في المسلسل الأمريكي الشهير "هاوس": الحلقة ١٧ من الموسم الأول. سيناتور أمريكي أسود (أفريقي الأصل) أراد ترشيح نفسه للرئاسة. ظهرت عليه أعراض نقص المناعة. لكنه رفض تشخيصه المبدئي بمرض "الأيدز" و طلب من د. هاوس إجراء الفحوصات اللازمة للبحث عن تشخيص بديل. تبريره بأن الرأي العام لن يعطي "السود" فرصة ثانية إذا ما تم تشخيصه بالأيدز.
![]() |
| السيناتور المريض. يقوم بدوره الفنان "جو مورتن". |
ماذا قصد السيناتور "بالفرصة الثانية"؟
في الولايات المتحدة حتى يومنا هذا. النمط المتعارف عليه عن المواطنين السود (من أصول أفريقية) أنهم فقراء معدمون. الشريف منهم يوفر قوت يومه من وظائف بسيطة بأدنى أجرة. و المجرم منهم يتاجر بالمخدرات و الدعارة و الأسلحة غير المرخصة. أعلى معدلات مرض "الأيدز" موجودة لديهم. وإذا أراد أحدهم تأمين مستقبله فلديه خيارين لا ثالث لهما: إحتراف رياضة مشهورة. أو إحتراف الغناء. لذلك إذا كان السيناتور الأمريكي الأسود مصاباً بالأيدز . هذا الخبر سيعزز فكرة الرأي العام عن المواطنين السود.
إحدى الروائع العديدة لتفكير العقل البشري تكوين "قنوات مختصرة" أو "أنماط" تحسّباً لكل ظاهرة متكررة الحدوث. مثلاً كلما ذهبتُ إلى المقهى ، طلبت نفس صنف القهوة لأنه يروق لي أكثر من الأصناف الأخرى. لا أحتاج أن أجرب الأصناف الأخرى في كل زيارة. كذلك الطبيب المتمرّس يستطيع تشخيص الأمراض أسرع و أدق من الأطباء المبتدئين ، لأن عقله كوّن "نمطاً" لكل مرض صادفه خلال مشواره المهني الطويل.
الأنماط (Stereotyping) توفّر على العقل مشقّة إتخاذ قرارات جديدة للظواهر المتكررة. لكن للأسف آلية تكوين الأنماط هذه قد تأخذ منحنى آخر ضار و ربما خطير في بعض الأحيان.
على سبيل المثال...
"كويتي" معناها كسول. إتكالي. مستسلم لشهواته. لا يحب العمل.
"مصري" معناها كذاب. نصاب. كثير الكلام. قليل الفعل. يحب اللف و الدوران.
"هندي" معناها رائحته نتنة. إستيعابه بطيء. لا يتقن عمله.
و غيرها مليون نمط و نمط لكل جنسية و عِرق.
الأنماط تركَت عبئاً كبيراً على كاهل هؤلاء المنمّطين المساكين. ذلك لأن الطّموح منهم عليه أن يكافح و يجاهد أكثر من غيره لإثبات نفسه و الخروج من حفرة النمط الذي دفنه المجتمع فيها. مصيبة الرأي العام أنه لا يرحم و لا يعطي فرصة ثانية على أي زلّة أو هفوة.
فالكويتي المتفوق النشيط المتفاني في عمله ...
إذا تأخر عن عمله مرة واحدة ، أثار غضب الناس و قالوا عنه "أكيد يتأخر. كويتي ما يداوم".
و المصري الأمين التقي الورِع قليل الكلام ...
تلقائياً يصبح المتهم الأول في أي فساد يحدث في مقر عمله. هو "مدان" حتى تثبت براءته. فقط لأنه مصري.
و الهندي حتى لو كان أذكى عبقري في العالم...
إذا أخطأ في حل معادلة رياضية مثلاً. ضحكوا عليه و قالوا "طبعاً يخطيء. لأنه هندي".

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق