطة عادةً ما يبالغون في تقدير أنفسهم و مهاراتهم. كل فرد يظن نفسه أذكى و أفضل و أمهر مما هو عليه في الواقع. 

الذي يتخرج من دول الغرب يعتبر نفسه أبرز من غيره. ناسياً اننا في عصر الانترنت ، حيث الواحد منا يتسطيع تأكيد أي معلومة يسمعها خلال ثوانٍ من غوغل. 

٥. النسبة و التناسب.
مما لا شك فيه أن النجاح و التفوق مسألة نسبية. الخدعة في الموضوع أن القليل يعي هذه المسألة. فالشخص الذي يبلغ طوله ١٥٠ سنتيمتر و يعيش في قرية أقزام ، يرى نفسه "عملاقاً" بينهم و لكنه في الواقع ليس كذلك. نفس المبدأ في أسرة كل أبناؤها فاشلون في الدراسة ، ما عدا واحداً فقط منهم استطاع أن يدخل الجامعة ، ليرى نفسه "إلهاً" بين إخوته. 

نظام الخدمة الصحية في الكويت سيء ومتعثر لأسباب كثيرة. لذلك الطبيب المتدرب في كندا يرى نفسه وكأن على رأسه "ريشة" مقارنة بهؤلاء المتدربين محلياً. حتى لو كان هذا المتدرب من كندا من أغبى مخلوقات الله. 

٦. حان وقت قطف الثمار.
دراسة الطب طويلة و مضنية ، كلها كفاح و سهر (للدراسة أو لعلاج المرضى على حد سواء) و ربحها المادي على المدى البعيد غير مجزي مقارنة بمجالات أخرى مثل "الفن" و البورصة و تجارة العقارات و غيرها. 
دراسة الطب سبع سنوات. تليها سنة الامتياز. بعد ذلك ست إلى سبع سنوات في كندا. المجموع بالمتوسط ١٥ سنة دراسة. هذا اذا لم يتعطل الطبيب و لم يرسب أو يتأخر خلال هذا المشوار. لذلك عند رجوعه من كندا يحرص على حصد أكبر كمية من الأموال في أقصر فترة و أقل مجهود. 
   
الخلاصة.
١. مثلما يقال في البحث العلمي: التصادف لا يعني السببية (Correlation is not causation).
فالطبيب المغرور المتعالي المتخرج من كندا ، نفسه المريضة ليس لها علاقة بالغرب

٢. القاعدة العامة تشير الى أن العلاقة بين العلم و الغرور علاقة عكسية.
بمعنى أن الغرور يضمحل كلما زاد العلم ، و التكبر يقل كلما زادت الخبرة.  
قال تشارلز داروين "الجهل يزيد الثقة بالنفس". 
و قال شيكسبير "الغبي يرى نفسه حكيماً. بينما الحكيم يرى نفسه غبياً". 

في الختام أتذكر الذي قاله لي أحد زملائي الاستشاريين الكنديين بخصوص هذه المتلازمة: نحن ندربهم. نحن لا نربّيهم!