السبت، 3 أكتوبر 2015

صج محد يبيكم؟

 جلست مع احد الأطباء المتدربين في احد البرامج التدريبية في بلاد الواق واق. كان تعيساً بائساً. شكى لي الحال. قال لي ان مدير برنامجهم الذي تدرّب في بلاد الفرنجة قال له و لأصحابه "إنتوا أصلاً دون المستوى، منو يبيكم؟". قاصداً بذلك أن شهادات البرامج التدريبية المحلية (البورد الواقواقي) غير مُعتَرَف بها عالمياً. و بالتالي لن يحصلوا على وظيفة خارج حدود الواق واق.

هنا ابتسمت. و تذكرت قوله تعالى...

"قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ" (سورة الزمر. آية ٩)


 الأطباء الواقواقيون الذين يسافرون للدراسات العليا في الفرنجة إما يذهبون فقط للزمالة المهنية (fellowship) ، أو لتدريب متكامل (بورد + إختبارات + زمالة) للحصول في النهاية على رخصة كاملة لممارسة الطب في الفرنجة (full license).  الحصول على "رخصة" لا يعني بالضرورة الحصول على "وظيفة". مثل رخصة قيادة السيارة (ليسَن). كونك تملك رخصة القيادة ، فهذا لا يعني بالضرورة حصولك على سيارة بإسمك.

 مجتمعنا الواقواقي يمجد و يقدس الشهادات الإفرنجية. هذا أمر له أسبابه الوجيهة التي يعرفها الجميع. بين الفساد الذي ينخر المؤسسات التعليمية في العالم الثالث من جهة ، و بين السمعة الطيبة للتعليم الإفرنجي من جهة أخرى ، نجدُ الفجوة كبيرة بينهما يملؤها "الخنين و الخايس". الخنين الطبيب المؤهل المتميّز حقاً. و الخايس الطبيب الذي تدرّبَ في الفرنجة لكنه بقي كما هو: "عينة محفوظة".

أنا أسأل كل واقواقي نافش ريشه بشهاداته الإفرنجية الأسئلة التالية لتذكيره فقط هو من أين أتى.


١. هل نسيتَ كيف بُعِثتَ إلى بلاد الفرنجة؟ 

بالتنسيق مع هيئة "واق واق" العامة للتخصصات الطبية ، الملحق الثقافي في السفارة الواقواقية في بلاد الفرنجة يبذل كل سنة جهوداً جبارة لتأمين "مقاعد" في مستشفيات الفرنجة لتدريب لأطباء الواقواقيين. ضمن اتفاقيات عقودها المالية سخية جداً. هذا أمر مشروع تنتهجه كل الدول المتطورة التي تستثمر في تنمية كوادرها الوطنية.

كل المطلوب من الطبيب الواقواقي اجتياز إختبارات التقييم الإفرنجية الأولى. كإختبار الرخصة الإفرنجية مثلاً. وهو ليس بالأمر الصعب. باقي الإجراءات متروكة للسفارة الواقواقية في بلد الإبتعاث. راتب البعثة ينزل شهرياً في رصيد حساب الطبيب الواقواقي معززاً مكرّماً. بمعنى ان الواقواقي لم يكافح ليعبر البحور و المحيطات مثلما يفعل الهنود أو الصينيين للحصول على مقعد للعمل و الدراسة في بلاد الفرنجة. و لم يعمل في وظيفتين أو أكثر ليؤمّن لقمة عيشه كما يفعل غيره من المهاجرين من الدول الفقيرة.

٢. هل وظيفتك في الفرنجة تنتظرك؟

 كل من عاش في الفرنجة يعلم بأن المألوف جداً هناك أن نصادف مهندساً يقلي البطاطس في مطاعم الوجبات السريعة. أو محامياً يمسح الأرضيات في المقاهي. كل ذلك بسبب شح الوظائف. صحيح أن العمل شرف و كسب لقمة العيش تتطلب الخفّية. لكن الأمر مؤلم عندما يتخرج المرء من الجامعة ليعمل في مهنة أقل من مؤهله بمراحل. لا سيما إن كانت دون الطموح. 

بينما في الواق واق، توظيف الطبيب المواطن عن طريق "ديوان القوى الواقواقية" فوري. و بعدما يرجع من دراساته العليا ، ترقيته مرهونة بزمن تخليص المعاملة فقط. بينما في الفرنجة ، الطبيب الإفرنجي إبن البلد صاحب الرخصة الطبية الكاملة ، يبحث عن وظيفة شاغرة بعد تخرجه  وهذا بالنسبة له التحدي الأكبر. 

الوظائف في بلاد الفرنجة محدودة و نادرة. لأن الأطباء القدامى راسخون في وظائفهم. يسددون ما عليهم من قروض دراسية لسنين طويلة فيتقاعدون متأخراً. لا شواغر و لا مجال لتوظيف الدماء الجديدة. المستشفيات ميزانياتها محدودة. لذلك لا توظّف أطباء أكثر من حاجتها.

الشهادة وحدها لا تكفي.
في أي مكان في العالم و في أي مهنة: كي تحصل على وظيفة ، المؤهل الدراسي وحده لا يكفي. تحتاج لميزات أخرى كإجادة اللغة و العلاقات العامة و القاعدة الجماهيرية. ميزات كهذه لا نحصل عليها من الجامعة. و إنما تستغرق سنين طويلة لتنميتها و تطويرها. لذلك الطبيب "القديم ابن البلد" الذي يملكها له الأولوية في التوظيف على الطبيب الوافد الجديد في السوق.

فلا تعتقد ان الواقواقي الذي عبَر المحيطات قادماً من آخر الدنيا (الواق واق) ليعمل في الفرنجة، فرصته في الحصول على الوظيفة توازي فرصة الافرنجي ابن البلد. 

كنت كلما سألت أصحابي الافرنجيين "ماذا ستفعل بعد نهاية زمالتك؟" 
(What are you going to do after your fellowship)

إجابتهم التلقائية الموحدة "سأبحث عن وظيفة" 
(I'm going to look for a job)

بينما إذا هم سألوني "ماذا ستفعل عندما ترجع بلاد الواق واق؟" 
أجيبهم "هناك وظيفة تنتظرني".
(There is a job waiting for me)

الواقواقي خريج الفرنجة يعطينا إيحاء أنه اذا رجع الفرنجة سيجد حشود المعجبين بإنتظاره في المطار مهلّلين "طلع البدر علينا". ستتلاقفه الأيدي من كل المستشفيات للإستيلاء عليه و على خبراته الدفينة و أسراره الباتعة. إحساسه كإحساس ملكة الجمال التي عدّى عمرها الستين عاماً و تقول لزوجها "طلقني. طابور من الخطاطيب بإنتظاري خارج المنزل".

لكل قاعدة إستثناء. الإستثناء هنا إذا كان الطبيب الواقواقي نابغة في مجاله. أو إذا كان تخصصه نادر و مطلوب مثل طب التخدير أو طب العائلة أو طب الأورام مثلاً. أو إذا كان حظه يكسّر الصخر! الأطباء الواقواقيون من هذه النوعية يهاجرون إلى الفرنجة بهدوء. دون مشاكل و لا طول لسان و لا قلة أدب. بل و يتركون وراءهم سمعة طيبة.


٣. هل تتحمّل نمط الحياة الإفرنجي؟

 شتاء الواق واق رائع. لكن درجة حرارة الصيف الطويل ٥٠ مئوية فوق الصفر لا تُطاق.

في بلاد الفرنجة
صيف الفرنجة رائع. لكن درجة الحرارة ٥٠ مئوية تحت الصفر في الشتاء الطويل لا تُطاق. لذلك على المدى البعيد ، التطرف في درجة الحرارة أمر لا يُطاق. بالنسبة لأي موظف يعمل داخل المبنى (indoors)، درجة الحرارة الخارجية ليست مهمة.  

في بلاد الفرنجة 
 في فصل الشتاء يقضي الإفرنجي وقتاً طويلاً كل يوم في إزالة الثلج المتراكم أمام منزله بنفسه. و لأن قوانين العمالة و حقوق الانسان هناك صارمة: ماكو خَدَم! أجرة الخادم عالية لا يستطيع الكل تحمل تكاليفها.

في بلاد الفرنجة 
 أسعار الوقود نار. لذلك سيارات الإفرنجيين بشكل عام صغيرة متواضعة. يفضل الإفرنجي قضاء حوائجه ماشياً أو بالدراجة الهوائية إن أمكن.

في بلاد الفرنجة 
 راتب الطبيب ظاهرياً وفير. لكن الضرائب المفروضة على كل شيء (ضريبة دخل-ضريبة مبيعات...الخ) تكسر الظهر و معها يتلاشى الراتب. المعيشة مكلفة للغاية. آلية الرواتب تعتمد على الحوافز. تشابه إلى حد كبير آلية رواتب مستشفيات القطاع الخاص في الواق واق. كل شيء بحسابه. بمعنى أنك كلما عملتَ أكثر ، كلما راتبك صار أكثر. تدريب الأطباء له أجرة. إلقاء المحاضرات له أجرة. في المقابل ، ضريبة الدخل توازن الأمور. سن التقاعد متأخر. و يظل الطبيب "يكرف" و "يلهث" وراء الحوافز حتى سن التقاعد.

في بلاد الفرنجة 
الطبيب الإفرنجي لا يتمتع بحصانة طبلوماسية. بل بالعكس، يد التمريض فوق يد الطبيب في ظروف كثيرة. و لا يتسع له الوقت ليمارس طقوسه خلال ساعات العمل.

المواطن الواقواقي المغترب يتحمل الحياة في الفرنجة لأنها مؤقتة. لسان حاله يقول "مصيري راجع ديرتي الواق واق". لكن هل يتحمل الواقواقي هذه الحياة على المدى البعيد؟ أشك في ذلك. 
   
٤. لماذا لا ترجع الفرنجة؟ 

البنت في بيت ابوها تطلب "شنطة" سعرها ٥ دنانير. 
أبوها يضربها قائلاً "إكلي تبن".
بعدما تتزوج تطلب من زوجها "شنطة" سعرها ١٥٠ دينار. 
زوجها يعتذر عن الدفع لأنها فوق ميزانيته. 
تستنكر زوجته قائلة "شنو هالعيشة؟ في بيت أبوي أنا كنت معززة مكرمة"

نكتة كهذه انتشرت في برامج التواصل الإجتماعي لكن مغزاها جاد.
ذلك أن عاطفتنا أحياناً تحجب الحقيقة و تجعلنا ننسى من أين أتينا. 

هل تساءلتَ : لماذا بعض الإخوة العرب من الذين ولِدوا و ترعرعوا في الواق واق ثم هاجروا للفرنجة ، مصيرهم الرجوع الى الواق واق و معهم الجنسية الإفرنجية مع المؤهل الدراسي الإفرنجي؟ لماذا لم يبقوا هناك؟ لأن الذي يعتاد على نمط الحياة في الواق واق لن يتحمل الحياة في أي بلد آخر.

إذا كنتَ تتغنى (و تشهق) ببلاد الفرنجة أو بأي دولة أخرى مجاورة. شقيقة كانت أو صديقة ، يا أخي لا تحزن. هاجر إلى البلد الذي تعشقه و نحن سندعو لك من قلوبنا أن يوفقك الله.

عزيزي الواقواقي صاحب الشهادة الإفرنجية...
لماذا أنت باقٍ في الواق واق؟ 
و لماذا رضيتَ بمنصبك الأكاديمي في البورد الواقواقي الذي أنت نفسك تحتقره؟ 
و لماذا تنصح تلاميذك و أبناءك و أحبابك بالدراسة في الفرنجة؟ 
أنت فعلاً معلم ... و إحنا منك نتعلم!

الغرض الأساسي من إبتعاث الأطباء هو جلب علوم الفرنجة معهم لعلاج مرضانا و تعليم تلاميذنا في بلاد الواق واق. "محد يبيكم" عبارة مؤلمة ليس الغرض منها إلا التجريح و التحقير الذي لا داع له. لا سيما في مجال عملنا الذي يشترط المهنية و سمو الخُلُق. سواء مع مرضانا أو زملاءنا أو تلاميذنا على حد سواء. 

أطباء الفرنجة بشر. منهم الطيب و منهم الحقير. منهم العالي و منهم الداني.
لكن النظام المهني العام عندهم لا يسمح للحقير بالتعبير عن ما في داخله ، و إلا كانت العواقب جسيمة ربما تصل إلى تدمير مهنته. لذلك هم ليسوا ملائكة و لا شياطين.

تنويه
القصة كلها بزمانها و دولها و رجالها و أحداثها ما هي إلا من نسيج خيال المؤلف.
أي تشابه بينها و بين دول أو أحداث أو أماكن أو أفراد على أرض الواقع هو بمحض الصدفة البحتة. 
   

الاثنين، 31 أغسطس 2015

خف علينا يا بوحصانة

 "الحصانة" تعني بالضرورة تمتع صاحبها بإستثناءات معينة  لتجعل منه حالة "إستثنائية" فوق القانون. على سبيل المثال: ليس من حق أمن المطار تفتيش حقائب الدبلوماسيين و لا إلقاء القبض عليهم في بعض القضايا. حامل جواز السفر الدبلوماسي له معاملة مختلفة أيضاً. الحصانة الدبلوماسية بين أهل السياسة موجودة منذ قرون. لكنها أصبحت مكتوبة على الورق رسمياً في إتفاقية "فيننا" للعلاقات الدبلوماسية بين دول العالم.

في نظر أهل الغرب ، "الطبيب" خريج جامعي متخصص. يحترف مهارات مقننة تشترط تدريب خاص لسنين طويلة. يقدم إختبارات و تطبّق عليه قوانين العمل و يسير حسب بروتوكولات محددة. حاله في ذلك من حال أي جامعي في أي مجال آخر.

بينما في دول العالم الثالث ، كلية الطب تقبل النخبة من أوائل الثانوية العامة ولا ترضى بأقل من ذلك. في الدول المكتظة بالسكان ، حيث المنافسة قاتلة (الصراع من أجل البقاء) و الطلب يفوق العرض بمراحل. نجِد أن الطالب هناك الذي نسبته ٩٨٪ في الثانوية لا يدخل كلية الطب. لأن هناك عدد محدود من المقاعد و كلها محجوزة لطلبة تتراوح درجاتهم بين ٩٩٪ و ٩٩,٩٪.

لذلك يتخرج الطالب من كلية الطب بعد ٧ سنوات عجاف ليرى نفسه في المرآة و على رأسه ريشة. يحترمه المجتمع إلى درجة منحه حصانة "طب-لوماسية". أطلقتُ عليها "طب" لأنها محصورة على الأطباء فقط دون غيرهم من طاقم الخدمات الصحية.

الحصانة الطبلوماسية لا يستهان بها. مبنية على أعراف شفهية غير مكتوبة. هي بحد ذاتها حافز غير مادي لدراسة الطب. لأنها لا تنحصر فقط بمباشرة العمل يومياً دون توقيع-حضور أو بصمة إلكترونية فحسب. و إنما تمتد إلى أبعد من ذلك. 

الحصانة الطبلوماسية معناها أن الطبيب غير محاسَب على تصرفاته ، مستَثنى من العتب، فوق القانون، فقط لكونه طبيب. كالآتي: 

١. للطبيب الحق في عدم الإلتزام بأي بروتوكول لتطوير أو  تحسين سير العمل.
حتى لو كان على أمور بسيطة مثل تحسين خط اليد في كتابة الوصفات كيف يفهم الصيادلة أي دواء مكتوب ، أو إستخدام الحاسوب في إدخال البيانات لتكوين ملفات إليكترونية للمرضى.

٢. للطبيب الحق في عدم الإلتزام بالزي الرسمي.
 مثل ربطة العنق أو المعطف الأبيض أو زي العمليات (سكربز scrubs). 

٣. الطبيب له الحق في أن يرفع صوته و يقل أدبه على أي زميل غير طبيب ، أو أي طبيب أقل منه رتبة.
مثل الصيادلة و الإداريين و الممرضين و الفنيين و الأطباء المتدربين و غيرهم. 

٤. الطبيب له الحق في التدخل في ما لا يعنيه من الأمور الفنية و الإدارية.

٥. الطبيب له الحق في رمي قاذوراته في أي مكان و عدم ترك مكانه نظيفاً لغيره. 

٦. الطبيب له الحق في عدم إحترام مرضاه.
و عدم شرح حالتهم المرضية. و عدم متابعتهم. و التخلص منهم بأي طريقة ممكنة. 


ربما "الحقوق" المذكورة أعلاها مألوفة لمن يتابع المسلسل الأمريكي الشهير "هاوس". حيث بطل المسلسل "د.غريغوري هاوس" (الفنان البريطاني هيو لاوري Hugh Laurie) لديه نفس السلوك. لكنه في النهاية مسلسل درامي لا يعكس أرض الواقع. لأن الطبيب في الولايات المتحدة الذي يمارس الطب بهذه الأخلاق و بهذا الأسلوب لا يدوم طويلاً في مهنته. 

زملائي الشرقيين عموماً و العرب خصوصاً سيستنكرون محتوى هذا المقال جملةً و تفصيلاً و هذا رد فعلهم المتوقّع. لكن قبل أن تأخذك العاطفة و تنفعل يا زميلي العزيز ، جاوب على الأسئلة التالية:

١. هل تعرّف نفسك على المريض عندما تقابله للمرة الأولى؟

٢. هل تشرح للمريض حالته و وضعه الصحي بعد التشخيص؟ هل تراعي شعوره و تعامله كإنسان له كيان؟ هل تعامله كأنه واحد من أهلك؟

٣. إذا كنتَ متواجداً في إجتماع أو محاضرة...  
هل تضع هاتفك النقال على الوضع "الصامت" (Silent mode)؟
و إذا رن هاتفك. هل تخرج من القاعة لتتحدث؟ أم تتحدث بصوت عالٍ و أنت جالس في القاعة؟
إذا كنتَ جالساً بجانب أصحابك. هل تتحدث معهم بصوت مسموع في نفس الوقت الذي يتحدث فيه المحاضِر؟

٤. إذا كنتَ تعمل في نفس المكان لفترة طويلة. هل تعرف أسماء زملائك من غير الأطباء؟ أم لا زلت تناديهم "صيصطَر"..."بيراذار"(Brother... Sister) لأنك لا تبذل أدنى مجهود لمعرفة أسمائهم؟

٥. إذا كانت طبيعة عملك تتطلب مهارة يدوية (جراحة / قسطرة / منظار) ، هل تتقيد بكل إجراءات التعقيم و السلامة لك و للعاملين معك؟ هل تهتم بحالة المريض قبل و بعد العملية؟

٦. هل أنت "طبيب طقوس

٧. هل درجة إحترامك لزملائك من الأطباء تزداد تزامناً مع ترقياتهم؟
بمعنى آخر: طالب الطب تعامله كأنه حيوان.
بعد تخرجه من الجامعة ، تعامله كأنه خادم. 
بعد إنهائه دراساته العليا ، تعامله كزميل عزيز.
بعد ترقيته إلى درجة إستشاري ، تعامله كأخ عزيز.
فإذا أصبح رئيساً عليك ، تناديه "يا طويل العمر".

راجع إجاباتك لكل سؤال مع نفسك. و قيّم نفسك إذا  أنت تعتز بحصانتك الطبلوماسية و تمارسها في حياتك اليومية.

الحصانة الطبلوماسية ربما هي أحد الأسباب الأساسية -غير المُعلَنة- التي تجعل الطبيب الشرقي  لا يفضّل ممارسة الطب في الغرب. لكن لا أحد يعترف بذلك. 

هل عرفت لماذا الطبيب الخليجي يرجع بلاده حتى لو طاب له المقام في الغرب؟ 

بعض الإخوة العرب يهاجرون إلى الغرب سنين طويلة و يرجعون حاملين معهم الشهادات الجامعية الأجنبية مع جنسية الدولة الغربية التي درسوا فيها. يرجعون للعمل في الدول العربية لعدة أسباب ، منها الحصانة الطبلوماسية. قليل منهم يعترف بذلك.

 هذا المقال مكتوب بالعربية لذلك أنا ذكرت العرب. لكن الحصانة الطبلوماسية موجودة عند الشرقيين بشكل عام ، من اليابان إلى شمال أفريقيا. ليست محصورة بالعرب أو الخليجيين فقط.

الأطباء الغربيون في المقابل ليسوا ملائكة. لكن "السيستم" هناك يفرض عليهم قوانين رادعة تجعلهم يحترمون أنفسهم و يعرفون حدودهم. بينما في العالم الثالث "الطبيب" هو "السيستم" ذاته!

دكتور الطقوس

لدي حسابين في بنكين مختلفين. أحدهما بنك الخليج. و بنك آخر لا حاجة لذكر إسمه.

 بنك الخليج وَعَدَ عملاءه بأن زمن انتظار العميل في خدمة الصرافين لن يتعدى العشر دقائق. و أوفوا بوعدهم. الصرّاف يقضي حاجة كل عميل بسرعة فائقة ، و يضغط على جرس الأرقام لينادي العميل التالي. 

بينما في البنك الآخر...
انتظرتُ دوري في خدمة الصرافين لأكثر من أربعين دقيقة بالرغم من أن فرع البنك في تلك الفترة لم يكن مزدحماً.

لماذا يا ترى؟
لاحظتُ بأن الصرّاف يمارس "طقوس خاصة" بعد إتمام كل عملية:

١. "يتمقّط" أو يتثاءب. 
٢.  يراجع برامج التواصل الإجتماعي في هاتفه النقّال: سناب تشات - تويتر - انستغرام - فيس بوك ...الخ.
٣. يتحدث و يضحك مع زملائه. 
٤. يرتّب مكتبه. 
٥. يخلّص معاملات العملاء من أصحابه و أقربائه دون إلزامهم بأخذ رقم و إنتظار دور.
٦. بعد ذلك ينادي العميل التالي.

أنا طبيب. لا أفهم في إدارة البنوك. لكن من الواضح أن بنك الخليج يسعى لإرضاء عملائه. ربما لديه آلية لمكافأة الموظف الذي يتمم أكبر عدد من عمليات في أقصر وقت ممكن. أما  البنك الآخر ، فعلى الرغم من تفوقه على بنك الخليج في عدد الفروع و السّمعة و الأقدمية ، إلا أن في الظاهر ، رضا العميل ليس من أولوياته. 

نفس الظاهرة موجودة في بيئة عملي. 
بعض الأطباء يمارسون "طقوساً" معينة قبل بدء مهام عملهم. لذلك "فخامة" الطبيب لا يشرف مرضاه بطلعته البهيّة إلا بعد فترة طويلة من الزمن. فإذا قيلَ للطبيب مثلاً: "دكتور، هناك مريض ينتظرك في الطواريء أو العيادة".

الطبيب المناوب يقوم من سريره.

١. يستحم. أو على الأقل يغسل وجهه و يديه.
٢. يتوضأ و يصلي فرض الصلاة.
٣. يتحدث مع أصحابه بالهاتف.
٤. يتناول وجبته إذا صادف و حضر المريض وقت إفطار أو غداء أو عشاء.

 ينتظر المريض لساعة أو ساعتين دون داعٍ. فقط ليعطي الطبيب المبجّل وقتاً لممارسة طقوسه "المقدّسة". 

سؤال: يا ترى ما سبب هذه الطقوس؟

ربما الطبيب يكره وظيفته.

ربما الطبيب لا يجد الرضا الوظيفي الكافي في مهنته.

ربما الطبيب يسير بعقلية القطيع: أمارس الطقوس لأن غيري يمارس الطقوس.

ربما الطبيب يرى الطقوس جزءاً من حصانته "الطبلوماسية".

ربما قدوة الطبيب كان راعي طقوس أيضاً.

و غيرها ١٠٠٠ "ربما" و "ربما". لكننا لا نعلم بالتأكيد.
  

الأحد، 24 مايو 2015

خلك أستاذ

عندما يفكر الأستاذ الشرقي
أنا أستاذك. 
أنا بالنسبة لك أهم من أمك و أبوك و كل أهلك مجتمعين. 
عندما كنت في مرحلتك ، أستاذي جعل حياتي جحيماً. الدور الآن لي لأجعل حياتك أنت جحيماً. لا تأخذ المسألة على محمل شخصي. فأنا أعرفك منذ فترة وجيزة. لا أكرهك لشخصك. لكن هذا هو عُرفنا. الرتبة الأعلى تضطهد الرتبة الأدنى منها. السمك الكبير يأكل السمك الصغير. 

عليك أن تشكرني -و تقبّل قدميّ أحياناً حسب الموقف- على كل "معلومة" أتفضّل عليك بها. و إذا لم يعجبك كلامي و فكرتَ في التمرد ، فتذكّر أن مصيرك في يدي. أستطيع تدمير مستقبلك بجرّة قلم إذا تعكّر مزاجي عليك لأي سبب مهما كان تافهاً. مفردة "تلميذ" في قاموسي  ترادف "خادم" أو "حشرة" و ربما أدنى من ذلك. 

إعلم أنني لستُ مسئولاً عن تعليمك. دراستك مسئوليتك الشخصية. 
المعلومات التي ستخرج من "فمي المقدّس" ستختلف عن ما هو موجود في الكتب. 
إختبارك نهاية العام سيأتي مختلفاً جداً عن ما درّستك إياه و عن ما في الكتب أيضاً. 
غرضي من الاختبار تعجيزك و إثباتي لك أنني أفضل منك. 

تسجيلك لصوتي العذب في المحاضرات ممنوع. 
تدوينك أسئلة اختباراتي ممنوع أيضاً. 
المعلومة اذا قلتها مرة ، لن أكررها مرة أخرى. 
تذكر أنني حتى لو لم أدرسك حرفاً واحداً لن يُخصَم من راتبي فلساً واحداً. 

عندما كنت طالباً في مرحلتك كنت بمستواك و ربما أسوأ. لكنني لن أعترف بذلك. 
يجب علي أن أريك بأنني الطفل المعجزة. 
الفارس المغوار. 
راعي الصولات و فتى الجبل في ميدان المحاضرات. 
كل أساتذتي القدامى يشهدون بذلك. 
و أنا أعلم أنك لن تجرؤ على سؤال أساتذتي من ورائي لتتأكد من صحة هذه "الحقائق".  

عليّ أن أصعّب المادة العلمية قبل تقديمها لك. و إلا كيف ستقدّر عظَمَتي و جلالة قدري؟ إذا بسّطتُ لك المادة فهذا معناه أنني إنسان تافه. هذا يشمل عدم تقبّلي لأي خطأ أو تقصير منك مهما كانت ظروفك صعبة.

أنا لا أنظر إليك كتلميذ حالياً فحسب. و إنما كمنافس لي في المستقبل القريب. فإذا لم أستطع إزالتك من المعادلة كلياً، على الأقل سأعمل على تهميشك أو تحجيمك أو تأجيل ترقيتك. إذا - لا سمح الله - وجدتَ طريقك إلى سلم الترقية ، سترى إحترامي لك يزداد تزامناً مع مسماك الوظيفي. إلى أن تصل إلى درجتي، وقتها سأعاملك كأخٍ عزيز.

عندما يفكر الأستاذ الغربي
أنا معلمك. معناها أنا مسئول عنك. 
أنت انعكاس لي و سفيري عندما ترجع بلدك. 
فإذا كان مستواك ممتاز ، معناها أنا ممتاز. و بالتالي ستعكس سمعة مشرّفة للمستشفى. 

الدنيا عجلة صغيرة دوّارة. 
أنت تلميذي اليوم و زميلي غداً. 
تجاربنا السابقة مع تلاميذنا الكثيرون أثبتت أن بعضهم تفوّقوا علينا في البحث العلمي و أصبحنا نحن تلاميذهم. نستفيد من أبحاثهم مثلما إستفادوا هم من أبحاثنا. إذا عاملتك بالحسنى اليوم ، سترد لي الجميل غداً. 

سأعلمك المادة العلمية كما علموني إياها أساتذتي. 
إختبارك نهاية العام سيكون محصوراً في ما علّمتك ، دون فلسفة زائدة. 
طبيعة عملنا تكرارية. بمعنى انك ستمارس نفس المهارات و ستسمع مني نفس الدروس يومياً. 
لذلك امتحاناتنا لن تكون صعبة عليك طالما انك ملتزم معنا. 
لا تتعب نفسك و تسجّل محاضراتي. لأني سأعطيك ملخصات عنها آخر النهار. 
كل تدريسنا استخرجناه من الكتب الموجودة عندك أصلاً وهي متوفرة على موقع مستشفانا عبر موقع الانترنت.

لا أستطيع إيذاؤك دون عذر قوي. 
إذا أخطأت فهذا جزء من تعليمك. 
تتعلم من أخطائك مثلما تعلمنا نحن من أخطائنا. و تستمر الحياة.

مستشفانا مؤسسة براغماتية لا تعتمد على قرار شخص واحد. 
فإذا ظلمتك ، تستطيع تقديم شكوى ضدي ، و في أغلب الأحيان ستنال حقك. 
إلحاق الضرر بك لا يصب في مصلحتي على أي حال. لأن المستشفى يدفع لي أجرة تدريسك. 
فإذا كان تقريرك عني سيئاً (feedback) فلن أقبض فلساً واحداً من الإدارة.


تحليل
هذه الأفكار و النوايا التي تدور في عقول أساتذتنا. الشرقيون منهم و الغربيون. 
إستنبطتها من أفعالهم لا من أقوالهم. لأن المثل الخليجي يقول "الحرامي ما يقول أنا بايق" (بايق: سارق). الأستاذ ذو العقل الشرقي ربما يغضب و يستنكر من ما كتبته عنه أعلاه. لكن الفعل (و ليس الكلام) يعكس ما في النفوس حقاً. 

فحتى لو أنكر صاحب الشأن ذلك. فسلوكه يفضحه. الذي على رأسه ريشة يحسّس عليها. 

"الفكر" هو نمط التفكير المحفور في عفل الفرد. يتشكّل هذا الفكر مع الانسان حسب تركيبته الجينية و بيئته و أخلاق مجتمعه و قدوته. لذلك المعلم صاحب العقلية الشرقية يظل شرقياً حتى إذا درس و تخرج من أرقى جامعات أوروبا و أمريكا. و صاحب العقلية الغربية يظل كذلك حتى لو انتقل للعيش في دول الشرق. 

بعض أساتذتنا الشرقيون (هنود ، عرب ، ماليزيون ، صينيون...الخ)  يحملون البورد الأمريكي و الكندي. لكن عقليتهم الشرقية محفوظة بأفضل المواد الحافظة في السوق. يفتخرون بها و يحامون عنها. العقلية فكر. تغيير الفكر أصعب بكثير من تغيير الشهادة و اللغة و التعليم.  

ملاحظات
١. كتبت ما يدور في عقل الطبيب المعلم في المستشفى. أعتقد أن الفكرة نفسها تنطبق على التعليم في أي مجال غير الطب.

٢. قلت "شرقي" و لم أقل "عربي". قابلت أطباء شرقيين من الهند و الشرق الأقصى و العالم العربي. بشكل عام العقلية الشرقية هي نفسها لا تختلف كثيراً. 

٣. العقلية الشرقية الحديثة هي في أصولها العقلية الغربية "القديمة". كل من عاصر الجيل القديم من الأطباء الإنجليز حتى منتصف القرن العشرين يعرف ذلك. الفرق أن أطباؤنا الشرقيون حافظوا عليها من الإنقراض. بعكس الإنجليز الذين رموها خلفهم. 

٤. المعلم الشرقي في الغربة ذئب! لأنه ينتقي ما يدرس من الغرب. يكتسب منهم المهارات و العلم فقط. و يترك أخلاقيات المهنة جانباً. عقلية شرقية + مهارات غربية = متلازمة البورد الكندي (كناديان بورد سيندروم). 

٥. بعضنا جرّب التلمذة على يد الطرفين. دَرَسَ عند الشرقيين و عند الغربيين.
فإذا التقى بأساتذته الشرقيين في مؤتمر أو حفلة بعد غياب طويل ، داسَ على كرامته و ضَغط على نفسه ليتظاهر بإحترامهم. و أحياناً يفشل للأسف بزلّة لسانه أو بلغة جسده. 

٦. من علمني حرفاً صرتُ له عبداً
هل ينطبق هذا المثل على الأستاذ الشرقي أم الأستاذ الغربي؟ 
من منهما يستحق القيام و التبجيل لأنه كاد أن يكون رسولاً؟ 

لماذا أنا أعيد و أزيد في هذا الموضوع؟
أزمة التعليم الطبي في العالم الشرقي التي عانيت منها في الماضي ، لا تزال موجودة. 
لا يزال الطبيب المتدرب في بلادي يعاني بدون سبب.
لا يزال الاستشاري يستعبد الطبيب المتدرب بدون أن يدربه في المقابل.
لا تزال المخرجات التعليمية في بلادنا ضعيفة. 

أترككم مع هذا السؤال
لماذا الطبيب المتدرب في الغرب يتعلم في سنة واحدة ما لا يتعلمه الطبيب الشرقي في خمس سنوات؟ 

السبت، 21 مارس 2015

غباء الأمريكان

العديد من المقاطع الكوميدية في موقع اليوتيوب تعرض الغباء الأمريكي.  

بعض الأمريكان ...
لا يعلمون عدد الحروب العالمية. 
لا يعرفون من هي ملكة بريطانيا.
بعضهم من يظن أن أفلام "حرب النجوم" مبنية على قصة واقعية.
منهم من لا يعرف من هو رئيس أمريكا الحالي.  

لكن لدي وجهة نظر لتفسير هذا "الغباء" المزعوم. 

النقطة الأولى
تستغرب أن الأمة التي طار منها أول إنسان (الأخوين رايت - ١٩٠٣) و منها نزل أول إنسان على سطح القمر (نيل آرمسترونغ - ١٩٦٩) فيها ناس بهذا الغباء. لكن أمريكا دولة ضخمة بالسكان مترامية الأطراف. التعليم فيها ليس مركزياً بالمرة. كل ولاية لها مناهجها الدراسية المستقلة. و كل مدرسة لها أجندتها التدريسية الخاصة بها. حتى بعض الولايات تسمح بضرب الطلاب بالعصا إلى يومنا هذا. البعض  يفضل الدراسة المنزلية. لذلك ليس كل من يدرس في أمريكا بالضرورة عبقرياً.  
الأخوان رايت - نورث كارولينا - ١٩٠٣
نيل أرمسترونغ - القمر - ١٩٦٩

النقطة الثانية
تركيز الإنسان محدود. و ذاكرته محدودة. مهما كان ذكياً أو فطناً.
لذلك طاقته تنصب في الأمور المصيرية التي تهدد حياته و أمنه و إستقراره. أي أمور أخرى غير ذلك تبقى تافهة. 

فالمرأة التي لا تفهم في الهواتف النقالة و الكمبيوتر تتحول إلى "هاكر" (Hacker) إذا أحسّت أن لدى زوجها علاقات مشبوهة عبر الانترنت. و إذا كان وزنها زائداً و بشرتها متجعدة بسبب تربية الأطفال و أعمال المنزل ، تحوّلَت إلى لاعبة أوليمبية على جهاز الركض يومياً و ضوّرت نفسها جوعاً بالحمية الغذائية القاسية ، و وضعَت نفسها تحت مشرط جراحين التجميل ، إذا شكّت أن زوجها سيتزوج عليها. 

و المحاسب العربي الذي يتظاهر بالجهل والغباء أمام رئيسه كي لا يزيد عبء العمل عليه ، ينتبه بكل جوارحه آخر الشهر بعد نزول الراتب في رصيده  و يسأل "إزاي راتبي نقص ٩٣٥ فلس؟".

يعيش سكان الغرب نعمة يجهلها  العالم الثالث: الإستقرار. العمل في الدول الغربية قائم على المؤسسات. فيها الإدارة أياً كانت ، تبقى كما هي. حتى لو تغيّر مديرها. 

حياة المواطن الأمريكي المتوسط البسيط هادئة رتيبة مستقرة سياسياً. جاره الشمالي كندا. و جاره الجنوبي المكسيك. و محيطَين واسعَين شرقاً و غرباً. لذلك الأمريكي مرتاح البال. جغرافياً مبتعد عن المناطق المشحونة بالحروب و الأزمات. لذلك لا يهمه من هو رئيس أمريكا الحالي. و لا موقع أستراليا على الخريطة. يريد أن يعيش حياته كما يحلو له. يخلص معاملاته الرسمية بالبريد أو عبر الانترنت (أون لاين).

بينما المواطن العربي مشرئبة عنقه. يتابع الأخبار و السياسة عن كثب. لأن كل الإدارات العربية تتغير بتغيّر من يديرها. مثل تاجر البورصة الذي يتابع حركة الأسهم أولاً بأول اذا كانت كل أمواله مستثمرة في السوق.

يدرّس المواطن العربي أبناءه التاريخ بكل تفاصيله و جغرافيته و كل "نظريات المؤامرة" التي حيكت ضد أمته. إتفاقية سايكس بيكو و معاهدة سان ريمو ، وعد بلفور ، حروب ٤٨ و ٦٥ و ٦٧ و ٧٣. لا ننسى أن  شرحه للتاريخ العربي إنتقائي طبعاً. فالشرح المفصّل يبقى من نصيب أي موضوع له علاقة بإسرائيل. بينما يمر مرور الكرام على المآسي العربية الأخرى.  شاهد فيديو كليب أغنية الحلم العربي. هل ذُكِرَ الغزو العراقي للكويت فيه؟ 

لذلك أتساءل: إذا سخرنا نحن من هذا "الغباء" الأمريكي. النكتة في النهاية علينا أم عليهم؟

السبت، 7 مارس 2015

مدرسة المشاغبين: درس خصوصي

مدرسة المشاغبين ربما من أروع الأعمال المسرحية المخلدة في تاريخ الفن المصري الحديث. هذه المسرحية خرجَت أجيال. مفرداتها الكوميدية و عباراتها الساخرة لا تزال تتناقلها الألسنة من جيل لآخر مع  فريق من الممثلين لن يتكرر مثله فريق مرة أخرى.  

ملخص المسرحية
مجموعة من الطلاب المشاغبين في مدرسة "الأخلاق الحميدة" استطاعوا بحركاتهم الصبيانية تطفيش كل مدرسيهم. كمحاولة يائسة من الناظر "عبدالمعطي" (حسن مصطفى) للسيطرة عليهم ، جمعهم في فصل دراسي واحد. 
الناظر: عبدالمعطي
زعيمهم كان بهجت الأباصيري (عادل إمام) الملقّب "بالمخ".  بينما كان ساعده الأيمن "مرسي الزناتي" (سعيد صالح) الملقّب "بالعضلات". بهجت وضّح الصورة لمرسي منذ بداية المسرحية: أنهما إذا افترقا ، بهجت يصبح ضعيفاً ، بينما مرسي يصبح حماراً.

 آخر ضحاياهم من الأساتذة كان "علّام الملواني" (عبدالله فرغلي). قيل أنه كان عبقرياً قبل أن يجن جنونه على يد هؤلاء 
المشاغبين. خطة الإنقاذ الأخيرة من الوزير كانت إرسال "عفّت عبدالكريم" (سهير البابلي) المعلمة المتحضرة الراقية. حاملة شهادة الدكتوراه. كانت مهمتها ترويض الطلاب و حل مشكلة شغبهم. 

عفت عبدالكريم
كلنا نتذكر المواقف الكوميدية للمسرحية. لكنها علمتنا دروس و عِبَر أيضاً.
١. "عفت عبدالكريم" حاولت كسب الطلبة لصالحها بالطرق المتحضرة السلمية و بمنهج أكاديمي. لكنها كسرت ذراع "مرسي الزيناتي" بعد تعديه حدود الأدب معها. نبوءة "بهجت" تحققت. لقد أصبح ضعيفاً. و "مرسي" أصبح حماراً.
درس: من الصعب أن تتفاهم بأخلاق راقية مع ناس لا تعرف ما هي الأخلاق أصلاً.

٢. جرح كبرياء ناظر المدرسة "عبدالمعطي" لأن "عفت" كانت معلمة و شهادتها دكتوراه. بينما هو ناظر و كانت شهادته إعدادية. هنا التصادم بين التعليم و الخبرة. الصراع بين المدرسة القديمة و المدرسة الحديثة.
درس: الحلول التقليدية لا تحل دائماً المشاكل المستحدثة.



٣. من كل الخدع و الحيَل الصبيانية في المسرحية ، "الإستعباط" كان أقوى سلاح لتطفيش المعلمين. هذا في رأيي أهم درس تعلمته من المسرحية.




الأفغان هزموا الإحتلال السوڤييتي بصواريخ "ستنغر" (Stinger) الأمريكية. 
الهنود هزموا الإستعمار الإنجليزي بسياسة "اللا عنف".
العرب هزموا الإستعمار بسلاحهم الأمثل الذي أثبت فعاليته بلا منازع: التظاهر بالغباء و الجهل.

- شرطي المرور يوقِف السائق لعدم ارتدائه حزام الأمان. السائق يستعبط "لم يقل لي أحد أن حزام الأمان إجباري". 

- العربي لا يحترم الطابور ، لذا يتخطى الذين أمامه دون خجل. و إذا أوقفه أحد عند حدّه قال معتذراً "سامحني ما شفتك" أو "آسف. ما كنت أدري ان فيه طابور".  

- العربي فعّال في التواصل الاجتماعي في الانترنت عبر "فيس بوك" و "تويتر" و "انستغرام". و إذا أرسلت له قرارات إدارية (لها علاقة بالعمل) بالبريد الاليكتروني، قال لك "معنديش إيميل!".

- الموظف العربي تعلّمه أصول العمل شفهياً و تحريرياً. بالورق و بالانترنت (أون لاين). و تكرر عليه نفس المعلومة ألف مرة. و في النهاية لا يتقن عمله. تبريره "محدش قال لي أشتغل إزاي".

- العربي بعدما يعيش في الغرب مليون سنة. يتعلم لغة الدولة الغربية التي عاش فيها. لكن لغته تظل ركيكة إلى درجة مستفزة. هذا غير حفاظه على لكنته العربية الأصلية.

- العربي يتعمّد التواصل الشفهي في أغلب تعاملاته. لأنه يستطيع إنكار أو تغيير أو تعديل أقواله لعدم وجود أي إثبات خطي يثبت أو ينقض كلامه. "يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل" (البقرة. آية: ٢٨٢)

الإستعباط سلاح قوي. خصوصاً في المجتمعات المتحضرة الراقية. لأن الإنسان الراقي لا يسيء الظن. و يلتمس لأخيه سبعين عذراً ، مما يجعله فريسة سهلة للمستعبِط.

"الاستعباط" بالرغم من فعاليته. إلا أن فيه عيب جوهري قاتل: فائدته قصيرة الأمد."المستعبِط" مصيره ينكشف على المدى البعيد و مصداقيته على المحك. لن يصدقه أحد و لن يحترمه أحد بعد إنكشاف أمره. خصوصاً أن الإستعباط بحد ذاته إهانة لذكاء "المستعبَط عليه" إن صح التعبير.

الجمعة، 27 فبراير 2015

خلك قول و فعل

قبل بضع سنوات جلست مع أحد الزملاء و كان حينها في منتصف العمر. سألني عن عمري فأجبته "٣٥ سنة". 

قال لي " عندما تصل سن الأربعين سيزداد زهدك في الحياة الدنيا. و ستبدأ بالتفكير في الآخرة". 

 تأثرت جداً بكلامه الرائع. خصوصاً انه كان ملتحياً. لون شعره الرمادي زاد مظهره وقاراً. حضوره الرزين و نبرة صوته الهادئة و عباراته المؤدبة تروّض الوحوش الضارية. زِد على ذلك خبرته الطويلة في عمله كطبيب و القصص التي سمعتها منه عن صولاته و جولاته في غرفة طواريء المستشفى. الأمر الذي زاده هيبة و جعل انطباعي الأول عنه أنه "أستاذي" و ليس زميلي. 

  كلها مسألة وقت و ظهر "الأستاذ" على حقيقته. قال لي أصحابه أنه يملك ناطحات سحاب في بلده. بالرغم من ذلك ملابسه رثّة و سيارته قديمة. يزاحم الكل على الوجبات المجانية التي تقدمها شركات الأدوية في المستشفى. يجلب زوجته و أبناءه الصغار إلى المؤتمرات العلمية لأن "البوفيه" فيها مجاني بعد المحاضرات. دائماً يتصل بي من الهاتف الأرضي كي لا يكلف نفسه ٤٠ فلساً في الدقيقة ثمن المكالمة من هاتفه الجوال. 

صعقني "الأستاذ" أكثر بعدما عملت معه عن قرب في غرفة الطواريء. لغته الانجليزية كانت ركيكة. لهجته مع الممرضين كأنهم عبيد عنده. إعتماده على الحدس و السليقة أكثر من التحليل المنطقي و التخمين المدروس في التشخيص. و كل مرة كان يختم الأوراق بأختام زملائه. حجته أن "ختمه ضائع". 

لم أستطع كتم تعجبي و اندهاشي و خيبة أملي. لذا واجهته بكل جرأة...

"عفواً دكتور. نمط حياتك لا يدل على شخص زاهد في دنياه دائم التفكير في آخرته!"

إكتفى الأستاذ بإبتسامة و انصرف مسرعاً لتفادي المواجهة. 

في الوهلة الأولى ظننت أن ما فعله "الأستاذ" كان شنيعاً منفراً. لكن بعد قليل من التأمل ، عرفت ان ما فعله كان السهل. لأن مطابقة الأقوال بالأفعال امر صعب ، فيه الكثير من التحديات.   

الإلتزام بالمواعيد ربما أكثر صفة ميّزت الإنجليز عن بقية الأوروبيين. عندما يعدك الإنجليزي الساعة السابعة صباحاً معناها سيلاقيك الساعة السابعة صباحاً. في مجتمعنا الذي يحترم مواعيده نقول عنه "مواعيد إنجليز". إعتاد الغربيون على الشفافية و الصراحة. لذلك اذا سمعوا تصريحات نارية أو عنترية قالوا عنها "الأقوال أسهل من الأفعال" "Easier said than done".

في الفكر الديني: الذي يُظهر غير ما يُبطن ، أو يقول غير ما يفعل يسمى "منافق". بينما في الأعراف الإجتماعية يسمى "فهلوي" ، "عيّار" ، أو "كلكچي". حسب اللهجة الدارجة و الظروف الراهنة. و في كل الأحوال الفكرة واحدة. 

لكن لا نظلم من يقول ما لا يفعل...

١. ربما القائل هو نفسه لا يدرك حدود قدراته لأسباب هرمونية - التستوستيرون.
"أروح من الكويت إلى بغداد مشي ولا أركب معاك السيارة".

٢. أو لأن أقواله الرنانة أسبابها عاطفية رومانسية بحتة ...
"أعبر البحور السبع علشان حبيبتي". 

٣. أو أقواله عرفية...
عندما يأكل وجبة تكفي لشخص واحد و يقول لكل من يمر عليه "تفضّل. بسم الله". 
أو عندما يقول لضيفه "إعتبر البيت بيتك" أو "أنا رقبتي سدّادة".

فكر فيها. أيهما أسهل...
تنصح الناس؟ أو تطبق نصائحك على نفسك؟

تلقي خطباً حماسية؟ أو تنفذ شعاراتك على حياتك؟

لافتة في برج الحمراء بمناسبة العيد الوطني


 بعد ٢٤ سنة من تحرير الكويت عرفت معنى أغنية "أنا كويتي. أنا قول و فعل. و عزومي قوية". الذي يقول و يفعل انسان قوي. سمعته تسبقه الى الناس قبل وصوله. لذا قيل في الأمثال "لا تقاوم من اذا قال فعل".