الأحد، 15 سبتمبر 2013

إحنا أحسن ناس !

"أبو سعد" مهاجر عربي اتخذ كندا موطناً جديداً له. كل همّه فتح محل فلافل صغير يعيش منه.

عندما وصل الى كندا ، بحث في الجرائد عن سكن له. حصل على شقة صغيرة في عمارة سكنية قديمة متواضعة. تفاجأ أبو سعد بطيبة جيرانه الذين استقبلوه بحفاوة عفوية. كل جار منهم رحب به شخصياً و قدم له طبقاً أو هدية رمزية. تتميّز العمارة السكنية التي اختارها أبوسعد بموقعها الجغرافي ، ذلك لأنها تقع بين جامعة عريقة و مستشفى ضخم. لذلك أغلب سكان العمارة يعملون في أحد هاذين المرفقين لأسباب واضحة.
و هناك يطرح السؤال نفسه: من هم جيران أبوسعد؟ 
الفيزيائي "غوتنبرغ" الألماني الأصل ، الذي يعمل حالياً على تطوير وقود ذري آمن لإستخدامه في تقنية صواريخ الفضاء في متن محطة الفضاء الدولية.

البروفيسور "يوري" الروسي الأصل المتخصص في الديناميكا الحرارية. يبحث حالياً في مجال تطوير الطاقات البديلة المتجددة (مثل الشمس/الرياح/شلالات الماء) لتستبدل النفط في المستقبل القريب. 

العبقري "هيمانتا" الهندي الأصل ، نابغة زمانه في الرياضيات البحتة. يعمل أستاذاً في قسم الرياضيات في الجامعة المجاورة للعمارة. هيمانتا أبهر الجميع في قدرته على حل أصعب المعادلات الرياضية.

الدكتورة "هانو" الكورية الأصل. طبيبة متدربة في تخصص أمراض النساء والولادة في سنتها الأخيرة ، لتصبح بعد هذه السنة استشارية في تخصصها.  

الدكتور"بلونغو" النيجيري الأصل ، الطبيب النابغة الذي كرس حياته في أبحاث علاج السرطان.

هؤلاء الجيران ، بالرغم من شهاداتهم و خبراتهم ، إلا أنهم متواضعون الى أبعد الحدود. كل منهم لديه شغف لا ينتهي في عمله الإنساني. همّهم في هذه الحياة تحقيق أهدافهم ، و لا ضير في الفوز بجائزة نوبل في إختصاصهم في مرحلةٍ ما ،  لتتخلد أسماؤهم في التاريخ.
بينما معلم الفلافل أبوسعد ، أنفه عالي في السماء. ينظر اليهم نظرة دونية مليئة بالإحتقار مع قليل من الشفقة. لا يلبي دعواتهم المتكررة بالعشاء معه. يتفاداهم في الممرات و يحاول قدر الإمكان أن لا يرد عليهم التحية. سلوك أبو سعد لديه تبريراته ، ذلك لأنه أفضل منهم جميعاً.

لماذا هو أفضل منهم؟ الإجابة موجودة في أعماق العقل الباطن لحضرة جناب صاحبنا. 

هذا ما يحويه عقل أبو سعد...
من هؤلاء و من يظنوا أنفسهم ليحاولوا مصادقتي و التعرف علي؟
هؤلاء ناس لا أصل لهم ولا فصل. كل هؤلاء من الدرجة الثانية لأنهم ليسوا عرَباً.
هؤلاء لا يعرفون حتى آباؤهم. بينما شجرة عائلتي أعرفها و أتتبع أصولي العربية فيها منذ ثلاثين جيل !

أنا عربي أصيل و مسلم تقي ورع. مملكة أجدادي جاورَت حدودها الصين شرقاً و فرنسا غرباً.

بصمة أسلافي الحضارية كانت أصول علومهم. تقدّمهم التقني الحالي كان بسببنا. 

أنا أفضل عند الله من هذا الألماني الأشقر "غوتنبرغ" ،  إسمه ربما يوحي بأصله اليهودي. للأسف قتل ستة ملايين يهودي في المحرقة (الهولوكوست) لم يكن كافياً. كان على "هتلر" إتمام المهمة و إبادتهم جميعاً و محوهم من على وجه الأرض ليريحنا من هؤلاء أحفاد القردة والخنازير. 


أنا أؤمن بالله ، بعكس الشيوعي الملحد "يوري" ، تلميذ لينين و ستالين و ماركس.


أما عن الهندي "هيمانتا" ، فأنا لا أقول إلا حسبي الله على زمن أصبح فيه خدمنا الهنود أساتذة. 


و بالنسبة لتلك الطبيبة الكورية. أليس من الأفضل (والأولى) لها أن تترك ما هي منغمسة فيه حالياً لتتزوج و تنجب البنين و البنات؟ المرأة مملكتها البيت فقط. 


و هذا النيجيري "العبد" أبو الأبحاث والفهامة ، الله يرحم أيام زمان في بلدي عندما كانت ديّته خمسين ديناراً فقط لا غير ! 


معك حق يا أباسعد. 
فأنت أفضل منهم كلهم مجتمعين.
بل أنت سيدهم و تاج راسهم.
فإذا أتتك المنيّة ، فاعلم أن العالم سيفتقد أهم شيء قدمته أنت للبشرية : الفلافل

الأحد، 9 يونيو 2013

كيف تسافر من الكويت الى الرياض والعودة بالسيارة؟

للذين يسافرون  من و إلى الكويت نهاية كل اسبوع ، السفر الطويل بالسيارة على الخط الاعتيادي (الخفجي - بوحدرية - الدمام - الرياض) يستغرق في المتوسط ثمان ساعات. طبعا السفر بشكل دوري بالسيارة متعب جدا. بديل آخر للسفر هو الطائرة. 

السفر بالطائرة له نقاط ضعف ، أهمها:
- التكلفة التراكمية : ١٠٠ دينار نهاية كل أسبوع معناها بالمتوسط ٣٠٠ - ٤٠٠ دينار شهرياً
- جدول الاقلاع و الوصول (طيران الجزيرة - الخطوط الكويتية - الخطوط السعودية) ربما لا يتناسب مع جدول الدوام اليومي في بعض مستشفيات الرياض.
  
لذلك ، السفر بالسيارة عبر طريق مختصر (طريق الرماح) الذي يستغرق بالمتوسط ٦ ساعات ، ربما يعتبر للبعض الحل الأفضل والأوفر. خط الرماح في تطوير و تعديل مستمر من ناحية بناء محطات الوقود و تشييد الجسور و الطرق المختصرة. أكبر خطر في هذا الخط هو العبور الحر للجمال (لا توجد أسوار) و تراكم الكثبان الرملية على الشارع وقت العواصف الترابية.
الجمال على خط الرماح

لافتة عند محطة الخنيني بعد دخول منطقة الخفجي

خط الرماح بالصور
عندما تخرج من الرياض على خط الدمام ، ستصل الى لفة يمنى عند لافتة "الرماح".


خط الدمام





تنطلق بعدها تجاه محافظة الرماح



في محافظة الرماح ، تصل الى البيت الأحمر


عند الانعطاف لجهة اليمين ، ستدخل في شارع طويل على جانبيه أسواق




دوار المبخر في نهاية قرية الرماح

محطة الصمان

عادة التزود بالوقود يتم في هذه المحطة.
من حسن الحظ ، محطات جديدة تبنى على هذا الخط بشكل ملحوظ.

على يمينك لافتة لقرية شوية
بعد الانطلاق من محطة الصمان ، اتجه نحو "الرفيعة". في الطريق ستصادف لافتة على اليمين لقرية "شوية".




في محطة مثلث الرفيعة تزود بالوقود و منها انطلق تجاه قرية العليا.


هذه اللافتة عند محطة مثلث الرفيعة

على مشارف نهاية قرية العليا


هذا جسر جديد يختصر الطريق الى الخفجي عن طريق السفانية


ستصل الى مفترق طرق ، انعطف جهة اليمين و منها تصل الى محطة الخنيني. ستعرف اتجاه الخفجي من هناك.
عندما تنطلق من الكويت الى الرياض ، انعطف يميناً عند هذه المحطة.


السبت، 8 يونيو 2013

متلازمة البورد الكندي

ظهرت في الأوساط الطبية في دول الخليج العربية في السنوات القليلة الماضية "حالة مرضية" معروفة بمتلازمة البورد الكندي (The Canadian Board Syndrome). ظهرت في البداية لأسباب فكاهية بحتة للسخرية من "بعض" الأطباء الخليجيين (وليس الكل) الذين أتموا دراساتهم العليا في كندا و رجعوا إلى أوطانهم ليرشوا الملح على جروح الخدمات الصحية بدلاً من تضميدها. ذلك لأن عزتهم أخذتهم بالإثم و صدّقوا عقدة الخواجة و حسبوا أنفسهم آلهة على غيرهم من الأطباء. أول من وضع شرح "متلازمة البورد الكندي" على الورق بالتفصيل في إطار كوميدي كان د. جراح الطبيّخ.

متلازمة البورد الكندي ربما تتلخص بالعلامات / الأعراض التالية:
- غرور و تكبّر ليس له مثيل. مع نظرة دونية للزملاء الذين لم يحالفهم الحظ في الذهاب الى كندا.

- تشدّق باللغة الانجليزية و باللكنة الأمريكية خصوصاً.

- أي محادثة تبدأ بعبارة "عندما كنت في كندا".

- عدم الالتزام بساعات العمل في المستشفى كما يجب ، مع التفرغ الكامل للقطاع الخاص.

- الحرص على عدم ارتداء المعطف الأبيض (البالطو الأيض) ، ذلك لأن "الاستشاري" يرتدي بدلة رسمية دون معطف.

- شغل أكبر عدد ممكن من المناصب في نفس الوقت.
مثلاً: رئيس وحدة + رئيس بورد + عضو الهيئة التدريسية بالجامعة. مع "صف" قائمة الشهادات الدراسية و الألقاب تحت اسم الطبيب في الختم (البورد الأمريكي و الكندي. الزمالة الأمريكية و الكندية في التخصصات العامة و الدقيقة و دقيقة-الدقيقة). ذلك لأن كل منصب لديه البدلات المالية الخاصة به. 

- إقناع الغير بأن المهارات الطبية التي اكتسبوها في الخارج (جراحة/مناظير/سونار/قسطرة ..الخ) ليست صعبة ، و إنما مستحيلة. لا يتعلم هذه المهارات غير العباقرة مثلهم فقط. 

- نصيحة للأطباء الصغار بإكمال دراستهم في كندا. حتى لو كان قائل النصيحة هو رئيس البورد المحلّي في تخصصه. 

- كره التدريس بكل أنواعه و على كل المستويات. بالرغم من ذلك يكافح للحصول على منصب أكاديمي في الجامعة و يطالب ببدل التدريس من وزارة الصحة!


من واقع خبرتي المتواضعة خلال السنوات العشر الماضية ، متلازمة البورد الكندي ، أو "كاناديان بورد سيندروم" ، تسمية خاطئة (misnomer).

لا علاقة لهذه التسمية بأمريكا الشمالية أو الغرب بشكل عام و ذلك للأسباب التالية:
١. كثير من الأطباء الذين "يعانون" من هذه الحالة ، لديهم أعراض الحالة وعلاماتها أساساً حتى قبل سفرهم إلى كندا.

بل و منهم من لم يعبر المحيط الأطلسي في حياته. أعراض المتلازمة لديهم كانت واضحة منذ أيام دراستهم في كليّة الطب.  

٢. "المتلازمة" بحد ذاتها ما هي إلا انعكاس لعقدة نقص بشكل عام و عقدة الأجنبي (عقدة الخواجة) بشكل خاص.
متأصلة في شخصية الطبيب. هناك أطباء عرب تدرّبوا في الغرب و تخلّدت أسماؤهم و إنجازاتهم تاريخياً و على مستوى عالمي و هم على أرض الواقع في قمة التواضع و دماثة الخلق.  

٣. أعراض متلازمة البورد الكندي ما هي إلا صفات شرقية قديمة لا علاقة لها بالغرب. فالعرب بالذات معروفين أكثر من غيرهم بحبّهم الأزلي للتفاخر بالأنساب و الأصل و المال و القوة و النفوذ و المناصب. حب التفاخر "بالمؤهلات الدراسية" لا يختلف في هذا السياق. مثلما يقول المثل "اللي عمره ما تبخّر ، تبخّر و إحترق". 

٤. نظرية دوننغ-كروغر (Dunning–Kruger effect): تنص هذه النظرية على أن الأفراد ذوي المهارات المتوسطة عادةً ما يبالغون في تقدير أنفسهم و مهاراتهم. كل فرد يظن نفسه أذكى و أفضل و أمهر مما هو عليه في الواقع. 

الذي يتخرج من دول الغرب يعتبر نفسه أبرز من غيره. ناسياً اننا في عصر الانترنت ، حيث الواحد منا يتسطيع تأكيد أي معلومة يسمعها خلال ثوانٍ من غوغل. 

٥. النسبة و التناسب.
مما لا شك فيه أن النجاح و التفوق مسألة نسبية. الخدعة في الموضوع أن القليل يعي هذه المسألة. فالشخص الذي يبلغ طوله ١٥٠ سنتيمتر و يعيش في قرية أقزام ، يرى نفسه "عملاقاً" بينهم و لكنه في الواقع ليس كذلك. نفس المبدأ في أسرة كل أبناؤها فاشلون في الدراسة ، ما عدا واحداً فقط منهم استطاع أن يدخل الجامعة ، ليرى نفسه "إلهاً" بين إخوته. 

نظام الخدمة الصحية في الكويت سيء ومتعثر لأسباب كثيرة. لذلك الطبيب المتدرب في كندا يرى نفسه وكأن على رأسه "ريشة" مقارنة بهؤلاء المتدربين محلياً. حتى لو كان هذا المتدرب من كندا من أغبى مخلوقات الله. 

٦. حان وقت قطف الثمار.
دراسة الطب طويلة و مضنية ، كلها كفاح و سهر (للدراسة أو لعلاج المرضى على حد سواء) و ربحها المادي على المدى البعيد غير مجزي مقارنة بمجالات أخرى مثل "الفن" و البورصة و تجارة العقارات و غيرها. 
دراسة الطب سبع سنوات. تليها سنة الامتياز. بعد ذلك ست إلى سبع سنوات في كندا. المجموع بالمتوسط ١٥ سنة دراسة. هذا اذا لم يتعطل الطبيب و لم يرسب أو يتأخر خلال هذا المشوار. لذلك عند رجوعه من كندا يحرص على حصد أكبر كمية من الأموال في أقصر فترة و أقل مجهود. 
   
الخلاصة.
١. مثلما يقال في البحث العلمي: التصادف لا يعني السببية (Correlation is not causation).
فالطبيب المغرور المتعالي المتخرج من كندا ، نفسه المريضة ليس لها علاقة بالغرب

٢. القاعدة العامة تشير الى أن العلاقة بين العلم و الغرور علاقة عكسية.
بمعنى أن الغرور يضمحل كلما زاد العلم ، و التكبر يقل كلما زادت الخبرة.  
قال تشارلز داروين "الجهل يزيد الثقة بالنفس". 
و قال شيكسبير "الغبي يرى نفسه حكيماً. بينما الحكيم يرى نفسه غبياً". 

في الختام أتذكر الذي قاله لي أحد زملائي الاستشاريين الكنديين بخصوص هذه المتلازمة: نحن ندربهم. نحن لا نربّيهم! 

السبت، 1 يونيو 2013

أنت تصنع التاريخ، شئتَ أم أبَيت.

صنّاع التاريخ لديهم طموح لا مثيل له. و إرادة و ظروف ملائمة تجعل الفرد منهم محطّماً للرقم القياسي في رياضةٍ ما ، أو مؤسساً للدستور و الديمقراطية في بلاده ، أو فائزاً بجائزة نوبل ، أو مخترعاً لجهاز يغير حياة البشرية الى الأفضل ، أو مطوّراً لدواء يتقذ به حياة الملايين. 

الأغلبية الساحقة من الناس تعتقد بأن "صناعة التاريخ" تنحصر فقط في القادة من أهل الدين والسياسة والعلم والرياضة ومن سار على نهجهم. لكن أرض الواقع تفرض حقائق أخرى. في رأيي المتواضع ، كل إنسان على وجه هذا الكوكب يصنع التاريخ يومياً وهو لا يدري، شاء أم أبى.

صناعة التاريخ أقصد بها "الذكرى" التي يتركها المرء وراءه في عقول و قلوب الغير. هذه الذكرى تتخلّد شفهياً أو تحريرياً. سواء في نفس الزمان التي ظهرت فيه أو في أي زمن آخر. محتوى هذه "الذكرى" من قول أو فعل أو إنجاز يتخلّد بغض النظر عن جودة محتواها. 

ما لا يعلمه الكثير عن صناعة التاريخ أنها مهمة يشارك فيها الجميع. 
فالموظف الذي يطوّر في تخصصه إلى الأفضل بإتكاراته و إبداعاته يصنع التاريخ. 
و المعلّم الذي يبسّط المادة العلمية لتلاميذه و يجعلها سلسة و ممتعة لهم يصنع التاريخ. 
و الطبيب الذي يراعي مرضاه كأنهم من أهله و يشد من أزرهم في مكافحة مرضهم يصنع التاريخ. 
و الأم التي تربّي أبناءها لتجعل منهم جيلاً يفتخر بهم الوطن (و ربما العالم) تصنع التاريخ. 
و الزبون الدائم الذي يبتسم للنادل في المقهى يومياً يصنع التاريخ. 
والطالب المتفوق الذي يساعد زملائه قدر الأمكان لينجحوا ، يصنع التاريخ. 

وللأسف صناعة التاريخ هذه لديها جانبها المظلم (والمخيف أيضاً). 
فالمدرّس الذي يضرب تلاميذه فقط ليشبع ميوله السادية يصنع التاريخ. 
والمسئول الذي يفصّل عمله ليناسب راحته (وراحة المحسوبين عليه) ويستجيب لأي شكوى بعبارة "مش حأقدر أفيدك"، يصنع التاريخ. 
و الطالب المتفوق الذي يخفي أسرار تفوقه عن زملائه يصنع التاريخ. 
و الطبيب المتكبّر الذي يرى نفسه أرقى من كل الناس فقط لأنه طبيب ، يصنع التاريخ. 
و الذي يصرخ في فترة الأزمات "أنا و بعدي الطوفان" ،  بعد انتهاء هذه الأزمات ، يصنع التاريخ. 
و الزوج الذي يعامل زوجته أو أبناءه كأنهم دون البشر ، يصنع التاريخ. 

لذلك ، صناعة التاريخ ليست فقط مسئولية يتحملها الجميع ، و أنما هي إلى حد ما ، مخاطرة أيضاً. 

سؤال المليون: ما هو التاريخ الذي ستصنعه؟

الثلاثاء، 16 أبريل 2013

خلك حُر


تعريف الإرادة الحرة (Free Will): 
القدرة على اتخاذ القرار بحكمة و اتزان و حياد بدون أي تأثيرات أو ضغوطات ، داخلية كانت أو خارجية. 

يقول بعض الأعلام في علم الأعصاب و علماء النفس بأن الإرادة الحرة "وَهْم"  (illusion) بمعنى أنها موجودة في خيالنا فقط. عبارة كهذه مستفزة للكثير من الناس (و أنا منهم). ربما أكثر الناس قابلية للإستفزاز هم رجال الدين. لأنهم بمجرد سماع هذه العبارة سيرفضون و بعنف مبدأ أن الإنسان  مسيّر و ليس مخيّر. 

قبل الخوض في هذا المجال (و قبل هجوم المحافظين والمتدينين) لنضع النقاط على الحروف: "وهم الإرادة الحرة" لا يعني أن الناس غير مسئولة عن تصرفاتها. و لا يحمي الفرد من التبعات القانونية و العقوبات الجزائية عند ارتكاب مخالفة أو جريمة أو جنحة. 

لنتأمل موضوع الإرادة الحرة في حياتنا اليومية...

١- العرق الدساس و الإرادة الحرة
ابن العصبي عصبي و ابن الحليم حليم.  
ابن الناجح ناجح و ابن الفاشل فاشل.
ابن العبقري عبقري و ابن الغبي غبي !
و ابن المثابر ... مثابر. 
قال المثل المصري: إبن الوز عوام.

مثلما نرث من أسلافنا صفاتهم الجسدية ، نرث منهم طباعنا الشخصية أيضاً. 

و لأن الإنسان يتكاثر تزاوجياً (بعكس البكتيريا مثلاً) ، و شرط التزاوج أن لا يكون بين أقارب الدرجة الأولى. هذا بحد ذاته بوليصة تأمين بيولوجية تضمن التنويع في طباع الذرية. لكن بالرغم من ذلك ، نحن نرث من الوالدين صفات سائدة و متنحية. و الصفات السائدة بتعريفها تتغلب و تطغى. فكما نرى الرجل القبيح يتزوج إمرأة جميلة و كل أولادهم يشبهون الأب، نفس المنوال في وراثة الطباع!

حتى -فرضاً-إذا أراد ابن الفاشل أن يكون ناجحاً (عكس أبيه)، سيجد عقبة في الإستيقاظ مبكراً كل يوم. و سيواجه التحدي في الإلتزام بالدراسة و بساعات العمل. عقبات كهذه لا يواجهها الناجح. لأن الإستيقاظ مبكراً و الإلتزام من طبعه الغريزي (المثل يقول: بوطبيع ما يجوز عن طبعه). نفس الحال ينطبق على ابن الغبي إذا أراد أن يصبح عبقرياً. فالصفحة الذي يقرؤها و يستوعبها العبقري في خمس دقائق ، ربما يقرؤها الغبي في ساعة كاملة ولا يستوعبها. 

٢- الطبع المكتسب و الإرادة الحرة. 
ليس سراً ولا مفاجأة إذا قلت بأن تجاربنا السابقة في حياتنا تؤثر على شخصياتنا و بالتالي قدرتنا على اتخاذ القرارات. بطبيعة الحال كل الأحداث التي نعاصرها اليوم ستشكّل سلوكياتنا في المستقبل مثل العجينة عند الخبّاز. فالشخص الذي عانى في الماضي من التفرقة على أسس عنصرية أو دينية لا يزال يتحسس من هذه التفرقة في الحاضر حتى لو تغيرت عقلية المجتمع و أصبحت الغالبية من الناس متحضرة و متسامحة.

ليس غريباً على المرأة إذا مرّت بتجربة زواج فاشلة أن تكره كل الرجال. 

و ليس غريباً على الطفل اللقيط أن يترعرع و هو ناقم على المجتمع لأنه "مذنب" بسبب جريمة لم يرتكبها.

وليس غريباً أن أؤمن بالسحر والشعوذة و الخرافات إذا كنت أنا مولوداً في مجتمع يؤمن بهذه الأمور.

انظر الى شخصية الطالب الجامعي المحبط الذي عانى الكثير دون داعي. فقط لأن أستاذه في الجامعة كان منحط.  

و انظر الى شخصية كل من عانى من التعذيب العراقي البعثي. سواء كان هذا الشخص من العراق أو إيران أو الكويت.

٣- الهرمونات و الإرادة الحرة
"عقولنا صغيرة و غددنا الصماء كبيرة". كريستوفر هيتشنز.

الغدة الصماء هي الغدة التي تفرز الهرمونات. فالغدة النخامية (رئيسة الغدد الصماء) مثلاً ، تفرز مجموعة من الهرمونات منها هرمون النمو. الهرمونات تؤثر و بشكل كبير على شخصياتنا و هذه حقيقة علمية. 

مثال ١: عند الحمل تتحوّر الهرمونات الأنثوية (ايستروجين + بروجسترون) و المرأة الحامل بالتالي تصبح أكثر حساسية و عواطفها جياشة. هذه التغيرات الهرمونية تحدث بشكل دوري قبل الدورة الشهرية (الطمث).

مثال ٢: هرمون الرجولة (تستوستيرون) يعطي للرجل صفاته الرجولية. الجسدية منها و النفسية ، لذلك لاعب كمال الأجسام الذي يتعاطى حقن التستوستيرون عضلاته تتضخم و سلوكه أيضاً بالمقابل يزداد عدوانية.

و هناك مئات الهرمونات الأخرى تفرزها غددنا لتتحكم في طباعنا و سلوكياتنا لا يغطيها هذا المقال.

إذا حدث أي اختلال في افراز هذه الهرمونات (إفراز زائد أو ناقص) فأعراض هذا الاختلال ينعكس على سلوك المريض نفسه و هذه حقيقة. إسأل أي مريض يشكو من داء السكري: ماذا يحدث لشخصيته إذا هبط معدل السكر في دمه؟ 

٤- المزاج والوضع الإجتماعي و الإرادة الحرة. 
لا تقرر و انت غاضب. 
لا تعطي وعوداً و انت فرحان. 
لا تفكر و أنت جائع.  

نسمع آلاف النصائح من هذه النوعية يومياً وفي كل وسائل الإعلام. نسمع عن الذي طلّق زوجته في حالة غضب و ندم بعد ذلك. و نسمع عن الذي سجّل كل أملاكه بإسم عشيقته و عض على أصابع الندم بعد تلبية شهواته الجنسية. 

غير ذلك...
- قرارات الغاضب تختلف عن قرارات الحليم.

- قرارات الغني تختلف عن قرارات المحتاج. 

- قرارات المليونير تختلف عن قرارات المفلس. 

- قرارات القوي تختلف عن قرارات الضعيف.

- قرارات المتألم تختلف عن قرارات المرتاح (مفعول التعذيب في المعتقلات).

- قرارات المواطن تختلف عن قرارات المقيم.

- الأهم (والأخطر) من ذلك كله: قرارات اليائس تختلف كل الإختلاف عن قرارات المتعلق بالأمل. 

حكمة في الصميم بهذا الخصوص قالها المصريون: "دخول الحمّام مش زي خروجه".

بالملخص ، سؤال المليون
إذا كانت إرادتنا "الحرة" تعتمد على:
تركيبتنا الوراثية
و خبرتنا + تجاربنا السابقة
و هرموناتنا
و مزاجنا
و وضعنا الإجتماعي...

فأين الإرادة الحرة في الموضوع؟ 
   

الاثنين، 15 أبريل 2013

الأرقام لا تكذب

الفنان الراحل كاظم القلاف. من مسرحية بيت بوصالح

  أنا أكره الرياضيات منذ صغري وهذا ليس سراً. أكره الرياضيات لضعف قدراتي التحليلية. فأنا لا أستطيع حل المسائل الرياضية ذهنياً بدون الآلة الحاسبة. و لا أفهمها "وهي طايرة" كغيري من الزملاء الموهوبين في أي مسألة رياضية. لكنني أدركت متأخراً جداً (بعد سن الثلاثين) بأن الرياضيات ليست مهمة فحسب ، و إنما هي لغة الكون البحتة بلا منازع. و ما أجملها من لغة. فلا يختلف اثنان على أن المربع له أربعة أضلاع و  مجموع زوايا المثلث ١٨٠ درجة و ١+١=٢ من الآن و حتى نهاية الكون. 

الجميل في عالم الرياضيات أيضاً بأن الأرقام منطقية يتقبلها العقل. و الأهم من ذلك أنها لا تكذب أبداً. و لكن للأسف ، الناس التي تضع هذه الأرقام تكذب. تحليل بسيط للأرقام يكشف شخصية الذي يستعرضها. والحق يقال: البعض لا يتعمد الكذب ، و إنما يخلق قليلاً من "الدراما" لتجييش العواطف أو لفت الأنظار أو إثارة الإعجاب.  

العبارات التالية سمعتها من أفراد على أرض الواقع و دوّنتها.  

- أنا أعمل ١٢ ساعة في المستشفى يومياً. 

- أنا أمارس الطب منذ ٤٠ سنة.

- نسبة الطلبة النجاحين في هذه الدفعة ٩٠٪. معناها هذه الجهة التعليمية لا تخرّج إلا النوابغ.  

- فلان طلع الأول على كل مدارس البلاد بالرغم من "سمعة" تدني مستوى التدريس في مدرسته. هذا معناه بالضرورة أن هذه السمعة افتراء و ليس لها صحة. 

- سعر هذه البضاعة خمسة دنانير. ولكنك إذا اشتريت منها حبتين ؛ ستدفع تسعة دنانير (ستوفّر على نفسك دينار واحد).

- إذا سافرتَ على متن خطوطنا الجوية ١٠ رحلات ، التذكرة رقم ١١ ستكون لك مجاناً. 

- الشركات العالمية تظلم القوى العاملة في فروعها في الدول الآسيوية. لأن الموظف الهندي في فرع الشركة في الهند يتقاضى دولار واحد في الساعة ، بينما الموظف الأمريكي في أمريكا بنفس المؤهلات يتقاضى ٦ دولارات في الساعة. 

لنحلل الأرقام المذكورة أعلاه. ربما نتعلم شيئاً من سلوك الإنسان لم نلاحظه من قبل. 

- أنا أعمل ١٢ ساعة في المستشفى يومياً. 
هذه العبارة التي بلا شك تثير إعجاب أي طالب طب و تجعله إما منبهراً أو مرعوباً من ما سيواجهه في مستقبله المهني بعد تخرجه من الكلية. لكنني بعدما تخرجت أنا من كلية الطب حلّلت ساعات عمل زميلي الكاروف "أبو ١٢ ساعة في اليوم":

أولها ، يبدأ العمل الرسمي ٧:٣٠ صباحاً و ينتهي ٥:٠٠ مساءاً (٩ ساعات ونصف ، وليس ١٢ ساعة كما زعم).

٧:٣٠ - ٨:٣٠ صباحاً: الساعة الأولى من العمل يقضيها صاحبنا في الإجتماع الصباحي اليومي. 

٨:٣٠ -٩:٣٠ صباحاً: الساعة التي تلي الإجتماع يقضيها في الكافيتيريا ليفطر مع زملائه. 

٩:٣٠ صباحاً-١٢:٣٠ ظهراً: يمر على المرضى (المرور الصباحي) لمدة ثلاث ساعات ، يقف خلالها مكتوف اليدين فقط ليعطي الأوامر للأطباء الأصغر منه سناً. منهم من يفحص المرضى. و منهم من يملأ الاستمارات و وصفات الأدوية. ومنهم من يكتب ملاحظاته اليومية في الملفات. 

١٢:٣٠ ظهراً - ١:٣٠ ظهراً: يحضر صاحبنا محاضرة الظهر (خلالها وجبة غداء)

١:٣٠ ظهراً- ٢:٠٠ ظهراً: صلاة الظهر (متأخرة بسبب العمل "المتعب" طول النهار)

٢:٠٠ ظهراً -٣:٠٠ ظهراً: يبقى في مكتبه لأخذ "غفوة" أو لتخليص بعض الأمور الإدارية العالقة.  

٣:٠٠ ظهراً - ٤:٠٠ عصراً: وقت صلاة العصر. الوضوء يستغرق نصف ساعة و الصلاة تستغرق نصف ساعة أخرى!

٤:٠٠ عصراً - ٥:٠٠ عصراً: ساعة اختيارية يستطيع فيها صاحبنا ان يرجع الى بيته أو يقضيها في "سوالف خاثرة" مع بقية الزملاء. 

كم ساعة فعلية قضاها صاحبنا في العمل؟ أترك لك الحسبة والإجابة.

- أنا أمارس الطب منذ ٤٠ سنة.
في بداية الجدال ، عندما قالها لي هذا الاستشاري الديناصور في تخصص الطب الباطني بالفم المليان "أربعين سنة" صعقني الرقم. ولكن بعد مناقشة قصيرة استغرقت أقل من عشر دقائق ، اتضحت لي الصورة.  هذا الاستشاري العربي الوافد أتى ليعمل في الكويت منذ عشر سنوات. قبلها كان مشواره المهني كالتالي:

٥ سنوات خبرة بعد تخرجه من كلية الطب في مستشفى قديم متهالك بمنطقة نائية في بلده.

٥ سنوات طبيب عام في مستوصف قطاع عام صغير في أحدى المناطق الريفية في بلده. 

١٠ سنوات طبيب عام في عيادة خاصة في قرية سعودية صغيرة في منتصف الصحراء.    
  
١٠ سنوات طبيب إداري في مستوصف قطاع عام في الكويت (إداري معناها إداري ، لا يمارس مهنة الطب).  

بعد ١٠٠ واسطة و مكالمة هاتفية استطاع الحصول على وظيفة شاغرة في التخصص الباطني. درس خلالها في المنزل (دون الالتحاق ببرنامج تدريبي عملي) و قدّم اختبارات الزمالة البريطانية (MRCP) و نجح فيها بعد المحاولة الخامسة. (يعني رسب ٤ مرات) في فترة دامت ٥ سنوات. في السنوات الخمس التي تلتها ، ترقّى الى مسمى استشاري بالتزكية بسبب النقص الشديد في الاستشاريين آنذاك.  

بالمختصر:
٥ سنوات متدرب + ٥ سنوات طبيب مستوصف أرياف +١٠ سنوات مستوصف + ١٠ سنوات إدارة + ١٠ سنوات استشاري باطني بالتزكية بعد النجاح في اختبار منزلي. قارن هذا الطبيب بطبيب أمريكي أمضى ٤٠ سنة من حياته في العمل في مستشفيات هارفارد و ستانفورد. الرقم "٤٠ سنة" بحد ذاته مدهش ، و لكن تحليل الرقم ليس كذلك. 

- نسبة الطلبة النجاحين في هذه الدفعة ٩٠٪. المعنى: هذه الجهة التعليمية لا تخرّج إلا النوابغ.  
هنا العبث بالنسب المئوية خطير جداً. ذلك لأن الأغلبية الساحقة من عامة الناس تعتمد عليها في اتخاذ القرارات و خصوصاً المصيرية منها. لتفسير الخطورة هنا...

إذا كانت الدفعة الدراسية تتكون عشرة طلاب ، و نجح منهم تسعة ، فنسبة النجاح ٩٠٪. 
و إذا كانت الدفعة الدراسية تتكون من ألف طالب ، و نجح منهم ٩٠٠ ،  فنسبة النجاح أيضاً ٩٠٪.

في السيناريو الأول 
عدد الراسبين: طالب واحد.
بينما في السيناريو الثاني عدد الراسبين مائة طالب. 
و في الحالتين النسبة المئوية واحدة. 

هذا غير الظروف التي لا تُذكر عادةً مع النسبة المئوية.

في السيناريو الأول: لماذا رسب هذا الطالب الوحيد بالذات؟
ربما كان متفوقاً ولكن أستاذه كان يكرهه شخصياً (و الشخصانية متعرف عليها عند العرب).
و ربما لم يحضر الاختبار لأسباب مرضية ، و ألف احتمال و احتمال آخر. 

بينما في السيناريو الثاني: رسوب المائة طالب ربما يكون أكثر دقة في معرفة درجة الصعوبة الفعلية للإختبار.
فكلما زادت الأعداد كلما كانت النسب المئوية أكثر دقة.  

- فلان طلع الأول على كل مدارس البلاد بالرغم من "سمعة" تدني مستوى التدريس في مدرسته. هذا معناه بالضرورة أن هذه السمعة افتراء و ليس لها صحة. 

حكمة شائعة: مستوى الطالب دائماً يعكس مستوى المعلم.
الواقع: بالرغم من أهمية المعلم ، الطالب "النابغة" متفوق مهما كانت ظروفه صعبة ، حتى إذا كان أستاذه متخلفاً. والطالب الكسول البارد يبقى فاشلاً حتى لو تتلمذَ على يد أفضل المعلمين. الطالب المتوسط مستواه بشكل عام يعكس مستوى أستاذه. طبعاً لكل قاعدة شواذ. و الظروف تختلف من حالة لأخرى ، خصوصاً إذا الطالب النابغة أصبح معلماً فيما بعد ! 

القصد: مدرسة فاشلة يتخرج منها الأول على الدفعة لا يعكس بالضرورة جودة التعليم ، فربما يكون هذا الطالب نابغة لا يحتاج لمعلم كي ينجح. 

- سعر هذه البضاعة خمسة دنانير. ولكنك إذا اشتريت منها حبتين ؛ ستدفع تسعة دنانير. ستوفّر على نفسك دينار واحد.
هذه الخدعة سهل الكشف عنها ، ولكنها للأسف تنطلي على الكثير. لنراجع الرياضيات مرة أخرى:

إذا رغبتَ بشراء بضاعة سعرها ٥ دنانير ، و لست بحاجة لشراء أكثر من حبة واحدة من هذه البضاعة، معناها أن البضاعة ستكلفك ٥ دنانير. إذا أغراك العرض (حبة بخمسة دنانير و حبتين بتسع دنانير) ، معناها ستدفع ٤ دنانير إضافية على حبة أخرى لستَ بحاجة لها من الأساس. 

بصياغة أخرى:
شرائك حبة واحدة سيوفر عليك ٤ دنانير.
بينما شرائك حبتين سيوفر عليك دينار واحد ، بالإضافة الى حبة أخرى لستَ بحاجة لها من الأساس. 

- إذا سافرتَ على متن خطوطنا الجوية ١٠ رحلات ، التذكرة رقم ١١ نمنحها لك مجاناً. 
قيلَ في اللغة الانجليزية "الشيطان يختبيء بين التفاصيل" (The devil is in the details). حكمة كهذه تضرب صميم الإعلانات التجارية. عرض تجاري كهذا مغري جداً بالذات لكثيري السفر و الترحال.

و لكن نظرة واحدة للشروط و الأحكام المطبوعة بخط صغير جداً تحت الهامش يوضّح الصورة.

فالتذكرة "المجانية" المزعومة ما هي إلا لإتجاه واحد فقط (غير مرجعة) و لا تشمل الضرائب و الرسوم.
و ينتهي الحال بالعميل بتوفير ١٠٪ من قيمة التذكرة فقط!

- الشركات العالمية تظلم القوى العاملة في فروعها في الدول الآسيوية. لأن الموظف الهندي في فرع الشركة في الهند يتقاضى دولار واحد في الساعة ، بينما الموظف الأمريكي في أمريكا بنفس المؤهلات يتقاضى ستة دولارات في الساعة. 
في الولايات المتحدة الحياة أغلى بكثير من الحياة في الهند.
لذلك الموظف الأمريكي الذي يتقاضى ستة دولارات في الساعة لا يوفر منها شيئا بعد استقطاعات الضرائب و الرسوم و المصروفات النثرية هنا و هناك. ناهيك عن غلاء الطعام و السكن و العقار و خلافه.

بينما في الهند ، الموظف الذي يتقاضى دولارا واحدا في الساعة يعيش ملكا. يستطيع أن يعيش حياة كريمة بهذا المبلغ و يوفر منه ايضا.
فمن هو المظلوم حقا؟ الأمريكي أم الهندي؟

لذلك العمالة الآسيوية دائما أرخص من العمالة المحلية في دول الخليج العربية و لنفس السبب. 
فالموظف الكويتي لا يقبل العمل بخمسين أو مائة دينار شهريا. 
بينما العامل الآسيوي يرضى بهذا المرتب وهو يضحك.

الخلاصة
- الأرقام بحد ذاتها لا تكذب. و إنما من يضع هذه الأرقام يكذب.
   
- إبحث في حقيقة الأرقام و لا تنبهر بالعروض قبل التدقيق بين السطور.
- ليس الذكي من يعرف كل الإجابات الصحيحة ، إنما الذكي من يسأل الأسئلة الصحيحة.

خلك في جمعيتنا


في دولة الكويت ، كل ضاحية سكنية فيها "جمعية تعاونية".

الجمعية عبارة عن سوق مركزي كبير لديه فروع صغيرة متفرقة في أحياء الضاحية. الغرض الأساسي من هذا السوق و فروعه بيع التموين و المواد الاستهلاكية للناس بأسعار مخفضة. كل الجمعيات التعاونية تجتمع تحت مظلة "إتحاد الجمعيات" الغرض النظري منه حماية المستهلك بتوفير السلع بأسعار مدعومة.

الجمعية التعاونية (في الضاحية التي ولدت و ترعرعت فيها) ما هي إلا مأساة. ذلك لأن الذي يتسوّق  في المجمعات الخاصة مقارنة بالتسوق في جمعيتنا التعاونية يدرك الفرق بين "متعة التسوق" و "الصراع من أجل البقاء"…

- لا توجد مواقف منظمة و مظللة للسيارات بالرغم من وفرتها.
- السلع متراكمة و مرمية هنا و هناك بشكل فوضوي.
- الطوابير عند الكاشير طولها على امتداد البصر.
- الناس تتذابح ، خصوصاً في فترة العروض التسويقية و التنزيلات.
- الناس تتسوّق و تخزن ، كأن البلد في حالة حرب والعياذ بالله. 

في بداية حقبة الثمانينات (فترة طفولتي) ، أتذكر مبنى جمعيتنا صغيراً متواضعاً.

كان "مدحت" الكاشير يعمل هناك يومياً منذ الصباح الباكر بلا انقطاع أو إجازة.

و العم "بومشاري"(صديق الوالد) يجلس متكئاً في مكتبه خلف الحاجز الزجاجي في الإدارة ،  يمسح على كرشته (رمز النعمة) بين الحين و الآخر. كان مكتبه "ديوانية" غير رسمية للعلاقات الإجتماعية.

رئيس مجلس الإدارة آنذاك كان العم "بو هادي" (عضو مجلس الأمة الحالي).

كنت أصبح و أمسي على العم "فرغلي" أحد الفراشين ، يمسح الأرضيات و يحمل أكياس التسوق إلى سيارات الزبائن. العم فرغلي فلاح مسكين من الصعيد المصري فارق أسرته و أحبابه طلباً للقمة العيش في الكويت. يعمل براتب زهيد يكاد لا يوفر منه شيئاً. 

دارت السنوات... 
و مقر جمعيتنا التعاونية العتيدة ينتقل بين فترة و أخرى من مبنى فخم إلى مبنى أكبر وأفخم.
مواقف السيارات في اتساع مستمر.
أرباح الجمعية في ازدياد مستمر.
إدارة الجمعية بين الفترة و الأخرى تعلن بالخط العريض عن حصولها على إعتراف المنظمة العالمية الفلانية.
و فوزها بشهادة "الجودة" من المنظمة العلانية.  

و بالرغم من كل هذه "الإنجازات"...
إلا أننا في سنة ٢٠١٣ و الجمعية على أرض الواقع لا تزال خدماتها للعميل زبالة.
- مواقف السيارات بالرغم من توسعها إلا ان العثور على موقف لا يزال مهمة مستحيلة.
- و السلع لا تزال متراكمة بشكل فوضوي عشوائي.
- و الطوابير عند الكاشير لا تزال طويلة.
- و الناس لا تزال تتذابح وقت العروض و التنزيلات. 

كنت أتساءل: المبنى فاخر و الإمكانيات المادية وفيرة و الحال العام لم يتحسن ، فأين المشكلة؟
المشكلة كانت أمامي طوال الوقت و لم أنتبه إليها.

ففي الثلاثين سنة الماضية ، بالرغم من تطور مباني الجمعية و ملحقاتها ، إلا أن ...

مدحت الكاشير لا يزال في مكانه محاسباً . يرفض استخدام الحاسوب و الباركود.
و إذا سألناه عن رفضه لمواكبة التكنولوجيا ، أشار بسبابته على رأسه قائلاً "مش محتاجين كمبيوتر ، هنا كمبيوتر" (اسم الله عليك).

و العم بومشاري لا يزال متكئاً في مكتبه الفاخر جداً ، يمسح على كرشته خلف الحاجز الزجاجي. 

أما العم بوهادي عضو مجلس الأمة الحالي ، رشّح نفسه لمجلس إدارة الجمعية قبل ثلاثين سنة كخطوة أولى في طريقه إلى قاعة عبدالله السالم (مجلس الأمة). تطوير و تحسين خدمات الجمعية من آخر أولوياته. 

و العم فرغلي لا يزال يمسح الأرضيات و يحمل أكياس التسوق الى سيارات الزبائن مقابل مائة فلس أو ربع دينار بقشيش بالكثير.

هل اتضحت الصورة الآن؟
- المباني فخمة و فيها إبداع معماري يدهش الناظرين. 
- و التكنولوجيا الحديثة موجودة حتى قبل تطبيقها في دول الغرب. 
- و السيولة ليست متوفرة فحسب. و إنما تكفي لعشرة أجيال في المستقبل. 
- والحالة العامة بالرغم من ذلك ، زفت!
ذلك لأن مدحت و فرغلي و بومشاري و بوهادي لا يزالون في أماكنهم: يا جبل ما يهزك ريح !   

- كم من مؤسسات الدولة فيها "مدحت + فرغلي + بومشاري + بوهادي" ولكن تحت أسماء و أشكال و ألقاب أخرى؟

- كم جامعي بعثته الدولة لإكمال دراسته في الغرب و رجع ليصبح "بوهادي"؟

و كم طبيب بعثته الدولة لإكمال دراسته في الغرب و رجع ليجد "مدحت"و "بومشاري" في انتظاره لتطفيشه؟

والسؤال الأهم: متى سنستوعب بأن تطوير العقول (الثروة الحقيقية) أهم من تطوير المباني؟

تنويه: مدحت و فرغلي و بومشاري و بوهادي أسماء مستعارة
و أي تشابه بينها و بين أسماء واقعية هو من محض الصدفة البحتة.