السبت، 24 أكتوبر 2015

خف علينا يا ملك

رئيس القسم
خلال سنوات زمالتي في الماضي القريب ، كان في قسم القلب الذي تدربتُ فيه طبيباً آسيوياً بدرجة مسجّل (رجسترار). كان في أواخر الأربعينات من العمر. كان شعره رمادياً مع خصل جانبية بيضاء. نظارته الطبية كانت سميكة. لكن الذي لفت نظرنا جميعاً غروره و تكبّره علينا بالذات نحن أطباء الزمالة المتدربين. كان خلال المحاضرات يجلس في الصف الأول و يضع رجلاً فوق الأخرى و يلتفت الينا بنظرة دونية و نصف ابتسامة ساخرة كلما سألَنا المحاضِر سؤالاً و كانت إجاباتنا خاطئة. لم تقف وقاحته هنا فحسب. و إنما كان يتطاول على آراء الإستشاريين و رئيس القسم في الإجتماعات و يفرض رأيه عليهم بحزم. 

 جلست معه في ساعة صفاء و سألته عن قصّته قبل قدومه الخليج. قال لي أنه كان إستشارياً كبيراً و مديراً لعمليات  القسطرة في مستشفاه الذي كان من أكبر مستشفيات شرق آسيا. لكن بعد سقوط رئيس جمهورية بلاده و اندلاع الحرب الأهلية ، فرضت عليه ظروف المعيشة الصعبة السفر مع أهله طلباً للقمة العيش. للأسف كل خبرته و شهاداته الدراسية كانت "محلية". بمعنى أنه لم يحمل أي مؤهل أوروبي أو أمريكي.  لذلك في الخليج شهاداته كانت بلا وزن و لم تعنِ الكثير للجهات المختصة. بحكم ظروفه الصعبة ، رضي بمسمى "مسجّل" بدلاً من "استشاري".

الأب الروحي
في دولة خليجية أخرى ، تعرفت على طبيب آخر من جنسية آسيوية أيضاً. كان زملاء المهنة من نفس بلده ينادونني "دكتور بدر" بينما ينادونه "سير" (sir). بالرغم من أن كِلانا نحمل نفس المسمى الوظيفي. كان صاحبنا قليل الكلام. لكنه كان ينظر للجميع بنظرة دونية. كان يبدي امتعاضه كلما رآنا نعمل. المشكلة أنه لا يعجبه العجب. فمهما كانت جودة عملنا فلن يحصل على رضاه أحد.  هو استشاري فعلاً. لكنه كان إذا تحدث مع زملائه الاستشاريين الخليجيين ، خاطبهم بنبرة هادئة دونية فحواها بين السطور"أنا أفهم أكثر منكم". 

بينما زملاؤه ذوي الرتب الأقل من رتبة الاستشاري ، فهو يجلس على كرسيه -كأنه يتربع على عرش- طول النهار يتأمّر عليهم فقط. لا يرى المرضى معهم بل يعطيهم أوامره بالهاتف. غروره لا يقف هنا. بل كلما علِمَ بقدوم خبير عالمي من أمريكا لإلقاء محاضرات أو تنظيم ورش عمل في الخليج ، طلب إجازة و سافر بلاده كي لا يحضر محاضراته. 

زملاءه في المهنة من نفس بلده قالوا لي لاحقاً بأنه كان أباهم الروحي في بلاده. كان الجميع ينظر إليه بنظرة إجلال و إحترام لإنجازاته الجبارة في بلده على حد قولهم. إستشارته قاطعة. رأيه نهائي. كلامه محفور في الحجر.

"صطاف" الجامعة
صاحبنا هذه المرة قدم للعمل في الخليج من دولة عربية. كان الأول على دفعته في الجامعة في بلده. الهيئة التدريسية لأي جامعة توظّف فيها الأوائل على الدفعة و صاحبنا كان منهم. صحيح الراتب زهيد ، لكن الهيبة المصاحبة للمنصب الأكاديمي في الجامعة كانت كفيلة بإغرائه للإلتحاق بطاقم كلية الطب. الطاقم أو الكادر باللغة الإنجليزية يسمى "ستاف" (staff) ومنها إشتقت صفة "صطاف".

في أي تسلسل قيادي الرتبة الأعلى تفرض جبروتها على الرتبة الأقل منها. جامعات الدول العربية لا تختلف عن هذا المنوال. الطبيب الذي ينتمي"لصطاف الجامعة" لديه سلطة شبه مطلقة على تلاميذه. لذلك لا يتوانى عن شتمهم ، إذلالهم ، إستعبادهم ، إهانتهم ، أو حتى أن يطلب منهم "خدمات" خارج نطاق العمل. 

عندما ساءت الحالة المادية للدكتور صطاف الجامعة ، قرر السفر للعمل في الخليج. بعدما باشَر عمله ، بدأ تلقائياً بمعاملة زملاءه في الخليج بنفس أسلوب معاملة تلاميذه في الجامعة في بلده!


فيلم الإمبراطور الأخير

 في سنة ١٩٨٧ تم إنتاج فيلم رائع حصد العديد من جوائز الأوسكار. عنوانه "الإمبراطور الأخير" (The Last Emperor). يتناول الفيلم قصة حياة آخر إمبراطور للصين قبل الثورة الشيوعية التي حوّلتها إلى جمهورية الصين الشعبية. كان إمبرطوراً بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. لديه خَدَم لكل مهمة في قصره مترامي الأطراف. لكن بعدالثورة الشيوعية غدا مواطناً عادياً. عاش باقي عمره بستانياً في حديقة صغيرة و مات وحيداً دون أن يدري عنه أحداً.

رسالتي لرئيس القسم و الأب الروحي و صطاف الجامعة 
أتفهم أنكم كنتم ملوكاً و سلاطين في بلدانكم والظروف دفعتكم للعمل في الخليج. لكم التقدير كزملاء في المهنة. أحترم خبراتكم الطويلة في تخصصاتكم. لكنكم أتيتم للعمل طلباً للرزق والعيش الكريم. حالكم في ذلك من حال زميلكم الطبيب الخليجي ابن البلد. لذلك جبروتكم الذي كان في بلدانكم يجب أن يبقى في بلدانكم. أنتم في الخليج بشر كبقية الناس.

دوام الحال من المحال. فإذا تغير حال المرء. عليه أن يكيّف نفسه على حاله الجديد. المسلمين كانوا في الأندلس و وصلوا حدود الصين و اكتسحوا العالم بعلومهم. أين هم الآن؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق