الثلاثاء، 22 أكتوبر 2013

خلك روحاني

عنتر ...  

  أستاذ في مادة العلوم للمرحلة الإبتدائية. قرر شد الرحال والعودة للعمل في مسقط رأسه: قرية العلام. وُلِدَ عنتر في القرية. و لكنه عاش طول عمره في العاصمة بعدما قرر والداه هجر القرية وهو رضيع. بعدما وصل عنتر و استقر في القرية ، انصدم بالواقع: القرية كانت خالية من المرافق العامة كالمدارس و المستشفيات و المخافر. "فتوّة" القرية أنفسهم كانوا المسئولين عن الأمن. كانت بالمختصر قرية معزولة عن العالم المتحضّر. أخذ الجهل و الفقر و المرض من القرية الكثير. الناس كانت تؤمن بالخزعبلات و الخرافات. و الأمّية كانت من نصيب الأغلبية الساحقة. 

  بدلاً من نشر العلم و المعرفة بين أهل قريته ، أدرك عنتر أن تدريس "العلوم" لأبناء ناس لا يعرفون أصلاً القراءة و الكتابة أمراً صعباً ، إن لم يكن مستحيلاً. لذلك اتخذَ عنتر منحنى آخر غير إعتيادي و غير نبيل. عيّن نفسه "روحانياً" للقرية. هو في الحقيقة ساحر. لكنه فضّل لقب "روحاني".  

  أبهر عنتر أهل القرية بسحره. كان يُخرِج النار من الماء. و كانت يده تشع نوراً بمجرد لمسه للبطاطا (الغذاء الرئيسي لأهل القرية). كان يحرك الحديد عن بُعد بيديه المجرّدتين. كان يستطيع رؤية كل شيء حوله في الظلام الدامس. و كان يستطيع التنبؤ بمن سيزوره قبل طرق الزائر للباب. هذا غير تسخيره للجن لتنزيل المطر و كسوف الشمس و خسوف القمر. أصبح عنتر بقدراته "الخارقة" الملك غير المتوّج للقرية. بأمره سارت الأمور. و بحكمه حُلّت الخلافات. و بمشورته اقتدى الناس ، و ببركاته هلّت الخيرات. في المقابل ، كل فرد من أهل القرية كان يدفع له "المقسوم" كل شهر. إن كان نقداً أو محاصيل زراعية أو هدايا عينيّة. 

  بالرغم من نشوته في حكم الناس بأقوى سلاح: الجهل ، إلا انه كان يعلم بأن حكمه بهذه الطريقة لن يدوم طويلاً. لذلك حرص على عزل القرية عن العالم الخارجي: الغريب لا يدخل ، و القريب لا يخرج. المتمرد يتعذب على يد الفتوّة إلى أن يتوب أو يموت (أيهما أولاً). بالإضافة إلى منع نشر العلم و المعرفة و التوعية و نبذ كل من يشك أو حتى يستفسر. كان عنتر و فتوته يرددون جملة "لعن الله الشاك". لكن المسألة كانت مسألة وقت إلى أن تسلل بعض "المشككين" من القرية إلى العاصمة للسؤال عن الخلفية التي جاء منها عنتر.

  إنفجر أهل العاصمة بالضحك (شر البلية ما يُضحِك) عندما سمعوا بما فعله عنتر في القرية. قالوا زملاء عنتر عنه بأنه كان مجرد مدرس متواضع للعلوم للمرحلة الإبتدائية. مستواه الأكاديمي أيام الجامعة كان أقل من العادي. كل السحر الذي أبهر به أهل القرية ما كان إلا تجارب علمية بسيطة يعرفها أطفال العاصمة في المرحلة الإبتدائية. 

كان يخرج النار من الماء؟ 
إذا حلّلنا الماء كهربائياً استخلصنا منه مكوناته الأساسية: الهيدروجين و الأكسجين.
إذا أشعلنا الهيدروجين توهّج بفرقعة ليتحد من الأوكسجين و يتحوّل إلى ماء مرة أخرى. 

كان يخرج النور من البطاطا؟
إذا غرسنا قطبين كهربائيين في البطاطا و أوصلناهما بمصباح كهربائي صغير ، من الممكن إضاءته بعد توليد تيار كهربائي. 

كان يحرك الحديد عن بُعد بيديه المجردتين؟
كان يخفي مغناطيساً تحت رسغه ، يحرك به الحديد عن بعد دون لمسه بخفة يده. 

كان يستطيع الرؤية في الظلام الدامس؟
دربيل الرؤية الليلية بالأشعة تحت الحمراء (infra-red night vision goggles) متوفر في الأسواق و بسعر زهيد هذه الأيام. 

كان يتنبأ بمن سيزوره ؟
كاميرا للمراقبة عند الباب موصولة لا سلكياً بحاسبه الآلي الشخصي كانت تفي بالغرض. 

كان ينزل المطر و يكسف الشمس و يخسف القمر؟
نشرات الطقس و حسابات الظواهر الكونية متوفرة في الانترنت و هي كفيلة بتقديم أي معلومات في هذا الخصوص. 

  قصة "عنتر" الوهمية مبالغ فيها و أنا أعترف بذلك. روايات كلاسيكية معروفة تحمل نفس المغزى. ربما أشهرها على الإطلاق رواية "الساحر أوز" (The Wizard of Oz). مبدأ القصة موجود على أرض الواقع و مستشري في كل دول الخليج العربية في مجالات شتى و يسير على نفس المنوال...

إبن البلد يتعلم مهارة أو صنعة جديدة في الخارج. يسوّق لنفسه هذه المهارة. لا يعلمها لغيره لأنها "صعبة" و "محصورة للعباقرة فقط". و إذا علّم غيره ، كان تعليمه للغير سطحياً شحيحاً (بالقطّارة). إذا علّم غيره فهو يعلّم لبناء مجده الشخصي و مصلحته فقط. 

   في الكويت بين الحين و الآخر يرجع إلى البلاد "خبير" كويتي معه "شهادات" في تخصصه (في الطب و غير الطب). تخصصه "نادر" و المهارات التي تعلّمها صعبة و ثورية وفريدة من نوعها. هو الوحيد في البلاد الذي يتقن هذه المهارة. و في بعض الأحيان ، تصل الوقاحة الى زعم "الخبير" بأنه هو من اخترع المهارة التي تعلمها في الخارج. 

في مجال عملي ، هذه الظاهرة بارزة و مستفزّة جداً في الكويت.
لماذا مستفزة؟ لأنني درست الطب في ايرلندا و تدربت بعد ذلك في الكويت (أمراض باطنية) و السعودية (أمراض القلب للكبار) و الزمالة التخصصية لقسطرة القلب في كندا. لاحظت الفرق الواضح بين سلوك بعض أطبائنا الذين تدربوا في كندا مقارنة بسلوك أساتذتهم الأطباء الكنديين أنفسهم الذين علموهم الصنعة. هنا سأسرد عبارات واقعية قيلت لي في الخليج و أقارنها بما قيل لي في كندا. 

لنبدأ في الخليج.
عبارات "عظيمة" قيلت لي خلال سنوات تدريبي من قِبَل ناس عباقرة لا حاجة لذكر أسماؤهم هنا. هوياتهم ليس لها علاقة بصلب موضوعنا. منها التالي:  

"قسطرة القلب علم و فن لا يتقنه أي شخص"

"مع احترامي الشديد لك. لا أتعامل معك لأن مستواك العلمي أقل من مستواي"

"لن أسمح لك أن تجري قسطرة أو سونار للقلب دون إشراف مباشر مني ، مهما كنتَ ماهراً"

"روح كندا و تدرّب هناك أحسن لك"

"روح البيت إدرس و لما تفهم المعلومات النظرية ، بعدين إرجع المستشفى للعمل"

بعض أطباء القلب الكويتيون لا يسمحون لتلاميذهم حتى مشاهدة عملية القسطرة عن بُعد، ناهيك عن تعليمهم أساسيات المهنة. رفضهم تدريب الغير في مجال القسطرة ربما له تبريره (إلى حد ما). لأن القسطرة القلبية "مبضعية" (invasive) لها مخاطرها.المسألة تمتد إلى ما هو أبسط من ذلك. وصلت "المسخرة" إلى احتكار بعض الأطباء لأداة سونار القلب (Echocardiography) التي هي "غير مبضعية" بطبيعتها. أي أنها تشخيصية بحتة عديمة المخاطر. يحتكرون هذه التقنية و لا يعلمونها لغيرهم. 

  التدريب الطبي في المملكة العربية السعودية مقنّن و مطوّر و منظّم بشكل أفضل بكثير من نظيره في الكويت. و أنا كنت محظوظاً لأنني تدربت على يد خيرة الأطباء (على رأسهم د. بهاء فاضل) بالرغم من ذلك ، بعض الأطباء السعوديين - كزملائهم في الكويت - كانوا يقنعونني بأسلوب نرجسي مستفز بأن القسطرة القلبية مليئة بالتحديات والصعاب. 

 بينما في الطرف الآخر من المحيط الأطلسي ، أساتذتي أطباء قسطرة القلب في كندا كانوا يصفون مهنتهم بكل تواضع على انها...

"مجرد سباكة"
(Pure plumbing)

"القسطرة القلبية التدخلية ما هي إلا إدخال أنبوبة في أنبوبة"
 (Coronary intervention is simply putting a tube inside a tube) 

"ليست هندسة صواريخ"
(It is not rocket science)

"حتى القرد يستطيع تنفيذها"
(Even a monkey can do it)

"هي مهنة إلتقاط صور بشكل أساسي"
(It is mainly about taking pictures)   

  هذا غير شغفهم في تدريبي أساسيات القسطرة. على الرغم من أنني في نظرهم أجنبي متدرب في مكان سحيق مجهول عبر البحار. و السماح لي بقسطرة الحالات بنفسي (بإشرافهم لي عن بعد) بعدما أطمأنوا بأنني تعلمت المهارة و أصول المهنة منهم. الأمر الذي يفسّر لي لماذا يستميت بعض الأطباء المحليون على طلب العلم في الخارج حتى لو كانت ظروفهم المادية و الإجتماعية لا تسمح بذلك. و الشكر (كل الشكر) في ذلك لأطبائنا القدامى الفطاحل الذين لم يتعلّموا الصنعة و احتفظوا بأسرارها لأنفسهم فحسب ، و إنما صعّبوها و عقّدوها علينا وهي سهلة في أساسياتها.  

قال لي أحد الزملاء العرب بأن "أفواجاً" من الأطباء من اليابان و كوريا الجنوبية كانت تتدفق طلباً للتدريب الطبي في مستشفيات كندا خلال فترة السبعينات و الثمانينات من القرن الماضي. انقطع هذا التدفق لاحقاً. هؤلاء الأطباء أسّسوا برامج تدريبية في بلدانهم و أبدعوا في تخصصاتهم و استغنوا عن التدريب في أمريكا الشمالية. هل سنصل نحن الخليجيون إلى هذه المرحلة ؟ مع العينات التي نراها في مستشفياتنا حالياً ، أشك في ذلك. على الأقل ليس على المدى القريب. ربما ستتغيّر الظروف في المستقبل البعيد.   

الكويت بلد صغير المساحة و أسواقه مفتوحة. لكنه يافع الخبرة في مجالات كثيرة.
صفة "يافع الخبرة" أعني بها غياب القوانين و المعايير حتى الآن لمهن و تخصصات متنوعة. لم ألاحظ هذه الظاهرة في مجال عملي في الطب فحسب  و إنما لاحظتها في مجالات أخرى. لاحظتُ مثلاً من الكويتيين من سافر إلى شرق آسيا ليتعلّم فنون قتالية جديدة (فنون مماثلة للكاراتيه و الكونغ فو ...الخ) ليستفرد بها و يحتكرها ، و يعيّن نفسه مدرباً و ممثلاً رسمياً لهذه الرياضة في الكويت. في المقابل لا نلومه ، فلا يوجد في البلاد من يقيّم كفاءة هذا "المدرب" الذي يمثل هذه الرياضة في البلد.

كانت هذه تجربتي في مستشفيات كندا كما رأيتها. تجربتي في تخصص القلب لا تشابه بالضرورة تجارب الغير في التخصصات الأخرى. في النهاية لكل مجتهد نصيب. و كل يغني على ليلاه.

الأحد، 6 أكتوبر 2013

خلك عربي

أولاً و قبل كل شيء أريد أن أوضّح نقطة مهمة جداً: لستُ خبيراً في علم اللغات.
أنا كنت (ولا زلت) تلميذاً لديه اهتمام خاص باللغة كوسيلة للتواصل بين البشر. إهتمامي باللغة يمتد إلى جذورها و كيفية نشوئها و صياغتها و هيكلتها و علاقتها بتراث و عادات و تقاليد الأمم. في هذا المقال أعرض ملاحظاتي الشخصية المتواضعة عن تركيبة لغات الغرب و مقارنتها بلغتي الأم. 

منذ نعومة أظفاري كنت ألاحظ المثقفين من أبناء مجتمعي (خصوصاً المتخرجين من الغرب) تفضيلهم للحديث باللغة الإنجليزية. حتى عندما يتكلمون العربية ، بين كل عبارتين عربيّتين هناك مصطلحاً باللغة الإنجليزية (ما يسمّيه البعض "فرانكو آراب"). البعض يتحدث بهذا الأسلوب لا إرادياً. و البعض الآخر يتعمد التشدّق بهذه الطريقة ليستعرض للناس ثقافته الإنجليزية. و منهم من يلوي لسانه ليتحدث الإنجليزية بلكنة الدولة التي درس فيها. خصوصاً اللكنة الأمريكية.   

إخواننا الأساتذة العرب الذين وُلِدوا في بلدان كانت تحت الإستعمار الفرنسي زادوا علينا الطين بلّة. لأنهم عندما جاءوا للعمل في دول الخليج العربية نشروا لهجاتهم و آدابهم و ثقافتهم المتأثرة بطبيعة الحال باللغة الفرنسية. عندهم "المثقف" هو من يتحدث الفرنسية بطلاقة. نفس وضع المثقف في مجتمعنا عندما يتحدث الإنجليزية بطلاقة. حتى في لهجتنا الخليجية مفردات فرنسية الأصل اقتبسناها من أساتذتنا هؤلاء. كلمات مثل "فيشة" و "فترينة" و "فاتورة" و "شفرة" و "جرسون" و "كوافيرة".  

حالتي لم تكن إستثنائية بأي حال من الأحوال. لقد أمضيتُ سنوات الجامعة في إيرلندا. حيث درستُ الطب باللغة الإنجليزية. و لأنني كنت و لا زلت أحب القراءة ، ثقافتي غير الطبية كانت باللغة الإنجليزية بشكل رئيسي. للأسف ليست كل الكتب الإنجليزية تُتَرجَم إلى العربية، بالرغم من المجهود الأسطوري الذي تبذله بعض المكتبات العربية في الترجمة. ربما لأن العرب لا يحبون القراءة مقارنة بغيرهم من الناس. 

وقت كتابة هذا المقال كنت أعيش في مونتريال. مدينة تقع في إقليم "كيبيك" الكندي الناطق باللغة الفرنسية. قررت دراسة الفرنسية لأن بعض المرضى لا يتحدثون إلا بالفرنسية و هذا من حقهم. طبعاً أدرس لغة جديدة من الصفر وعمري في نهاية الثلاثينات ليس شيئاً سهلاً. لكنني أعتبرتها تجربة جميلة و فريدة من نوعها.  دراسة لغة عالمية جديدة ربما ستنفعني في المستقبل القريب و البعيد.  دراسة اللغة الفرنسية من الصفر فتحت لي آفاقاً جديدة و منحت لغتي العربية بُعداً جديداً. ذلك لأنني و بصراحة لم أدرك درجة جمال لغتي إلا بعدما قارنتها بلغات أوروبا. 

"اللغة" في رأيي المتواضع هي وسيلة للتواصل بين البشر. لذلك يُستَحسن لها أن تكون سهلة التعلّم ، دقيقة في وصف الأمور و نقل المعلومات ، و الأهم أن تكون صوتية. (صوتية phonetic بمعنى أن المكتوب هو نفسه المنطوق).

كل اللغات الأوروبية حروفها إما لاتينية أو إغريقية أو خليط من الإثنين. بعد تعلّم و ممارسة أي لغة أوروبية لاحظت الآتي:

١. حروف ليس لها أهمية. 
على سبيل المثال في اللغة الإنجليزية: ما هي أهمية حرف "c" ؟ هذا الحرف أحياناً يُنطَق "ك" و في أحيان أخرى يُنطَق "س". إذاً ما فائدة الحرفين "s" و "k"؟

نفس المشكلة في حرف "x".
لا نحتاجه لأنه خليط من "s" و "k".
في بداية الكلمة يُنطَق "z". ولكن حرف "z " موجود أصلاً في الأبجدية.

و بعض الحروف تُدمَج لعمل حروف جديدة ، مثلاً حرفي "s"  و "h" صوتهما  "ش"
و حرفي "th" و "" صوتهما إما "ت" أو "ث".
و حرفي "ph" و "" صوتهما "ف" بالرغم من وجود حرف "f" في الأبجدية اللاتينية !

الحق يقال بأن الأمريكان حلّوا بعضاً من هذه العيوب بإضافة تعديلات بسيطة في اللغة الإنجليزية لجعلها صوتية أكثر (fone بدلاً من phone)، و لكن الإنجليز إستاؤوا من هذه المبادرة الأمريكية و اتهموا الأمريكان بتشويه لغتهم الإنجليزية "الجميلة"!

٢. ضعف اللغة الإنجليزية في دقة الوصف و نقل المعلومات لقلّة مفرداتها.
على سبيل المثال ، كلمة "uncle" تعني عم أو خال.
و كلمة "consin" تعني إبن/إبنة العم أو إبن/إبنة الخال.

٣. بعض المفردات لها معانٍ متعددة غير مترابطة. 
فكلمة "vice" تعني "عادة سيئة" و تعني "نائب" أيضاً.

نائب الرئيس "vice president" 
التدخين عادة سيئة "smoking is a vice"  

حالياً أنا أدرس اللغة الفرنسية من الصفر (مستوى مبتديء). و بالرغم من ان فرنسا كانت امبراطورية نافست بريطانيا في استعمار العالم في قديم الزمان، و من الفرنسيين من غيروا العالم بعلومهم و آدابهم ، إلا أن الفرنسية لها كبواتها و قصورها.

١. اللغة الفرنسية محدودة المفردات. 
في الفرنسية مثلاً الفعل "يقصد" غير موجود. 
"ماذا تقصد؟" ترجمتها الفرنسية الحرفية "مالذي تريد قوله؟ Que voulez-vous dire"

٢. اللغة الفرنسية غير دقيقة في الوصف.
المعنى مفهوم من سياق الحديث. مثلاً كلمة "mal" بالفرنسية تعني "مرض" أو "مؤلم" أو "سيء".

٣. اللغة الفرنسية غير صوتية إطلاقاً. فالمكتوب شيء و المنطوق شيء آخر !
سؤال "ماذا تقصد؟" المذكور أعلاه "Que voulez-vous dire" ننطقها "كي ڤولي-ڤو دير".
  
خمّنَت بعض الدراسات بأن الأطفال الإيطاليين اللذين يعانون من الديسليكسيا (مرض صعوبة القراءة) ربما مشاكلهم في القراءة أقل من نظرائهم من الأطفال الفرنسيين لأن أكثر لغة أوروبية "صوتية" هي اللغة الإيطالية.

٤. كل الأسماء في الفرنسية لها جنس. إما مذكر أو مؤنث.
يجب حفظ الأسماء مع جنسها. ولا توجد قاعدة معينة لحفظ الجنس.

المذكر يبدأ بكلمة "Le" و المؤنث بكلمة "La".
بالنسبة للجماد ، "Le" أو "la" قد يغيّر معنى الكلمة.  

مثلاً  "Le livre" معناها "كتاب" و "La Livre" معناها "رطل" (وحدة الوزن).

٥. الأرقام الفرنسية و الإبداع في التعقيد !
الأرقام الفرنسية تسلسلية و متتالية مثل أي لغة.
إلى أن نصل الى الرقم "سبعين" ، هنا يبدأ اللف و الدوران. 

باللغة الفرنسية هكذا تُلفَظ الأرقام التالية (٦٠ ، ٢٠ ، ١٠ ، ٤): 

٦٠ : سواسان      /    ٢٠ : ڤان      /    ١٠ : دِس     /     ٤ : كاتر

الأرقام ٧٠ و ٨٠ و ٩٠ ليس لها مفردات في اللغة الفرنسية.

لذلك الفرنسيون ركّبوا مفردات قديمة لتكوين مفردات جديدة. 

سبعين : ستين + عشرة                 (بالفرنسية: سواسان دِس). 
ثمانين : أربعة x عشرين               (بالفرنسية: كاتر ڤان). 
تسعين : أربعة x عشرين + عشرة   (بالفرنسية: كاتر ڤان دِس). 

هذه ملاحظاتي عن الفرنسية حتى الآن. و أنا لازلت في بداياتي في تعلّم هذه اللغة.

الغرب لا يزال في المقدمة في مجالات الثقافة و العلوم و التكنولوجيا. لذلك لا أنكر بأن اكتساب اللغات الغربية له ميزاته العديدة.

 لكن قبل أن"يتفلسف" على رأسك أي مواطن عربي بثقافته الفرنسية أو الإنجليزية ، ليدرك بأن لغته الأم معانيها أعمق و وصفها أدق من كل لغات أوروبا. 

إذا تمعّنتَ في اللغة العربية ستلاحظ أنها لغة "مُهَندَسَة" و بدقة. و كأن مجموعة من العقول النيّرة قد إجتمعت على طاولة واحدة قبل مئات السنين لتضع  أساسيات و قواعد اللغة العربية لجعلها أنيقة مرتبة صوتية. لكن "عبقرية" من هندسَ لغتنا لا يعني بالضرورة "ذكاء" المتحدثين بها.

الخميس، 3 أكتوبر 2013

الإحباط الحقيقي و الإعجاز المزيّف


الأول على الدفعة
سألوا "الأول على الدفعة" عن سر نجاحه.
قال : أنا أدرس عشر ساعات يومياً كل يوم ، بدون راحة.
و أحضّر المادة العلمية طوال فترة الصيف لأكون مستعداً للمنهج الدراسي قبل بداية السنة الدراسية. 

مدربة اللياقة البدنية
أختي سألت مدربة اللياقة في النادي الرياضي المجاور عن سر جمالها و تناسق جسدها و لياقتها العالية. 
قالت: أنا أركض ١٠ كيلومترات يومياً.
و أسبح عشرون شوطاً في حمام السباحة ، ثلاث مرات في الأسبوع. 
و أمارس اليوغا و البيلاتس في نهاية كل أسبوع. 
غذائي نباتي بحت ، خالٍ من أي منتجات حيوانية. لا أشرب حتى المرطبات الغازية ، و أتفادى السكّريات بكل أنواعها.  

المعالج بالقرآن
ذهب جاري البسيط إلى المعالج بالقرآن (بدلاً من إستشارة طبيب مختص) لإيجاد حلاً لداء الصدفية.
هذا المعالج التقي الورع أشار عليه …
بأن يتلو آيات و أدعية معيّنة.
و يرتدي حرزاً معيناً. 
و يشرب ماء "مقروء عليه". 
و يصلي عدداً معيناً من الركعات في الليل. 

الأم الخارقة
حدّثتني زوجتي عن "أم خارقة" لديها خمسة أولاد و و ثلاث بنات. 
هذه الأم تطبخ و تكنس و تغسل و تمسح و تدير البيت كله بنفسها بدون خدم. 
هذه الأم تشتري تموين المنزل و تساعد أبنائها على حل واجباتهم المدرسية.
و بالرغم من كل ذلك ، لديها وقت لتقضيه في "تدليع" زوجها أبو عيالها الذي "يعشقها و يموت" فيها. 
و صديقاتها يستفهمون عن سر هذه المرأة الحديدية و يغبطوها على حياتها المتوازنة.  

نصادف في حياتنا هؤلاء الناس. و ليس عيباً أن نستفسر منهم لنتعلم منهم.

هل حياتنا ستتحسن إذا اقتدينا بهم و استمعنا لنصائحهم؟ 
هؤلاء الناس ربما يقدّمون "إستشاراتهم" للغير مقابل "ثمن" معيّن ، و هذا من حقهم.

الإحباط الحقيقي !

أنا حاولت أن أجلس مقابل الكتب عشر ساعات يومياً …
نمت من الملل بعد العشرين دقيقة الأولى !

حاولت أختي أن تركض عشرة كيلومترات يومياً ، لكنها فقدت وعيها من التعب بعد أول خمسمائة متر.
و لم تترك السرير في اليوم التالي بسبب الألم الشديد في كل عضلات جسدها. 
أما عن الحمية الغذائية الصارمة (الريجيم/الدايت) ، فكانت دموعها تنهمر عند تناول كل وجبة.
ذلك لأن وجباتها كانت خالية من الدهون و السكريات و الأملاح والمنتجات الحيوانية. 
بمعنى آخر ، طعامها كان من البلاستيك المقوّى !

و  جاري الذي كان يشكو من داء الصدفية.
بالرغم من إلتزامه بكل تعليمات الشيخ المعالج  بالقرآن.
إلا أن حالته المرضية تدهورت من سيء إلى أسوأ.

أما المرأة الخارقة ، فزوجتي كانت تضرب بها المثل ، و تتمنى لو كانت لديها و لو ربع طاقتها.
كانت تتمنى لو كان حبي لها بمقدار حب زوجها لها.

ربما كان إحباطي حقيقياً و مؤلماً ، إلا أنه كان على ناس مزيّفين !

الإعجاز المزيّف
الأول على الدفعة...
كان يخصص مبالغ ضخمة سنوياً للدروس الخصوصية. و رشوة المدرّسين لتسريب أسئلة الإختبارات قبل نهاية العام.

مدربة اللياقة البدنية ...
لم تخبر أحداً بأنها سافرت إلى دولة مجاورة لإجراء عملية تغيير مسار المعدة (gastric bypass).
قبل هذه العملية كانت تأكل كل ما تشتهيه ، لتتقيّؤه لاحقاً (مرض النهم العصبي bulimia nervosa).
و بعد هذه العملية أجرت عملية "شد" تجميلية لبطنها و صدرها.

الشيخ المعالج بالقرآن ...
رجع جاري (مريض الصدفية) إلى الشيخ ليشكو له تردّي الحال.
فكان رد الشيخ التلقائي (و المتوقع): "لأنك لم تكن خاشعاً و إيمانك لم يكن قوياً".
و الشيخ المعالج بالقرآن نفسه لديه نصيبه من الضغط والسكّر ...
و يصرف أدويته شهرياً من الطبيب في المستوصف المجاور. 

 الأم الخارقة ...
فهي لم تخبر أحداً بأنها تتعاطى العقاقير المنشّطة و تستهلك الكثير من القهوة التركية لتبقى مستيقظة.
هي لا تحتاج للخدم لأن بناتها أنفسهن يؤدّينَ المطلوب من طبخ و كنس و مسح و تنظيف.
أولادها يدرّسون بعضهم البعض لأن الفرق بين أعمارهم ليس كبيراً.
و زوجها الذي "يعشقها و يموت فيها" يمضي أغلب وقته في العمل لأنه لا يطيق البقاء معها تحت سقف واحد.
يسافر زوجها هربا منها للنقاهة ، و يدّعي أنه في رحلة عمل. ويُسكِتها عن "صولاته و جولاته في الخارج" بالمال والهدايا الثمينة بين الحين و الآخر.

ناس من هذه النوعية لا تفضّل كشف الحقيقة و الأسباب مفهومة. 
أما بالنسبة لنا نحن "المعجبين" ، لنفهم بأن ليس كل ما يلمع أمامنا في هذه الحياة ذهباً.   

الأحد، 15 سبتمبر 2013

إحنا أحسن ناس !

"أبو سعد" مهاجر عربي اتخذ كندا موطناً جديداً له. كل همّه فتح محل فلافل صغير يعيش منه.

عندما وصل الى كندا ، بحث في الجرائد عن سكن له. حصل على شقة صغيرة في عمارة سكنية قديمة متواضعة. تفاجأ أبو سعد بطيبة جيرانه الذين استقبلوه بحفاوة عفوية. كل جار منهم رحب به شخصياً و قدم له طبقاً أو هدية رمزية. تتميّز العمارة السكنية التي اختارها أبوسعد بموقعها الجغرافي ، ذلك لأنها تقع بين جامعة عريقة و مستشفى ضخم. لذلك أغلب سكان العمارة يعملون في أحد هاذين المرفقين لأسباب واضحة.
و هناك يطرح السؤال نفسه: من هم جيران أبوسعد؟ 
الفيزيائي "غوتنبرغ" الألماني الأصل ، الذي يعمل حالياً على تطوير وقود ذري آمن لإستخدامه في تقنية صواريخ الفضاء في متن محطة الفضاء الدولية.

البروفيسور "يوري" الروسي الأصل المتخصص في الديناميكا الحرارية. يبحث حالياً في مجال تطوير الطاقات البديلة المتجددة (مثل الشمس/الرياح/شلالات الماء) لتستبدل النفط في المستقبل القريب. 

العبقري "هيمانتا" الهندي الأصل ، نابغة زمانه في الرياضيات البحتة. يعمل أستاذاً في قسم الرياضيات في الجامعة المجاورة للعمارة. هيمانتا أبهر الجميع في قدرته على حل أصعب المعادلات الرياضية.

الدكتورة "هانو" الكورية الأصل. طبيبة متدربة في تخصص أمراض النساء والولادة في سنتها الأخيرة ، لتصبح بعد هذه السنة استشارية في تخصصها.  

الدكتور"بلونغو" النيجيري الأصل ، الطبيب النابغة الذي كرس حياته في أبحاث علاج السرطان.

هؤلاء الجيران ، بالرغم من شهاداتهم و خبراتهم ، إلا أنهم متواضعون الى أبعد الحدود. كل منهم لديه شغف لا ينتهي في عمله الإنساني. همّهم في هذه الحياة تحقيق أهدافهم ، و لا ضير في الفوز بجائزة نوبل في إختصاصهم في مرحلةٍ ما ،  لتتخلد أسماؤهم في التاريخ.
بينما معلم الفلافل أبوسعد ، أنفه عالي في السماء. ينظر اليهم نظرة دونية مليئة بالإحتقار مع قليل من الشفقة. لا يلبي دعواتهم المتكررة بالعشاء معه. يتفاداهم في الممرات و يحاول قدر الإمكان أن لا يرد عليهم التحية. سلوك أبو سعد لديه تبريراته ، ذلك لأنه أفضل منهم جميعاً.

لماذا هو أفضل منهم؟ الإجابة موجودة في أعماق العقل الباطن لحضرة جناب صاحبنا. 

هذا ما يحويه عقل أبو سعد...
من هؤلاء و من يظنوا أنفسهم ليحاولوا مصادقتي و التعرف علي؟
هؤلاء ناس لا أصل لهم ولا فصل. كل هؤلاء من الدرجة الثانية لأنهم ليسوا عرَباً.
هؤلاء لا يعرفون حتى آباؤهم. بينما شجرة عائلتي أعرفها و أتتبع أصولي العربية فيها منذ ثلاثين جيل !

أنا عربي أصيل و مسلم تقي ورع. مملكة أجدادي جاورَت حدودها الصين شرقاً و فرنسا غرباً.

بصمة أسلافي الحضارية كانت أصول علومهم. تقدّمهم التقني الحالي كان بسببنا. 

أنا أفضل عند الله من هذا الألماني الأشقر "غوتنبرغ" ،  إسمه ربما يوحي بأصله اليهودي. للأسف قتل ستة ملايين يهودي في المحرقة (الهولوكوست) لم يكن كافياً. كان على "هتلر" إتمام المهمة و إبادتهم جميعاً و محوهم من على وجه الأرض ليريحنا من هؤلاء أحفاد القردة والخنازير. 


أنا أؤمن بالله ، بعكس الشيوعي الملحد "يوري" ، تلميذ لينين و ستالين و ماركس.


أما عن الهندي "هيمانتا" ، فأنا لا أقول إلا حسبي الله على زمن أصبح فيه خدمنا الهنود أساتذة. 


و بالنسبة لتلك الطبيبة الكورية. أليس من الأفضل (والأولى) لها أن تترك ما هي منغمسة فيه حالياً لتتزوج و تنجب البنين و البنات؟ المرأة مملكتها البيت فقط. 


و هذا النيجيري "العبد" أبو الأبحاث والفهامة ، الله يرحم أيام زمان في بلدي عندما كانت ديّته خمسين ديناراً فقط لا غير ! 


معك حق يا أباسعد. 
فأنت أفضل منهم كلهم مجتمعين.
بل أنت سيدهم و تاج راسهم.
فإذا أتتك المنيّة ، فاعلم أن العالم سيفتقد أهم شيء قدمته أنت للبشرية : الفلافل

الأحد، 9 يونيو 2013

كيف تسافر من الكويت الى الرياض والعودة بالسيارة؟

للذين يسافرون  من و إلى الكويت نهاية كل اسبوع ، السفر الطويل بالسيارة على الخط الاعتيادي (الخفجي - بوحدرية - الدمام - الرياض) يستغرق في المتوسط ثمان ساعات. طبعا السفر بشكل دوري بالسيارة متعب جدا. بديل آخر للسفر هو الطائرة. 

السفر بالطائرة له نقاط ضعف ، أهمها:
- التكلفة التراكمية : ١٠٠ دينار نهاية كل أسبوع معناها بالمتوسط ٣٠٠ - ٤٠٠ دينار شهرياً
- جدول الاقلاع و الوصول (طيران الجزيرة - الخطوط الكويتية - الخطوط السعودية) ربما لا يتناسب مع جدول الدوام اليومي في بعض مستشفيات الرياض.
  
لذلك ، السفر بالسيارة عبر طريق مختصر (طريق الرماح) الذي يستغرق بالمتوسط ٦ ساعات ، ربما يعتبر للبعض الحل الأفضل والأوفر. خط الرماح في تطوير و تعديل مستمر من ناحية بناء محطات الوقود و تشييد الجسور و الطرق المختصرة. أكبر خطر في هذا الخط هو العبور الحر للجمال (لا توجد أسوار) و تراكم الكثبان الرملية على الشارع وقت العواصف الترابية.
الجمال على خط الرماح

لافتة عند محطة الخنيني بعد دخول منطقة الخفجي

خط الرماح بالصور
عندما تخرج من الرياض على خط الدمام ، ستصل الى لفة يمنى عند لافتة "الرماح".


خط الدمام





تنطلق بعدها تجاه محافظة الرماح



في محافظة الرماح ، تصل الى البيت الأحمر


عند الانعطاف لجهة اليمين ، ستدخل في شارع طويل على جانبيه أسواق




دوار المبخر في نهاية قرية الرماح

محطة الصمان

عادة التزود بالوقود يتم في هذه المحطة.
من حسن الحظ ، محطات جديدة تبنى على هذا الخط بشكل ملحوظ.

على يمينك لافتة لقرية شوية
بعد الانطلاق من محطة الصمان ، اتجه نحو "الرفيعة". في الطريق ستصادف لافتة على اليمين لقرية "شوية".




في محطة مثلث الرفيعة تزود بالوقود و منها انطلق تجاه قرية العليا.


هذه اللافتة عند محطة مثلث الرفيعة

على مشارف نهاية قرية العليا


هذا جسر جديد يختصر الطريق الى الخفجي عن طريق السفانية


ستصل الى مفترق طرق ، انعطف جهة اليمين و منها تصل الى محطة الخنيني. ستعرف اتجاه الخفجي من هناك.
عندما تنطلق من الكويت الى الرياض ، انعطف يميناً عند هذه المحطة.


السبت، 8 يونيو 2013

متلازمة البورد الكندي

ظهرت في الأوساط الطبية في دول الخليج العربية في السنوات القليلة الماضية "حالة مرضية" معروفة بمتلازمة البورد الكندي (The Canadian Board Syndrome). ظهرت في البداية لأسباب فكاهية بحتة للسخرية من "بعض" الأطباء الخليجيين (وليس الكل) الذين أتموا دراساتهم العليا في كندا و رجعوا إلى أوطانهم ليرشوا الملح على جروح الخدمات الصحية بدلاً من تضميدها. ذلك لأن عزتهم أخذتهم بالإثم و صدّقوا عقدة الخواجة و حسبوا أنفسهم آلهة على غيرهم من الأطباء. أول من وضع شرح "متلازمة البورد الكندي" على الورق بالتفصيل في إطار كوميدي كان د. جراح الطبيّخ.

متلازمة البورد الكندي ربما تتلخص بالعلامات / الأعراض التالية:
- غرور و تكبّر ليس له مثيل. مع نظرة دونية للزملاء الذين لم يحالفهم الحظ في الذهاب الى كندا.

- تشدّق باللغة الانجليزية و باللكنة الأمريكية خصوصاً.

- أي محادثة تبدأ بعبارة "عندما كنت في كندا".

- عدم الالتزام بساعات العمل في المستشفى كما يجب ، مع التفرغ الكامل للقطاع الخاص.

- الحرص على عدم ارتداء المعطف الأبيض (البالطو الأيض) ، ذلك لأن "الاستشاري" يرتدي بدلة رسمية دون معطف.

- شغل أكبر عدد ممكن من المناصب في نفس الوقت.
مثلاً: رئيس وحدة + رئيس بورد + عضو الهيئة التدريسية بالجامعة. مع "صف" قائمة الشهادات الدراسية و الألقاب تحت اسم الطبيب في الختم (البورد الأمريكي و الكندي. الزمالة الأمريكية و الكندية في التخصصات العامة و الدقيقة و دقيقة-الدقيقة). ذلك لأن كل منصب لديه البدلات المالية الخاصة به. 

- إقناع الغير بأن المهارات الطبية التي اكتسبوها في الخارج (جراحة/مناظير/سونار/قسطرة ..الخ) ليست صعبة ، و إنما مستحيلة. لا يتعلم هذه المهارات غير العباقرة مثلهم فقط. 

- نصيحة للأطباء الصغار بإكمال دراستهم في كندا. حتى لو كان قائل النصيحة هو رئيس البورد المحلّي في تخصصه. 

- كره التدريس بكل أنواعه و على كل المستويات. بالرغم من ذلك يكافح للحصول على منصب أكاديمي في الجامعة و يطالب ببدل التدريس من وزارة الصحة!


من واقع خبرتي المتواضعة خلال السنوات العشر الماضية ، متلازمة البورد الكندي ، أو "كاناديان بورد سيندروم" ، تسمية خاطئة (misnomer).

لا علاقة لهذه التسمية بأمريكا الشمالية أو الغرب بشكل عام و ذلك للأسباب التالية:
١. كثير من الأطباء الذين "يعانون" من هذه الحالة ، لديهم أعراض الحالة وعلاماتها أساساً حتى قبل سفرهم إلى كندا.

بل و منهم من لم يعبر المحيط الأطلسي في حياته. أعراض المتلازمة لديهم كانت واضحة منذ أيام دراستهم في كليّة الطب.  

٢. "المتلازمة" بحد ذاتها ما هي إلا انعكاس لعقدة نقص بشكل عام و عقدة الأجنبي (عقدة الخواجة) بشكل خاص.
متأصلة في شخصية الطبيب. هناك أطباء عرب تدرّبوا في الغرب و تخلّدت أسماؤهم و إنجازاتهم تاريخياً و على مستوى عالمي و هم على أرض الواقع في قمة التواضع و دماثة الخلق.  

٣. أعراض متلازمة البورد الكندي ما هي إلا صفات شرقية قديمة لا علاقة لها بالغرب. فالعرب بالذات معروفين أكثر من غيرهم بحبّهم الأزلي للتفاخر بالأنساب و الأصل و المال و القوة و النفوذ و المناصب. حب التفاخر "بالمؤهلات الدراسية" لا يختلف في هذا السياق. مثلما يقول المثل "اللي عمره ما تبخّر ، تبخّر و إحترق". 

٤. نظرية دوننغ-كروغر (Dunning–Kruger effect): تنص هذه النظرية على أن الأفراد ذوي المهارات المتوسطة عادةً ما يبالغون في تقدير أنفسهم و مهاراتهم. كل فرد يظن نفسه أذكى و أفضل و أمهر مما هو عليه في الواقع. 

الذي يتخرج من دول الغرب يعتبر نفسه أبرز من غيره. ناسياً اننا في عصر الانترنت ، حيث الواحد منا يتسطيع تأكيد أي معلومة يسمعها خلال ثوانٍ من غوغل. 

٥. النسبة و التناسب.
مما لا شك فيه أن النجاح و التفوق مسألة نسبية. الخدعة في الموضوع أن القليل يعي هذه المسألة. فالشخص الذي يبلغ طوله ١٥٠ سنتيمتر و يعيش في قرية أقزام ، يرى نفسه "عملاقاً" بينهم و لكنه في الواقع ليس كذلك. نفس المبدأ في أسرة كل أبناؤها فاشلون في الدراسة ، ما عدا واحداً فقط منهم استطاع أن يدخل الجامعة ، ليرى نفسه "إلهاً" بين إخوته. 

نظام الخدمة الصحية في الكويت سيء ومتعثر لأسباب كثيرة. لذلك الطبيب المتدرب في كندا يرى نفسه وكأن على رأسه "ريشة" مقارنة بهؤلاء المتدربين محلياً. حتى لو كان هذا المتدرب من كندا من أغبى مخلوقات الله. 

٦. حان وقت قطف الثمار.
دراسة الطب طويلة و مضنية ، كلها كفاح و سهر (للدراسة أو لعلاج المرضى على حد سواء) و ربحها المادي على المدى البعيد غير مجزي مقارنة بمجالات أخرى مثل "الفن" و البورصة و تجارة العقارات و غيرها. 
دراسة الطب سبع سنوات. تليها سنة الامتياز. بعد ذلك ست إلى سبع سنوات في كندا. المجموع بالمتوسط ١٥ سنة دراسة. هذا اذا لم يتعطل الطبيب و لم يرسب أو يتأخر خلال هذا المشوار. لذلك عند رجوعه من كندا يحرص على حصد أكبر كمية من الأموال في أقصر فترة و أقل مجهود. 
   
الخلاصة.
١. مثلما يقال في البحث العلمي: التصادف لا يعني السببية (Correlation is not causation).
فالطبيب المغرور المتعالي المتخرج من كندا ، نفسه المريضة ليس لها علاقة بالغرب

٢. القاعدة العامة تشير الى أن العلاقة بين العلم و الغرور علاقة عكسية.
بمعنى أن الغرور يضمحل كلما زاد العلم ، و التكبر يقل كلما زادت الخبرة.  
قال تشارلز داروين "الجهل يزيد الثقة بالنفس". 
و قال شيكسبير "الغبي يرى نفسه حكيماً. بينما الحكيم يرى نفسه غبياً". 

في الختام أتذكر الذي قاله لي أحد زملائي الاستشاريين الكنديين بخصوص هذه المتلازمة: نحن ندربهم. نحن لا نربّيهم! 

السبت، 1 يونيو 2013

أنت تصنع التاريخ، شئتَ أم أبَيت.

صنّاع التاريخ لديهم طموح لا مثيل له. و إرادة و ظروف ملائمة تجعل الفرد منهم محطّماً للرقم القياسي في رياضةٍ ما ، أو مؤسساً للدستور و الديمقراطية في بلاده ، أو فائزاً بجائزة نوبل ، أو مخترعاً لجهاز يغير حياة البشرية الى الأفضل ، أو مطوّراً لدواء يتقذ به حياة الملايين. 

الأغلبية الساحقة من الناس تعتقد بأن "صناعة التاريخ" تنحصر فقط في القادة من أهل الدين والسياسة والعلم والرياضة ومن سار على نهجهم. لكن أرض الواقع تفرض حقائق أخرى. في رأيي المتواضع ، كل إنسان على وجه هذا الكوكب يصنع التاريخ يومياً وهو لا يدري، شاء أم أبى.

صناعة التاريخ أقصد بها "الذكرى" التي يتركها المرء وراءه في عقول و قلوب الغير. هذه الذكرى تتخلّد شفهياً أو تحريرياً. سواء في نفس الزمان التي ظهرت فيه أو في أي زمن آخر. محتوى هذه "الذكرى" من قول أو فعل أو إنجاز يتخلّد بغض النظر عن جودة محتواها. 

ما لا يعلمه الكثير عن صناعة التاريخ أنها مهمة يشارك فيها الجميع. 
فالموظف الذي يطوّر في تخصصه إلى الأفضل بإتكاراته و إبداعاته يصنع التاريخ. 
و المعلّم الذي يبسّط المادة العلمية لتلاميذه و يجعلها سلسة و ممتعة لهم يصنع التاريخ. 
و الطبيب الذي يراعي مرضاه كأنهم من أهله و يشد من أزرهم في مكافحة مرضهم يصنع التاريخ. 
و الأم التي تربّي أبناءها لتجعل منهم جيلاً يفتخر بهم الوطن (و ربما العالم) تصنع التاريخ. 
و الزبون الدائم الذي يبتسم للنادل في المقهى يومياً يصنع التاريخ. 
والطالب المتفوق الذي يساعد زملائه قدر الأمكان لينجحوا ، يصنع التاريخ. 

وللأسف صناعة التاريخ هذه لديها جانبها المظلم (والمخيف أيضاً). 
فالمدرّس الذي يضرب تلاميذه فقط ليشبع ميوله السادية يصنع التاريخ. 
والمسئول الذي يفصّل عمله ليناسب راحته (وراحة المحسوبين عليه) ويستجيب لأي شكوى بعبارة "مش حأقدر أفيدك"، يصنع التاريخ. 
و الطالب المتفوق الذي يخفي أسرار تفوقه عن زملائه يصنع التاريخ. 
و الطبيب المتكبّر الذي يرى نفسه أرقى من كل الناس فقط لأنه طبيب ، يصنع التاريخ. 
و الذي يصرخ في فترة الأزمات "أنا و بعدي الطوفان" ،  بعد انتهاء هذه الأزمات ، يصنع التاريخ. 
و الزوج الذي يعامل زوجته أو أبناءه كأنهم دون البشر ، يصنع التاريخ. 

لذلك ، صناعة التاريخ ليست فقط مسئولية يتحملها الجميع ، و أنما هي إلى حد ما ، مخاطرة أيضاً. 

سؤال المليون: ما هو التاريخ الذي ستصنعه؟