الاثنين، 22 سبتمبر 2014

خلك غامض

تحذير
إذا كنت من محبي أفلام الخيال العلمي و لم تشاهد "ثلاثية الماتركس"
لا تقرأ المقال. لأنه سيحرق عليك القصة.

  ربما من أبرز الصفات التي ميزت الإنسان عن بقية الكائنات الحية صفة الفضول. الناس بشكل عام يقلقها الغموض و يثير إهتمامها كل ما هو مجهول و ملغوز. القاريء مثلاً  يتابع "الرواية" إلى نهايتها ليكتشف "الحبكة" فيها. و إلا مالذي حمى حياة شهرزاد من القتل على يد الملك السفّاح شهريار غير غموض قصصها التي إستمرت لألف ليلة و ليلة؟ كذلك الساحر على خشبة المسرح لا يكشف الخدعة أمام جمهوره.

ثلاثية أفلام "الماتركس" (The Matrix Trilogy) كانت من أروع سلسلة أفلام الخيال العلمي من نوعها. مثّل لورنس فيشبرن فيها دور "مورفيوس" القائد العسكري الغامض الفذ الذي شدّ بغموضه و هدوئه فضول "السيد أندرسون" الذي مثل دوره كيانو ريفز
مورفيوس القائد الغامض
مورفيوس آمن بنبوءة سمعها من "عرّافة" تنبأت بقرب ظهور "المخلّص" (The One) الذي سيحرر البشرية من طغيان عدوها الذكاء الصناعي المسمى "الماتركس" الذي سخّر عقول البشر لخدمته.

العرافة
في الجزء الأول من الفيلم كان مورفيوس هو الشخصية المحورية. هو من إكتشف بأن السيد أندرسن كان "المخلص الموعود" الذي تنبأت العرافة بظهوره. و الذي غدا لاحقاً بالإسم المستعار "نيو". النبوءة كانت صائبة. الأمر الذي عزز ثقته في نفسه وبالتالي إيمان شعب مدينة "زايون" بقيادته.

السيد أندرسن. إسم الشهرة: نيو

زايون كانت المدينة البشرية الوحيدة الناجية من سيطرة الذكاء الصناعي الذي دمر العالم كما نعرفه. شخصية مورفيوس في الفيلم جسّدت القائد الهاديء الرزين الذي أبهر أتباعه بعباراته "الموجزة المقتضبة". الصفة المميزة لأي شخص غامض.

مورفيوس الخطيب الحماسي الذي يجيش العواطف و يهز المشاعر



عبارات غامضة مبهرة


عبارات غامضة مبهرة

في نهاية الجزء الثاني إكتشف نيو بأنه لم يكن في الواقع "المخلّص الموعود". و إنما وجوده كان فقط جزءاً من مخطط مسبق متقن بتعاون و تنسيق بين "العرافة" و "المهندس" الذي بنى الماتركس. 

المهندس
لذلك في الجزء الثالث ، غدا مورفيوس شخصية عادية جداً. "كرته إحترق" كما يقال في اللهجة الدارجة. كل غموض مورفيوس و إيمانه بالنبوءات و روحه القيادية ما كانت إلا فريسة سهلة لخطة متقنة وضعها و طبقها العدو و بنجاح منقطع النظير.

على أرض الواقع البعض منا يحب الغموض. لأنهم يعلمون بأن الغموض يستقطب الأنظار. لكن للأسف منهم من هو مجوّف من الداخل مغلف بالغموض من الخارج. ربما أشهر عبارة كويتية غامضة هي "يصير خير". لأنها عائمة و تحمل ألف تفسير و معنى ، حسب ظروف الموقف و سياق الحديث.

إذا سألوا الغامض: إلى أين أنت ذاهب؟ رده المعتاد: عندي شغل.
و إذا سألوه: لماذا تكره فلان؟ رده الذهبي: لدي أسبابي الخاصة.
هو في الواقع ليس لديه "شغل" و لا "أسباب خاصة".
هو فقط يحيط نفسه بهالة من الغموض السخيف ليترك السائل في حيرة من أمره.

ربما (و الله أعلم) البعض يكره البحث العلمي لأنه يشترط الشفافية و اللعب "على المكشوف" بطريقة لا تفسح المجال لأي غموض. "المعروف" في العلم معروف. و "المجهول" في العلم يبقى مجهولاً إلى أن تتم معرفته في يوم ما.  كل عالِم يرغب في طرح نظرية أو فرضية ، يعرض في الصحف العلمية المختصة طريقة بحثه و معطياته و كيفية توصله إلى نتائجه.  يتعرض العلماء إلى "الشواء على نار هادئة" بالنقد اللاذع و المساءلة في المؤتمرات العلمية في تخصصاتهم لإيضاح أفكارهم و نواياهم للعامة. 

في الطب الحديث كل علاج فعّال قد تم إخضاعه لتجارب عديدة على مر السنين لإثبات فعاليته و معرفة آليته و آثاره الجانبية. بينما يتربع الطب البديل على عرش الغموض و الرهبة. "العشبة الفلانية" تشفي من السرطان. و "الخلطة العلانية" تقي من أمراض القلب. لا أحد يعلم عن فعالية أو أضرار هذه المستحضرات شيئاً غير شهادات شفهية مصدرها القيل و القال ..."والدليل آلولوه".

الغامض لا يتكلم كثيراً. تبريره على صمته "إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب".
لكن في كثير من الأحيان ، إذا فتح فمه إنطبق عليه المثل القائل "سكت دهراً و نطق كفراً".

الثلاثاء، 17 يونيو 2014

My Azeem


  "Robin Hood - Prince of Thieves" starring Kevin Costner. It was probably one of the best movies made in the 1990's. The classic story of Robin Hood is known to everyone. But Costners version was a bit modified. The whole story was about Robin of Locksley. A survivor of the crusades who managed to escape from captivity in Jerusalem. In the story background there was an Arabian knight called "Azeem", which means "great one" in Arabic. 

Morgan Freeman as "Azeem"

  Starring the one and only Morgan Freeman, Azeem was a highly educated man. He reflected the mentality of the Islamic civilization at its intellectual peak back then. During that time Europe was still struggling in its dark ages. Considering the circumstances of the time, Azeem addressed Robin as "Christian". While the Englsih peasants addressed Azeem as "the barbarian".

  Azeem was portrayed as genius. He built a telescope with his bare hands. He taught the villagers how to make weapons and how to spar. He helped them build a water-retrieval system from their wells. He helped one of the women in labor delivering her baby. At the end of the movie he prepared explosives from his "black powder recipe" to help Robin conquer the fort of the Sherif of Nottingham. Point is. Robin Hood was the center of the story. He however would never have succeeded on his own without the help of his "painted" friend. 

Robin Hood amazed at Azeems' telescope 

  During my training in the Cath Lab at the Royal Victoria Hospital in Montreal, I met a senior nurse in the name of Steeve Gaudreault. He has been a cath lab nurse since 2001. Steeve likes his job. He is very good at it and it shows in his passionate-yet-professional attitude. He taught me many trade secrets that I would not find in standard textbooks. 

  Even though I did my internal medicine training in Kuwait and my cardiology fellowship in Saudi Arabia. I have never encountered people more welcoming and hospitable than my Canadian colleagues. Doctors, technologists, and nurses alike. But particularly Steeve. Every time I asked him a technical question, he would give me a satisfying answer, followed by his notorious quote "Hey, I am just a nurse!". 

Steeve Gaudrault, RN. "Just a nurse".

  I appreciated Steeves' crude honesty with me. When he said something, he meant it. Period. No compliments. No sucking up. And no ass kissing. Such a commodity a few people possess nowadays.

  Steeve and I might never work together again once I go back home. But I will never forget him. Every time I look at my left shoulder in the mirror I will always remember him. And although the identities have switched. Since I am the "Painted Muslim" and he is the "White Christian". But he will always be my Azeem!
   

  

الثلاثاء، 3 يونيو 2014

ماكو فرصة ثانية

في المسلسل الأمريكي الشهير "هاوس": الحلقة ١٧ من الموسم الأول. سيناتور أمريكي أسود (أفريقي الأصل) أراد ترشيح نفسه للرئاسة. ظهرت عليه أعراض نقص المناعة. لكنه رفض تشخيصه المبدئي بمرض "الأيدز" و طلب من د. هاوس إجراء الفحوصات اللازمة للبحث عن تشخيص بديل. تبريره بأن الرأي العام لن يعطي "السود" فرصة ثانية إذا ما تم تشخيصه بالأيدز.


السيناتور المريض. يقوم بدوره الفنان "جو مورتن".


ماذا قصد السيناتور "بالفرصة الثانية"؟
في الولايات المتحدة حتى يومنا هذا. النمط المتعارف عليه عن المواطنين السود (من أصول أفريقية) أنهم فقراء معدمون. الشريف منهم يوفر قوت يومه من وظائف بسيطة بأدنى أجرة. و المجرم منهم يتاجر بالمخدرات و الدعارة و الأسلحة غير المرخصة. أعلى معدلات مرض "الأيدز" موجودة لديهم. وإذا أراد أحدهم تأمين مستقبله فلديه خيارين لا ثالث لهما: إحتراف رياضة مشهورة. أو إحتراف الغناء. لذلك إذا كان السيناتور الأمريكي الأسود مصاباً بالأيدز . هذا الخبر سيعزز فكرة الرأي العام عن المواطنين السود.

إحدى الروائع العديدة لتفكير العقل البشري تكوين "قنوات مختصرة" أو "أنماط" تحسّباً لكل ظاهرة متكررة الحدوث. مثلاً كلما ذهبتُ إلى المقهى ، طلبت نفس صنف القهوة لأنه يروق لي أكثر من الأصناف الأخرى. لا أحتاج أن أجرب الأصناف الأخرى في كل زيارة. كذلك الطبيب المتمرّس يستطيع تشخيص الأمراض أسرع و أدق من الأطباء المبتدئين ، لأن عقله كوّن "نمطاً" لكل مرض صادفه خلال مشواره المهني الطويل.  

الأنماط (Stereotyping) توفّر على العقل مشقّة إتخاذ قرارات جديدة للظواهر المتكررة. لكن للأسف آلية تكوين الأنماط هذه قد تأخذ منحنى آخر ضار و ربما خطير في بعض الأحيان. 

على سبيل المثال...
"كويتي" معناها كسول. إتكالي. مستسلم لشهواته. لا يحب العمل.

"مصري" معناها كذاب. نصاب. كثير الكلام. قليل الفعل. يحب اللف و الدوران.

"هندي" معناها رائحته نتنة. إستيعابه بطيء. لا يتقن عمله.

و غيرها مليون نمط و نمط لكل جنسية و عِرق. 

الأنماط تركَت عبئاً كبيراً على كاهل هؤلاء المنمّطين المساكين. ذلك لأن الطّموح منهم عليه أن يكافح و يجاهد أكثر من غيره لإثبات نفسه و الخروج من حفرة النمط الذي دفنه المجتمع فيها. مصيبة الرأي العام أنه لا يرحم و لا يعطي فرصة ثانية على أي زلّة أو هفوة.

فالكويتي المتفوق النشيط المتفاني في عمله ...
 إذا تأخر عن عمله مرة واحدة ، أثار غضب الناس و قالوا عنه "أكيد يتأخر. كويتي ما يداوم".
 
و المصري الأمين التقي الورِع قليل الكلام ...
تلقائياً يصبح المتهم الأول في أي فساد يحدث في مقر عمله. هو "مدان" حتى تثبت براءته. فقط لأنه مصري.

و الهندي حتى لو كان أذكى عبقري في العالم...
 إذا أخطأ في حل معادلة رياضية مثلاً. ضحكوا عليه و قالوا "طبعاً يخطيء. لأنه هندي".




 




الأربعاء، 21 مايو 2014

خف علينا يا الطفل المعجزة

ليس كل من يمد لك يد العون يريد فعلاً مساعدتك

  جرى العُرف في الوسط الطبي في الكويت و دول الخليج العربية أن الطبيب المتدرب إذا رغب في إكمال تدريبه المهني في الخارج ، يحاول التواصل مع أبناء بلده الأطباء الذين يدرسون في نفس التخصص هناك. إما بالهاتف مباشرة أو عن طريق الوسائل المتاحة بالإنترنت (فيس بوك ، تويتر ، الخ). ذلك على أمل أن الطبيب القديم الذي يدرس في الغربة "يوصّي" أساتذته بقبول و تدريب زميله الطبيب الجديد.

الفكرة بحد ذاتها نبيلة. و المبدأ من ورائها موجود في كل الوظائف و على كل المستويات. الهدف منه التكافل و تبادل المنفعة. حتى الخادمة الآسيوية في البيت الخليجي تتوسط عند صاحب المنزل (المعزب) لإستقدام زوجها للعمل كسائق ، أو أختها أو إبنتها للخدمة في البيوت مثلاً.

الغريب في بعض الزملاء (لأسباب لا أعرفها كليّاً) محاولتهم لتفادي مد يد العون لزملائهم الذين يرغبون في الدراسة في الخارج. حدث لي موقف مماثل عندما كنت أبحث عن قبول لإكمال تخصص القسطرة القلبية في كندا. جرت بيني و بين أحد الزملاء المكالمة الهاتفية الآتية. كتبتها باللهجة المحلية. طبعاً دون ذكر الشخص المعني. 

وضعت أيضاً عليها القليل من البهارات لإضافة لمسة فكاهية على الموضوع.

أنا: ألو...إشلونك يا فلان. عاش من سمع صوتك.

هو: عاشت أيامك. منو معاي؟

أنا: ما عرفتني؟ درسنا مع بعض في نفس الشقة سنين طويلة. و تدربنا مع بعض في نفس الوحدة بعد التخرج.

هو: إي. هلا هلا. آمرني.

أنا: ماكو. بس كنت أبي أكمل دراساتي العليا في جامعتك و الزملاء قالوا لي عنك إنك بتتخرج قريباً و من نفس التخصص اللي أنا أتمناه: قسطرة القلب. قلت أبي آخذ منك إرشادات و نصائح و إذا أمكن تدبر لي "قبول" عندكم هناك.

هو: إي بس القبول صعب. تصدق إني قدمت الطلب و قبلوني أنا بس من ٢٠٠٠ واحد غيري؟

أنا: ما شاء الله. ٢٠٠٠ واحد؟ إنزين شنو شروطهم؟ (لا يكون معاي على الخط أينشتاين بس!؟) 

هو: شروطهم وايد ...

١. لازم يكون عندك على الأقل ٥ أوراق علمية.

٢. لازم تكون مخلص رسالة الدكتوراه أو البورد.

٣. رسالة "تعبير عن المهمة" (Mission Statement) تشرح فيها ليش تبي تخصص القسطرة القلبية.

٤. طبعاً يحتاجون لثلاثة رسائل توصية من رؤسائك السابقين. بشرط إنهم تخرجوا من جامعات كندية.

٥. هذا غير إنك لازم تكون خبير في القسطرة نفسها. مع تقديم دليل إنك قسطرت على الأقل ٣٠٠ حالة في بلدك.

٦. لازم تجتاز كل إختبارات الرخصة الطبية و الإسعافات الأولية و المتقدمة.

و بعد كل هذه الشروط ، يمكن. مو أكيد ، يمكن يقبلون طلبك. التقديم لازم يكون قبل فتح البورد بسنتين على الأقل. و تذكر بأنهم لن يسمحوا لك بفحص المرضى بنفسك. و إنما تحت إشراف مستمر منهم و لك حق المشاهدة عن بُعد فقط.  

أنا (محبط): مشكور و يعطيك العافية على وقتك.

هو: حياك الله. و أي مساعدة تبيها مني ، أنا حاضر. 

سألتُ نفسي: إذا كنت أنا مستوفٍ لكل هذه الشروط ، هل سأحتاج للدراسة في الخارج من الأساس؟
أم الغرض الأساسي من المكالمة عدم مساعدتي بأي شكل من الأشكال؟

الدنيا دوارة. العالم صغير. و الكويت أصغر. فهل فكّر صاحبنا بأنه ربما سيحتاجني في المستقبل القريب أو البعيد؟

بعد هذه المكالمة المسدودة تذكرت حواراً من مسلسل كوميدي قديم بين كابتن غواصة حربية و صديقه جرى على نفس المنوال:

الصديق: ما إسم الغواصة الحربية؟
الكابتن: آسف. هذه أسرار عسكرية.

الصديق: كم عدد طاقمك في الغواصة؟
الكابتن: آسف. هذه أسرار عسكرية.

الصديق: هل غواصتك تعمل على الطاقة النووية؟
الكابتن: آسف. هذه أسرار عسكرية.

الصديق: شكراً جزيلاً على كل هذه المعلومات الشيقة عن الغواصات! 

الاثنين، 19 مايو 2014

خلك هندي

"غلام". ربما أشهر هندي في التراث الكويتي

ليس سراً أن الجنسية الهندية أصبحت رمز الغباء في دول الخليج العربية.

أنا لن أتكلم عن حضارة الهند العريقة. و لا عن عباقرتها و أثريائها. و لن أتطرق لبرنامج الهند الفضائي لإستكشاف و غزو كوكب المريخ. و لا حقيقة الهند كدولة نووية لها وزنها الدبلوماسي بين الدول العظمى. و لا حتى كونها أكبر دولة ديمقراطية في العالم. كل هذه المواضيع متوفرة في الإنترنت لمن يريد البحث عنها.  

هذا المقال يتناول فقط "غلام". الخادم الهندي الفقير الذي ترك بلده ليعمل "صبي" أو "سائق" في البيت الخليجي. الهند شبه قارة. تعداد سكانها يفوق المليار نسمة. فيها طبقة من الشعب -فلاحين عادةً- تحت خط الفقر. غلام ينتمي لهذه الطبقة. 

غلام الذي يسافر إلى الخليج للمرة الأولى لا يمكن وصفه بالغبي أو المغفل للأسباب التالية...

 ١. الحصول على فرصة للعمل في الخليج صعبة جداً وسط التنافس الشديد هناك. الغبي لا يجد لنفسه مكان وسط هذا التنافسالذي لا يرحم.   

٢. خلال السنة الأولى في الخليج ، يتعلم غلام الفلّاح أساسيات اللغة العربية من الصفر و بدون دورات لغة. بعض الهنود يتحدثون العربية و بفصاحة في نهاية سنتهم الأولى. أنا أعرف أطباء عرب عاشوا سنين طويلة في دول الغرب و لم يتعلموا لغة أهلها! 

٣. بسبب الفرق الكبير في العملة ، الراتب الزهيد الذي يتقاضاه غلام في الخليج يُعَد ثروة في بلاده. لذلك تراه يعمل لسنين طويلة و بصمت. غلام إقتصادي إلى أبعد الحدود. يرتدي فقط ملابس معزّبه المستعملة القديمة. يكلّم أهله هاتفياً عن طريق واي-فاي المنزل (المجاني). بينما يبعث "المقسوم" كل شهر إلى أهله. إما ليصرف على تعليم أولاده ، أو ليسدد أقساط بيته ، أو حتى ليشتري عمارات في بلده! بينما هو في الخليج يتصل على جوال "المعزب" من الهاتف الأرضي كي لا يكلف نفسه من جواله الشخصي.  

٤. الهنود مدمنون للعمل بطبيعتهم (Workaholic). لا أدري إن كان إدمانهم للعمل سببه ضيق معيشتهم أم لصفة وراثية فيهم. لكن غلام لا يمانع العمل ١٨ ساعة يومياً طول السنة و بدون عطلة. هذه الصفة جعلت الهنود البديل الأمثل للمواطنين و المقيمين العرب في شتى الوظائف. إدمانهم للعمل و إكتسابهم السريع للمهارات الجديدة جعلهم يقلبون الموازين و بنجاح. إذ أن المعازيب أصبحوا بحاجة إليهم و ليس العكس.    

٥. راتب غلام ثابت في كثير من الأحيان. لأن أكثرنا لا يفهم آلية الحوافز المالية. لذلك غلام يتظاهر بالغباء (يستعبَط) كي لا يقوم بخدمات إضافية أكثر من تلك المطلوبة منه. لأن راتبه آخر الشهر واحد لا يتغير. 

٦. غلام يبتسم و يتظاهر بالخضوع لمعازيبه بالرغم من إساءتهم المستمرة له. هو في الواقع لا يرى نفسه ذليلاً. و إنما هو يختار المعركة المناسبة و بحَذَر. لأن الحكيم لا يورّط نفسه في معارك خاسرة. التظاهر بالذلّة يحمي لقمة عيشه و يرضي المعازيب عنه. كلها مسألة وقت و يثبت غلام نفسه بإنجازاته (كونه مدمن للعمل) ، و الموازين مصيرها ستنقلب و المعزّب سيذل نفسه لغلام كي لا يستقيل و يرجع الهند. خصوصاً أن تكاليف إستقدام الخدم في تزايد. 

٧. كل الشعوب الكادحة تدرك بأن الدنيا كفاح. بمعنى أن كل إنجاز له ثمن و تضحية. كما يقول المثل الإنجليزي "لا يوجد غداء مجّاني" (There is no such thing as a free lunch). أو كما يقول المصريون "محدّش ياكُلها بالسّاهل". هذا الأمر عرفه أجدادنا جيداً. لكننا نسيناه نحن في عهد الرخاء النفطي. صحيح غلام يخدم و يتعب ، لكنه في المقابل يتعلم مهارات جديدة خلال خدمته (إكتساب لغة ،  قيادة سيارة ، طبخ ، تدبير منزلي...الخ) تجعله سلعة مطلوبة إذا ما قدّم على وظيفة أخرى في بيت آخر.     

بعد كل هذا السرد ، هل لا زلت تعتبر نفسك أذكى من الهندي؟

السبت، 17 مايو 2014

حمارة القايلة

  أسطورة "حمارة القايلة" التراثية من العجائب التي تضحكني و تثير إهتمامي في الوقت نفسه. طبعاً هي تضحكني كوني  من مواليد السبعينات. لكنها كانت "رعب" بالنسبة للأجيال السابقة. "الحمارة" المقصود بها هنا وحش مخيف. ربما غول أو جني حسب القصص المتوارثة شفهياً. هيئته إمرأة لها أقدام حمار. تتمشى وقت الظهيرة و تقتل من يتسكع خارج بيته. فترة الظهيرة في اللهجة الخليجية الدارجة تسمى"قايلة". المجتمعات الأخرى أيضاً لها "وحوش" مماثلة. مثل "البعبع" و "أبو رجل مسلوخة".
 
الغرض الظاهر من "الحمارة" منع الأطفال من اللعب خارج المنزل وقت الظهيرة في الصيف الحار حرصاً على سلامتهم من ضربة الشمس. سواء أولياء الأمور صدقوا هذه الرواية حينئذٍ أم لم يصدقوها ، على الأقل وفّت بالغرض و منعت أطفالهم من الخروج في الحر. في عصرنا الحديث أنتج المخرج الهندي الأمريكي الموهوب إم نايت شيمالان فيلمه الرائع "القرية" (The Village) الذي يتناول قصة مماثلة.

طبيعة عملي تتمحور على فحص الشرايين التاجية للقلب عن طريق استخدام أنابيب بلاستيكية تسمى "قساطر" (Catheters). أُدخِل القسطرة في جسم المريض عن طريق اليد أو الفخذ لأوصلها إلى الشرايين التاجية للقلب. ثم أحقن الشرايين بصبغة ، لتظهر الشرايين أمامي على الشاشة عن طريق الأشعة السينية (أشعة أكس).

القساطر لها أشكال متعددة. كل شكل له غرض محدد. و كل قسطرة سُمّيَت على إسم الذي صممها. القسطرة الإعتيادية التي نستخدمها في الفحص تسمى "جدكينز" (Judkins) . هناك قسطرة من طراز آخر إسمها "أمبلاتز" (Amplatz). 

عندما كنت أعمل في الخليج ، إعتاد بعض الإستشاريين العرب إخافتي من "الأمبلاتز" لخطورتها و حاجتها إلى مهارة خاصة لا يتقنها إلا الأطباء القدامى المتمرسون. حتى أن أحدهم ألقى علينا محاضرة تعريفية عن القساطر. في نهاية محاضرته عرض علينا حكمته الأخيرة "حاول إجادة إستخدام الأمبلاتز" (Try to master the Amplatz). طبعاً قالها بلهجته الأصلية "طراي طو ماصطر زي آمبيلاتز".

عندما جئت للعمل في كندا ، حاولت فحص المريض بقسطرة "جدكينز" التقليدية. لكنني فشلت في الوصول إلى الشريان التاجي الأيسر. بعد ذلك إقترح علي الإستشاري رئيس القسم إستخدام قسطرة "الأمبلاتز". طبعاً تغلغل الخوف في عروقي و بدأت أتصبب عرقاً. لأن جهابذة الطب في الخليج حذروني منها. كانت "الأمبلاتز" بالنسبة مثل "حمارة القايلة" لأسلافي! 



قلت لرئيسي بصراحة بأنني لا أعرف كيف أستخدمها. إبتسم و قال لي بكل هدوء "إستخدمها كما تستخدم أي قسطرة أخرى. بعد انتهائك منها إدفعها و أدِرها ثم أخرِجها. هذه هي الخدعة في الموضوع فقط!". فعلت كما طلب مني. عرفت وقتها أن "الأمبلاتز" قسطرة رهيبة في بعض الحالات. لو كانت فعلاً خطيرة كما قيل لي لما بقيَت متوفرة على أرفف مختبرات القسطرة في كل دول العالم.

الشريان التاجي الأيسر - سهم أبيض.  قسطرة الأمبلاتز - سهم أصفر


القصد. عندما يخوفك أو يحذرك أحد من "عنصر مجهول" لا تعرفه و ينصحك بالإبتعاد عنه. أياً كانت هوية هذا العنصر. سواء كان  إنسان أو حيوان أو جماد أو حتى من نسج الخيال (مثل حمارة القايلة) ، إسأل نفسك:

١. هل الشخص الذي حذرني هو نفسه يجهل طبيعة هذا "العنصر"؟

٢. هل إختلق هذا الشخص الترهيب لإخافتي و بالتالي إبقائي بعيداً عن هذا العنصر؟    
     
٣. و إذا كانت نيته إخافتي لإبقائي بعيداً. فما هي الأجندة الخفية لصاحب هذه النصيحة؟

أسلوب التخويف بـ"حمارة القايلة" لا يزال موجوداً و فعّالاً جداً إلى يومنا هذا و يمارَس تحت عناوين مختلفة. مثلما تزرع الأم الكراهية في قلب أبنائها ضد إخوتهم غير الأشقاء (إخوتهم من أم ثانية). و زرع الكراهية هنا متبادَل بين الطرفين ، لذلك التفاهم بين الإخوة مستحيل.

أو عندما نلقن أبناءنا في البيت و المدرسة و الإعلام بغض دين غير ديننا ، أو طائفة معينة أو عِرق أو لون بشرة. و التلاميذ في هذا السياق نادراً ما يناقشون السلطة. بالنسبة لأغلبيتهم ، البقاء في البيت بعيداً عن "حمارة القايلة" أفضل من الخروج للبحث عنها و إثبات عدم وجودها.

الثلاثاء، 6 مايو 2014

خلك خبير

تعودت في مدونتي على إيصال فكرة معينة عن طريق قصة إفتراضية من نسيج خيالي. لكن هذه المرة سأسرد قصة واقعية عاصرتها قبل بضع سنوات. مع مراعاة عدم ذكر أسماء الأشخاص المعنيون أو المؤسسات أو الدولة التي حدثت فيها هذه القصة لأن أسماؤهم ليس لها أهمية أصلاً.

كلمة "خبير" تذكرني بالفنان القدير ماجد سلطان في مسرحية "على هامان يا فرعون"

  قرّرت إدارة مستشفى ضخم مترامي الأطراف في دولة عربية تعيين "خبير أجنبي" رئيساً لأحد أقسامها. وقع إختيارها على خبير عالمي عريق مشهور متقاعد من دولة غربية. هذا الخبير كان إسمه العالمي رنّان و أبحاثه العلمية تُحصى بالمئات. تعيينه في الوهلة الأولى كان إختياراً صائباً و مكسَباً كبيراً للمستتشفى. ذلك لأن سمعة المستشفى بديهياً سترتقي بوجود هذا الطبيب. و الطبيب نفسه كان فَرِحاً غارقاً في نشوته ، لأنه راتبه الشهري (حسب العقد) كان يعادل سعر ثلاث سيارات لكزس! كان مبلغاً لم يحلم به طوال مشواره المهني في بلده. 

كان شعر الخبير الأبيض له هيبة و وقار و حضور. لغته الأم كانت الإنجليزية بلكنة مُلفتة. خطاباته في الإجتماعات و المحاضرات كانت رنّانة مليئة بوعود لإعادة هيكلة القسم و تطويره. لكن في المقابل ، كان ينظر لزملائه الخبراء المحليين بنظرة دونية مستفزّة ملحوظة ، قلّلت من شعبيته تدريجياً بعد بضعة أيام من مباشرته العمل. 

المقلب الكبير ظهر بعد شهر واحد من تعيينه. كان تعمّده تفادي متابعة المرضى في العيادات الخارجية و الأجنحة ظاهراً. كان مجهوده الرئيسي مُنصَباً على الجانب الإداري من وظيفته فقط. و بعدما وضعته إدارة المستشفى المُحبَطَة على المحَك عنوةً ، ظَهرَ معدنه الأصلي. الحبيب كان لا يعرف كوعه من بوعه في تشخيص و علاج الحالات المرضية. مهاراته الطبية كانت توازي مهارات تلاميذه الأطباء حديثي التخرج!

هل كان هذا الخبير محتالاً نصّاباً؟ هل كان إختياره خاطئاً؟
بعد بحث و تمحيص الإدارة في الفضيحة ، ظهرَت الإجابات المطلوبة للعيان.
    
١. الخبير لم يكن نصاباً. بل كان خبيراً عالمياً حقاً.
و لكنه مارس مهنته في الغرب فقط.
الأمراض تختلف من دولة و أخرى. هو كان "خبيراً" في الأمراض المستشرية في بلده فقط. من المعروف علمياً أن الأمراض تختلف بطبيعتها و نوعيتها و تركيبتها الوراثية عن البلد العربي الذي عمل فيه. على سبيل المثال في مجال الأمراض المعدية ، الملاريا منتشرة جداً في أفريقيا. و في مجال الغدد الصماء ، داء السكري منتشر جداً في الشرق الأوسط (لا سيما في الكويت).  

٢. الخبير وقت التعيين كان متقاعداً.
بمعنى أنه لم يمارس مهنته منذ زمن طويل.
هذا بالإضافة إلى أنه خلال فترة تقاعده لم يواكب التطورات الحديثة في طرق التشخيص و العلاج في تخصصه. 

٣. الخبير كان خبيراً  في تخصصه الدقيق فقط.
في العصور القديمة كنا نسمع أن العبقري فلان كان خبيراً في الطب و الكيمياء و الفلسفة و الرياضيات. أما الآن نحن نعيش في عصر الإختصاصات المتشعبة الدقيقة. بمعنى أن الإنسان يفني كل عمره في دراسة جزء صغير من تخصص واحد ، أو ما يسمّى بالتخصص الدقيق (Subspecialty). 

في الطب يتخرج الطالب من كلية الطب بمعرفة سطحية عن كل المجالات الطبية. ثم يتخصص في الجراحة العامة مثلاً. ثم في التخصص الدقيق ، جراحة زراعة الأعضاء مثلاً.

في المراكز التخصصية الكُبرى ، الإختصاصي لا يمارس أي مهارة خارج إختصاصه الدقيق و لزمن طويل. لذلك نرى جراح القلب ليس ماهراً في جراحة الزائدة الدودية. و جراح المسالك البولية ليس ماهراً في جراحة العظام. و طبيب النساء و الولادة لا يجيد إستخدام السمّاعة. الصدمة تظهر واضحة عادةً إذا واجه الخبير حالة طبية خارج مجال خبرته.        

البسطاء من الناس يظنون بأن "المتعلّم" يفهم كل شيء. و هذا ما يسمّى "الجدل من منطلق الخبرة" (Argument from authority). على سبيل المثال إذا صرّح الفائز بجائزة نوبل في الفيزياء بأن عصير الليمون أفضل علاج لأمراض القلب ، الناس ستصدّقه و هذه مصيبة. لأن هذا الشخص عبقري في الفيزياء فقط. لكنه ليس طبيباً و لا يفهم في أبحاث أمراض القلب و لا يعرف عن عصير الليمون غير طعمه الحامض.

٤. الخبير كان بطلاً من ورق.
للأسف في الوسط الطبي إلى يومنا هذا ، البحث العلمي هو السبيل الأمثل و الوحيد للوصول إلى الشهرة العالمية. لذلك البعض من الأطباء فضّلوا البحث العلمي على خدمة المرضى. نراهم يقضون معظم وقتهم في المختبرات و المكتبة بدلاً من المستشفى و العيادات.  

ماذا كانت النتيجة؟ أبحاث علمية مثمرة و غزيرة ، في المقابل خبرة طبية ضحلة سببها قلة الإحتكاك بالمرضى. الخبير المتقاعد كان لديه المئات من الأوراق العلمية و الأبحاث الأصلية. لأنه قضى شبابه بين المختبر و المكتبة. 

ما هو موقعنا من هذه المعضلة؟ 
لا نستطيع صرف النظر هنا عن عقلية العالم الثالث التي تمجّد الخبراء الأجانب. لا سيما القادمون من الغرب.
أو ما يسمّى بعقدة العيون الزرقاء. باللهجة الخليجية "عنزة الفريج تحب التيس الغريب". لا أحد يدقق في شهاداتهم و طبيعة إختصاصهم و تقييم ما إذا كانت كفاءاتهم توفّي الإحتياجات و تملأ الفراغ  أم لا.