السبت، 17 مايو 2014

حمارة القايلة

  أسطورة "حمارة القايلة" التراثية من العجائب التي تضحكني و تثير إهتمامي في الوقت نفسه. طبعاً هي تضحكني كوني  من مواليد السبعينات. لكنها كانت "رعب" بالنسبة للأجيال السابقة. "الحمارة" المقصود بها هنا وحش مخيف. ربما غول أو جني حسب القصص المتوارثة شفهياً. هيئته إمرأة لها أقدام حمار. تتمشى وقت الظهيرة و تقتل من يتسكع خارج بيته. فترة الظهيرة في اللهجة الخليجية الدارجة تسمى"قايلة". المجتمعات الأخرى أيضاً لها "وحوش" مماثلة. مثل "البعبع" و "أبو رجل مسلوخة".
 
الغرض الظاهر من "الحمارة" منع الأطفال من اللعب خارج المنزل وقت الظهيرة في الصيف الحار حرصاً على سلامتهم من ضربة الشمس. سواء أولياء الأمور صدقوا هذه الرواية حينئذٍ أم لم يصدقوها ، على الأقل وفّت بالغرض و منعت أطفالهم من الخروج في الحر. في عصرنا الحديث أنتج المخرج الهندي الأمريكي الموهوب إم نايت شيمالان فيلمه الرائع "القرية" (The Village) الذي يتناول قصة مماثلة.

طبيعة عملي تتمحور على فحص الشرايين التاجية للقلب عن طريق استخدام أنابيب بلاستيكية تسمى "قساطر" (Catheters). أُدخِل القسطرة في جسم المريض عن طريق اليد أو الفخذ لأوصلها إلى الشرايين التاجية للقلب. ثم أحقن الشرايين بصبغة ، لتظهر الشرايين أمامي على الشاشة عن طريق الأشعة السينية (أشعة أكس).

القساطر لها أشكال متعددة. كل شكل له غرض محدد. و كل قسطرة سُمّيَت على إسم الذي صممها. القسطرة الإعتيادية التي نستخدمها في الفحص تسمى "جدكينز" (Judkins) . هناك قسطرة من طراز آخر إسمها "أمبلاتز" (Amplatz). 

عندما كنت أعمل في الخليج ، إعتاد بعض الإستشاريين العرب إخافتي من "الأمبلاتز" لخطورتها و حاجتها إلى مهارة خاصة لا يتقنها إلا الأطباء القدامى المتمرسون. حتى أن أحدهم ألقى علينا محاضرة تعريفية عن القساطر. في نهاية محاضرته عرض علينا حكمته الأخيرة "حاول إجادة إستخدام الأمبلاتز" (Try to master the Amplatz). طبعاً قالها بلهجته الأصلية "طراي طو ماصطر زي آمبيلاتز".

عندما جئت للعمل في كندا ، حاولت فحص المريض بقسطرة "جدكينز" التقليدية. لكنني فشلت في الوصول إلى الشريان التاجي الأيسر. بعد ذلك إقترح علي الإستشاري رئيس القسم إستخدام قسطرة "الأمبلاتز". طبعاً تغلغل الخوف في عروقي و بدأت أتصبب عرقاً. لأن جهابذة الطب في الخليج حذروني منها. كانت "الأمبلاتز" بالنسبة مثل "حمارة القايلة" لأسلافي! 



قلت لرئيسي بصراحة بأنني لا أعرف كيف أستخدمها. إبتسم و قال لي بكل هدوء "إستخدمها كما تستخدم أي قسطرة أخرى. بعد انتهائك منها إدفعها و أدِرها ثم أخرِجها. هذه هي الخدعة في الموضوع فقط!". فعلت كما طلب مني. عرفت وقتها أن "الأمبلاتز" قسطرة رهيبة في بعض الحالات. لو كانت فعلاً خطيرة كما قيل لي لما بقيَت متوفرة على أرفف مختبرات القسطرة في كل دول العالم.

الشريان التاجي الأيسر - سهم أبيض.  قسطرة الأمبلاتز - سهم أصفر


القصد. عندما يخوفك أو يحذرك أحد من "عنصر مجهول" لا تعرفه و ينصحك بالإبتعاد عنه. أياً كانت هوية هذا العنصر. سواء كان  إنسان أو حيوان أو جماد أو حتى من نسج الخيال (مثل حمارة القايلة) ، إسأل نفسك:

١. هل الشخص الذي حذرني هو نفسه يجهل طبيعة هذا "العنصر"؟

٢. هل إختلق هذا الشخص الترهيب لإخافتي و بالتالي إبقائي بعيداً عن هذا العنصر؟    
     
٣. و إذا كانت نيته إخافتي لإبقائي بعيداً. فما هي الأجندة الخفية لصاحب هذه النصيحة؟

أسلوب التخويف بـ"حمارة القايلة" لا يزال موجوداً و فعّالاً جداً إلى يومنا هذا و يمارَس تحت عناوين مختلفة. مثلما تزرع الأم الكراهية في قلب أبنائها ضد إخوتهم غير الأشقاء (إخوتهم من أم ثانية). و زرع الكراهية هنا متبادَل بين الطرفين ، لذلك التفاهم بين الإخوة مستحيل.

أو عندما نلقن أبناءنا في البيت و المدرسة و الإعلام بغض دين غير ديننا ، أو طائفة معينة أو عِرق أو لون بشرة. و التلاميذ في هذا السياق نادراً ما يناقشون السلطة. بالنسبة لأغلبيتهم ، البقاء في البيت بعيداً عن "حمارة القايلة" أفضل من الخروج للبحث عنها و إثبات عدم وجودها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق