الثلاثاء، 15 ديسمبر 2015

متلازمة باريس

سافرتُ مؤخراً لحضور مؤتمر للقسطرة القلبية في مدينة لم أزرها من قبل. حجزت للفندق عن طريق الموقع الشهير "بوكنغ دوت كوم" (booking.com). الفندق كانت أسعاره مبالغ فيها. على أساس أن مستواه ٤ نجوم و قريب جغرافياً من مبنى المؤتمر.

عندما وصلتُ البلد بعد رحلة شاقة ، و ركبت سيارة الأجرة في المطار و وصلتُ الفندق ، أخرجتُ محفظتي لأحاسب سائق التاكسي. الذي قال لي أنه يريد إكرامية (بقشيش) فوق ثمن الأجرة التي حدّدها "عدّاد" السيارة. و الإكرامية التي إقترحها اللئيم كانت نصف ثمن الأجرة. ياللوقاحة! أعطيته إكرامية بسيطة و اعتذرت عن دفع المزيد. تركَني و هو "زعلان".

دخلتُ الفندق و صُدِمت. فإذا به فندق بسيط جداً لا يتعدى مستواه الثلاث نجوم ، مقارنة بفنادق دبي مثلاً. لم أرَ في بهو الفندق -اللوبي- أحداً غير موظف الاستقبال الذي قال لي أن الخدمة كانت "ذاتية". بمعنى أنني أسحب حقيبتي بنفسي الى غرفتي بعد استلام المفاتيح. إذ لا يوجد حمّال أو حتى بوّاب في الفندق. لا أدري كيف دفعت ثمن إقامتي لهذا الفندق الباهظ الثمن ببطاقتي الائتمانية. لو كنت أعلم بمستواه لما فكرت بالإقامة فيه

بعدما وضعتُ حقيبتي في الغرفة أردتُ استكشاف المدينة. فالجو كان رائعاً. الحرارة القصوى وقت الظهيرة لم تتعدّ ٢٥ درجة مئوية. لكن شوارع المدينة للأسف كانت قديمة بالية قذرة. رائحة المجاري الفواحة كان من الصعب تجاهلها. في كل زاوية و ممر كنت أرى المشرّدين. منهم النائم متوسداً الرصيف. و منهم الجالس و في يده زجاجة خمر مغلفة بكيس. و منهم من يتسوّل من المارة و يصرخ في الهواء باكياً دون سبب بين الحين و الآخر.
المشردون يملؤون الشوارع
تناولت الغداء في مطعم مجاور للفندق. و بعدما دفعت قيمة الوجبة ، رفض النادل -الجرسون- قبول الفاتورة بدون "بقشيش". و فسّر لي أن مبلغ البقشيش يعادل ضِعف ضريبة المبيعات التي كانت ١٠٪ من قيمة الفاتورة أصلاً. قلت له "ما عندي خردة (فكّة)" فقال لي تلقائياً "لا تقلق ، إدفع البقشيش بالبطاقة الإتمانية ، أو نقداً و نحن سنعطيك الفكّة". و رفض خروجي من المطعم قبل دفع البقشيش. إقشعر بدني. إذ أنني لم أتوقع سلوكاً بهذه الوقاحة.  

بقيتُ في هذه المدينة التعيسة أسبوعاً لحضور فعاليات المؤتمر. بعد ذلك رجعتُ الكويت فرحاً بترك تلك المدينة التعيسة. بدون مبالغة ، أفضل جزء في كل الرحلة كان السفر على متن طيران الإمارات الرائع في الإقلاع و العودة! ناهيك عن التسوق في مطار دبي المترامي الأطراف منقطع النظير.
الطائرة في مطار دبي الدولي

إذا إعتقدتَ من هذه القصة ان المدينة التي سافرتُ إليها كانت القاهرة أو طهران أو مومباي ، فأنت مخطيء. إنها كان مدينة سان فرانسيسكو في ولاية كاليفورنيا في الولايات المتحدة الأمريكية. سان فرانسيسكو التي سوّقتها لنا أفلام هوليود على انها جنة الله على الأرض. سافرتُ إليها متحمساً ، و رجعت منها خائباً. ربما أكثر فيلم جعلني معجباً بهذه المدينة كان "ذا روك" (The Rock) بطولة نكلاس كيج و شون كونري و إد هارس.



إستكشفت معالم المدينة خلال زيارتي القصيرة. جسر البوابة الذهبية (Golden Gate Bridge) الذي أضحى رمزاً للبلد و قبلة الزوار. و مقطورة سكة الحديد التي تعمل منذ سنة ١٩١٢ ، و جزيرة ألكتراز التي تحوي السجن المشهور بنفس الإسم. و مرسى ٣٩ (Pier 39). عندما رأيت هذه المعالِم المُهمَلة التعيسة ، رأيتُ فيها "بقايا" أمّة عظيمة. مثلما نرى إهرامات الجيزة في مصر أو تاج محل في الهند. لم تثر إعجابي و لا إهتمامي بعكس توقعاتي. جسر البوابة الذهبية المعلق كان تصميماً هندسياً رائعاً وقت بنائه. لكنه ليس بالعظَمة التي توقعتها.

مقطورة سان فرانسيسكو الشهيرة
جزيرة ألكتراز


جسر البوابة الذهبية

بجانب الفندق "ساحة الإتحاد" (union square) في وسطها عمود عال عليه تمثال لإمرأة واقفة. حول الساحة بضع مجمعات تسوق مع بعض المطاعم. كتيّب الدليل السياحي أطلق على هذه الساحة "جنّة التسوق" (shopping heaven).  الظاهر المسكين الذي كتب هذا الدليل لا يعرف مجمع الأفنيوز في الكويت ، الذي يفوق مجمعات ساحة الإتحاد في المساحة و تنوع البضائع و كثرة المحلّات.

ساحة الإتحاد "جنة التسوق"
بعدما رجعت الكويت ، سردتُ حكايتي هذه لأحد أقاربي الذي درس في أمريكا خلال عقد الثمانينات من القرن الماضي. قصدت الحديث معه بالذات لأنه كان -و لا يزال- يحب أمريكا و كل ما له علاقة بأمريكا

رأيتَ المشردين في كل مكان؟ تصدق يا بدر ، هؤلاء المشردين أكثرهم محاربون قدامى في الجيش الأمريكي (veterans) تم تسريحهم بعد انتهاء خدمتهم و إنتهى بهم الحال في الشوارع. أدمنوا الخمر و المخدرات بسبب ما رأوه خلال خدمتهم العسكرية. أنا كلما رأيت أحدهم أعطيته ١٠ دولارات صدقة. هم حاربوا من أجل هذا البلد و "يستاهلون" هذه الصدقة.

الكل يلاحقك و يطالبك بأكرامية؟ يا أخي الأمريكان مساكين. فالأزمة الإقتصادية التي عصفت بهم أرهقتهم مالياً و أنا لا ألومهم على سلوك كهذا

مجمعات التسوق في أمريكا لم تعجبك؟ طبعاً مجمعاتهم لن تعجبك. لأن الأمريكان الآن يتسوقون بكبسة زر عن طريق الانترنت "أونلاين" مع خدمة توصيل للمنازل دون الحاجة للتسوق خارج المنزل. 

و بعدما سمع ما قلته عن قذارة شوارع سان فرانسيسكو و إهمال المعالم السياحية فيها ، ختم حديثه لي بعبارة "أنت أصلاً ما يعجبك شيء".


ما علاقة هذه القصة بعنوان المقال؟
اليابانيون وصفوا حالة مقاربة لتجربتي في سان فرانسسكو. أطبقوا عليها متلازمة باريس (Paris Syndrome). اليابانيون فكرتهم عن باريس أنها عاصمة الجَمال. كل الناس جميلة المظهر طويلة القامة ، رائحتهم عطر "كوكو شانيل". الجو ربيعي خيالي طوال العام. كل البيوت و الشقق تطل على برج إيفل. و عندما يسافر السياح اليابانيون إلى باريس يرونها على حقيقتها. مدينة أوروبية عادية جداً. أهلها وقحين بسبب غلاء المعيشة. رائحتهم نتنة لأنهم لا يستحمون كثيراً. يعانون اليابانيون المساكين من صدمة الواقع بعد ذلك لأنهم شاهدوا باريس على حقيقتها.

يظن البعض أن "البحث العلمي" محصور بالعباقرة و أذكياء القوم فقط. الأمر ليس كذلك إطلاقاً. البحث العلمي بكل بساطة هو "نمط تفكير" تم تصميمه و تعديله و تنقيحه على مر السنين. الغرض الأساسي منه أن لا نخدع أنفسنا عندما نحاول فهم العالم من حولنا. أو بالكويتي البسيط "ما نقِص على روحنا". أو مثلما قال الفيزيائي الراحل ريتشارد فاينمان "لا تخدع نفسك. فأنت أسهل شخص ممكن تخدعه". 

البحث العلمي طريقة مقنّنة لوصف الأمور كما هي ، و ليس كما نتمناها. عقل الإنسان ملىء بالمغالطات الفكرية و المعتقدات المتناقضة و الأحكام المسبقة و الأنماط العوجاء التي تشوش التفكير السليم. نحن مواطني العالم الثالث لسنا أقل من الغربيين في الذكاء. بل نحن ربما نتفوق عليهم في مجالات عديدة. المشكلة ليست في الذكاء ذاته ، و إنما في طريقة التفكير غير العلمية التي حجّمتنا و قصّصت أجنحتنا عبر الأجيال و جعلتنا "نبدو" متخلفين. سأضرب بضعة أمثلة من القصة المذكورة.

١. الانحياز التأكيدي (confirmation bias).
ربما أشهر مغالطة فكرية عندنا. نحن نتغاضى عن النتائج التي تناقض معتقداتنا ، بينما نعلن على النتائج التي ترسخها. أو كما قال الإمام الشافعي...
عين الرضا عن كل عيب كليلة ... لكن عين السخط تبدي المساويا

كالأم التي لا تعاقب ابناءها على غلطة ارتكبوها و تلتمس لهم العذر. بينما زوجة الأب تعاقب أبناء زوجها و بقسوة على الغلطة نفسها. مبدأ إزدواجية المعايير (double standards) بهذه الطريقة غير علمي وغير أخلاقي. قريبي المتيّم بأمريكا كان يبرر كل ظاهرة سيئة ذكرتها في تجربتي في سان فرانسيسكو.

نحن على سبيل المثال نتضايق من الجرسون المصري اذا طلب منّا بقشيش بأدب. لكننا نلتمس العذر من الجرسون الأمريكي إذا طالَبَنا بدفع بقشيش له بقلّة أدب.

٢. الدراسة العمياء (blind study). 
لقد تعمدت عدم ذكر إسم المدينة في بداية القصة. فعندما تدرس موضوعاً ما بدون احكام مسبقة ، سيكون حكمك حيادياً أكثر. في الطب مثلاً، عند تقييم فعالية دواء جديد في السوق ، يتم إعطاؤه للمريض دون ذكر إسم الدواء. ذلك كي لا يتدخل "العامل النفسي" في الحكم على المفعول الفعلي للدواء المجرّب.

٣. مهاجمة "ذات الشخص" (ad hominem).
إحدى الخدع التي يستخدمها أهل المحاماة و السياسة على حد سواء ، مهاجمة "ذات الشخص" بدلاً من مهاجمة الفكرة. خدعة رخيصة فعلاً و تعتبر ضربة تحت الحزام. لكنها خدعة لا يعلمها الجميع. عندما قال لي قريبي "أنت أصلاً لا يعجبك شيء" فهو هاجم ذاتي مبرراً بذلك أنني متشائم بطبعي ، و "ما يعجبني العجب و لا الصيام في رجب" و بالتالي لن تعجبني أي مدينة أزورها مهما كانت جميلة.

ماذا لو إستخدمت الطريقة العلمية في البحث و حاولت وصف أمريكا كما هي؟ ربما سألخصها كالآتي:

١. الإعلام الأمريكي (هوليود) قوي و جبار.
 دور السينما في العالم كله مفتوحة للأفلام الأمريكية التي تصور لنا ان أمريكا الفردوس الأعلى. دول أخرى في العالم تفوقت على أمريكا في عدة مجالات و تقدمت عليها بمراحل. لكن الإعلام في هذه الدول ضعيف. حتى بعض هذه الدول تكره الإعلام أساساً و يفضّل أهلها العمل بصمت ، و أشهرها الدول الاسكندنافية. روعة الإعلام الأمريكي في إقناع الناس الذين يعيشون في جهنم أنهم يعيشون في الجنة. يقنعونك بأن الأسود أبيض. و إذا لم تقتنع ، معناها المشكلة فيك. حتى لو كانت المشكلة في غيرك

٢. أمريكا كانت فعلاً أعظم أمة على وجه الأرض.
لأنها كانت في سباق تكنولوجي أسطوري مع العملاق السوفييتي في الحرب الباردة. خصوصاً في التسلّح النووي و التعليم و غزو الفضاء. بعد إنحلال الاشتراكية و إنهيار السوفييت ، تغيّرت المعادلة قليلاً بسبب زوال الخصم. مثلها في ذلك -إلى حد ما- مثل الزوجة الأولى التي تنافس الزوجة الثانية للحصول على رضا الزوج. هذه المنافسة تنعدم و تزول اذا طلّق الرجل زوجته الثانية. طلاق الزوجة الثانية ربما سيجعل الزوجة الأولى تهمل زوجها. لأن الخطر الذي كان يهدد وجودها قد زال.

٣. دوام الحال من المحال.
ماذا كانت أمريكا في حقبة السبعينات و الثمانينات؟ و بالمقارنة ، ماذا كانت دول الخليج العربية في تلك الفترة؟ أمر طبيعي لكل من درس في أمريكا في تلك الحقبة أن يكون مسحوراً بها. لكن العولمة (و خصوصاً الانترنت) غيّرت قوانين اللعبة و رجّحت الكفة تجاه من يملك مالاً أكثر للإستثمار

في وقتنا الحاضر ، مقهى "ستاربكس" في الكويت أنظف و أرقى و أجمل من أي مقهى "ستاربكس" في أمريكا. أحد معارفي يعمل في مجال الترويج السياحي لأمريكا. فسألته مستغرباً "أمريكا محتاجة ترويج سياحي؟" فقال لي "المنافسة في السياحة شديدة هذه الأيام ياخوي. خصوصاً سياحة دول شرق آسيا". هذه حقيقة و ليست رأيي الشخصي. ليس التحدي في الوصول الى القمة. و إنما في البقاء على القمة.

للأمانة ، بالرغم من كل تلك المساويء. تظل الولايات المتحدة أمة عظيمة متميزةو ذلك للأسباب التالية:

أ. الأدب العام.
بغض النظر عن قصة "البقشيش" التي ضايقتني. الأمريكان بشكل عام مؤدبين في التعامل. يقفون في الطابور. يحترمون النظام. يرحبون و يصافحون الغريب وقت التحية و يحتضنون أحبائهم. يعملون بأخلاق مهنية عالية (بروفيشناليزم professionalism). يتعاملون بعبارات مهذبة مثل "آسف" (Sorry)، "المعذرة" (Excuse me)، "من فضلك" (Please) و "سيدي" (Sir) .

ب. إحترام الحرية الشخصية.
الأمريكي يرتدي ما يتمناه. يعتنق الدين الذي يعجبه. يرسم على جسمه الوشم الذي يريده. يعيش نمط حياته بالطريقة التي تريحه. دون الخوف من الضغوط الإجتماعية المتخلفة الموجودة في بعض بلداننا. الحرية الشخصية في أمريكا يحميها الدستور.

ج. السوق المفتوح.
أمريكا سوق كبير و مفتوح بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. المعيار الوحيد للنجاح فيها هو الكفاءة. فالذي لديه سلعة مطلوبة و مرغوبة ، سيبيع منها كميات كبيرة و يصبح مليونيراً في زمن قياسي. الفرص متوفرة للكل. بغض النظر عن الأصل و الجنسية و الدين و غيره. السوق المفتوح له ميزاته و أخطاره أيضاً.

السبت، 31 أكتوبر 2015

خف علينا يا بو سيستم

كلما جلستُ مع أي طبيب متخرج من بلاد الفرنجة و سألته: مالذي  يميّز بلاد الفرنجة عن بلادنا؟ كلهم يجيبون بعد بضعة "آهات": آه. الفرنجة فيها "سيستم". لا يقف الأمر عند مفردة "سيستم" فحسب. وإنما يمتد لتلقينه لطلاب الطب المحليين جيلاً بعد جيل إلى درجة ترديدها كالببغاء... "الإفرنجيين افضل منا لأنهم عندهم سيستم". 

يتذكر خريجو الفرنجة أيام غربتهم بحسرة و يرددون في بالهم "يا زين ايام الدراسة في الفرنجة. عندهم سيستم".

لكن السؤال الذي يطرح نفسه: مالمقصود "بالسيستم"؟ 
"سيستم" كلمة انجليزية (system) و تعني "نظام". لكن في بلادنا الواق واق لدينا أيضاً نظام و قوانين و لوائح. إذا كان المقصود بالسيستم انعدام الفساد ، فالفرنجة أيضاً لا تخلو من الفساد. السيستم الذي يتحدثون عنه و يتشدقون به مفهوم أَكْبَر و أشمَل سأشرحه في هذا المقال.

السيستم في العمل
 الاستشاري الافرنجي أول من يداوم في المستشفى و آخر من يرجع بيته. يقسّم جدوله حسب مهامه. بين العيادة الخارجية و الأجنحة و العمليات و كتابة  التقارير الطبية و تدريس الطلبة ...الخ. هل سبب هذا الالتزام المفرَط حب الوظيفة؟ لا ننكر أن الشغف موجود عند البعض. لكن هناك عوامل أخرى تُلزِم الطبيب بساعات العمل

بمعنى أن المسألة ليست متروكة للضمير و الرضا الوظيفي فقط. سياسة الثواب و العقاب التي تشمل كل موظفي المستشفى لا تستثني منها الأطباء. كل طبيب يلتزم بمهام معيّنة و بساعات عمل مخصّصة يأتي ترتيبها من الإدارات العليا. ساعات العمل سواء في الأجنحة أو الطواريء أو العيادات الخارجية.

في بلاد الفرنجة ، مالذي يحدث إذا رفض الاستشاري المناوب الذهاب إلى المستشفى ليلاً لفحص حالة حرجة؟ ما هي العواقب القانونية إذا توفى مريض بسبب الإهمال المتعمد للطبيب؟ 

بينما في بلاد الواق واق ، الاستشاري الواقواقي يقسم جدوله حسب مزاجه و راحته و تفضيله الشخصي ولا يجرؤ أحد على المساءلة أو حتى النقاشحتى إذا إتكأ على كرسيه طوال اليوم و رمى واجباته على عاتق الأطباء الأقل منه رتبة.

السيستم في التعامل
تخصصات الطب المساعد و بالذات التمريض نادرة و مطلوبة أكثر من الطب في الفرنجة. الممرضين يدعمهم "إتحاد" قوي (Union)  يساندهم و يدافع عن حقوقهم و يحاسب من يظلمهم. لذلك بالنسبة لإدارة المستشفى ، استقالة الممرض أكثر خطورة من استقالة الطبيب. إسألوا أي طبيب عاش في الفرنجة: ما هي العواقب القانونية إذا أساء الطبيب معاملة الممرض؟ 

نفس المبدأ يطبّق على كل العاملين في مستشفيات الفرنجة. التنمّر (bullying) بكل أنواعه ممنوع. ليس من حق أي موظف أن يسيء معاملة موظف آخر بغض النظر عن المسمى الوظيفي. في ممرات المستشفى مثلاً ، إذا رمى الطبيب قاذوراته على الأرض ، ينظر الفراش إلى الطبيب بحزم و يطلب منه بلهجة حادة أن يرمي قاذوراته في صندوق القمامة! الطبيب ليس له إلا أن يعتذر للفرّاش و يمتثل لأوامره

السيستم في الميزان
الطبيب في بلاد الفرنجة لديه عدوّان لدودان يقفان له بالمرصاد: المحامي و المحاسِب

موقع في الانترنت للمحامين المتخصصين في كشف "النصب" في عمليات القسطرة

يافطة إعلانية لمكتب محاماة في الشارع في الولايات المتحدة
"هل الدعامة التي وضعوها لك (في قلبك) لم يكن لها داع؟ إتصل بنا"

المحامي يبحث عن أي خلل أو تقصير في تشخيص و علاج المرضى كي يسحب الطبيب من معطفه ليجرّه إلى أروقة المحاكم. والمحاسِب "الخاص" تستأجره شركات التأمين الصحي ليدقق في سجلات الطبيب المالية و مصروفات المستشفى لمقارنة الصادر و الوارد و رصد أي تلاعبات مالية محتملة. إذا كان الطبيب مثلاً يطلب فحوصات لا داعٍ لها. أو يجري عمليات جراحية غير ضرورية. أو إذا كان يفحص بعض مرضاه مجاناً و يستغل موارد المستشفى. كلاهما -المحامي و المحاسب- ينتظران زلّة واحدة للطبيب لينقضّوا عليه مثل النسور آكلة الجِيَف. لأن رزقهم يعتمد على هذه الزلّات.



النسور آكلات الجيف

لذلك الطبيب يقي نفسه من "الطلايب و عوار الراس" و يلتزم بلوائح و أصول العمل بكل حذافيرها. أو كما يقول المصريون "يمشي على العجين ما يلخبطهوش" و "إمشي عدل يحتار عدوّك فيك".

السيستم في التدريس والتدريب
مستشفيات بلاد الفرنجة ميزانياتها محدودة. لذلك ترحب إدارة كل مستشفى بأي "دعم" لميزانيتها. مثلاً بعض أثرياء البلد يتبرعون لبناء عيادة أو تجديد جناح. أو تتفق بعض المستشفيات مع كليّات الطب لتعليم طلبة الطب فيها مقابل رسوم مالية تدفعها الجامعات. أو بتوقيع إتفاقيات تعاونية مع سفارات "الدول الغنية" لتدريب الأطباء الأجانب مقابل عقود مالية سخيّة جداًلذلك تحرص المستشفيات التعليمية على تقديم أفضل تدريب طبي و على أعلى مستوى للجميع

تدريب ممتاز = سمعة ممتازة = جذب طلاب و أطباء متدربين أكثر = دعم مادي أفضل

 لذلك في بعض الأحيان إذا أخطأ الطبيب المتدرب مثلاً. ترى الإستشاري يحمر وجهه من الغضب و يبقى صامتاً. يكظم غضبه و يمنع نفسه من الصراخ و الشتيمة خوفاً من التبعات القانونية المُحتملة إذا اشتكى الطبيب المتدرب المعني عند مكتب الشئون الأكاديمية

بينما في بلاد الواق واق لا توجد قوانين رادعة توقف الاستشاري قليل الأدب عند حده. قابلت استشاريين واقواقيين تخرجوا من الفرنجة في الستينات و السبعينات و لما أرَ في حياتي أوقح منهم و لا أكثر بذاءة من لسانهم. ماذا تعلمتم من أخلاق الفرنجة بالله عليكم؟ و أي قدوة ستكونون لتلاميذكم؟

هل تعلم أن الاستشاري في بلاد الفرنجة شهادته سارية المفعول لمدة عشر سنوات فقط؟ بمعنى أنه يقدم إختبارات البورد مرة كل عشر سنوات لتجديد شهادته (recertification) لتجديد رخصة ممارسة مهنة الطب

تخيّل نفسك تقول للإستشاري الواقواقي: طال عمرك عليك أن تقدم اختبارات الزمالة مرة كل عشر سنوات. ماذا سيكون رد فعله؟ أبسط ما سيفعله أن يطردك من مكتبه

القصد 
الاستشاريون الذي يمدحون الفرنجة و يفتقدونهم لأن عندهم "سيستم" ، مديحهم كلام "مأكول خيره". هم أنفسهم سيحاربون "السيستم" إذا تم تطبيقه في بلاد الواق واقحدث أكثر من مرة أن حاولت جامعات افرنجية تطوير مستشفيات الواق واق و انتهت بفشل ذريع. لأن الاستشاريون الواقواقيون لا يريدون "سيستم إفرنجي" في مستشفياتهم و لأسباب جليّة. مديحهم لسيستم الفرنجة مثل شركات التبغ التي تدعم حملات مكافحة التدخين. أو نواب مجلس الأمة الذين يطالبون بحل القضايا المستعصية التي حلّها لا يَصُب في مصلحتهم.

السبت، 24 أكتوبر 2015

خف علينا يا ملك

رئيس القسم
خلال سنوات زمالتي في الماضي القريب ، كان في قسم القلب الذي تدربتُ فيه طبيباً آسيوياً بدرجة مسجّل (رجسترار). كان في أواخر الأربعينات من العمر. كان شعره رمادياً مع خصل جانبية بيضاء. نظارته الطبية كانت سميكة. لكن الذي لفت نظرنا جميعاً غروره و تكبّره علينا بالذات نحن أطباء الزمالة المتدربين. كان خلال المحاضرات يجلس في الصف الأول و يضع رجلاً فوق الأخرى و يلتفت الينا بنظرة دونية و نصف ابتسامة ساخرة كلما سألَنا المحاضِر سؤالاً و كانت إجاباتنا خاطئة. لم تقف وقاحته هنا فحسب. و إنما كان يتطاول على آراء الإستشاريين و رئيس القسم في الإجتماعات و يفرض رأيه عليهم بحزم. 

 جلست معه في ساعة صفاء و سألته عن قصّته قبل قدومه الخليج. قال لي أنه كان إستشارياً كبيراً و مديراً لعمليات  القسطرة في مستشفاه الذي كان من أكبر مستشفيات شرق آسيا. لكن بعد سقوط رئيس جمهورية بلاده و اندلاع الحرب الأهلية ، فرضت عليه ظروف المعيشة الصعبة السفر مع أهله طلباً للقمة العيش. للأسف كل خبرته و شهاداته الدراسية كانت "محلية". بمعنى أنه لم يحمل أي مؤهل أوروبي أو أمريكي.  لذلك في الخليج شهاداته كانت بلا وزن و لم تعنِ الكثير للجهات المختصة. بحكم ظروفه الصعبة ، رضي بمسمى "مسجّل" بدلاً من "استشاري".

الأب الروحي
في دولة خليجية أخرى ، تعرفت على طبيب آخر من جنسية آسيوية أيضاً. كان زملاء المهنة من نفس بلده ينادونني "دكتور بدر" بينما ينادونه "سير" (sir). بالرغم من أن كِلانا نحمل نفس المسمى الوظيفي. كان صاحبنا قليل الكلام. لكنه كان ينظر للجميع بنظرة دونية. كان يبدي امتعاضه كلما رآنا نعمل. المشكلة أنه لا يعجبه العجب. فمهما كانت جودة عملنا فلن يحصل على رضاه أحد.  هو استشاري فعلاً. لكنه كان إذا تحدث مع زملائه الاستشاريين الخليجيين ، خاطبهم بنبرة هادئة دونية فحواها بين السطور"أنا أفهم أكثر منكم". 

بينما زملاؤه ذوي الرتب الأقل من رتبة الاستشاري ، فهو يجلس على كرسيه -كأنه يتربع على عرش- طول النهار يتأمّر عليهم فقط. لا يرى المرضى معهم بل يعطيهم أوامره بالهاتف. غروره لا يقف هنا. بل كلما علِمَ بقدوم خبير عالمي من أمريكا لإلقاء محاضرات أو تنظيم ورش عمل في الخليج ، طلب إجازة و سافر بلاده كي لا يحضر محاضراته. 

زملاءه في المهنة من نفس بلده قالوا لي لاحقاً بأنه كان أباهم الروحي في بلاده. كان الجميع ينظر إليه بنظرة إجلال و إحترام لإنجازاته الجبارة في بلده على حد قولهم. إستشارته قاطعة. رأيه نهائي. كلامه محفور في الحجر.

"صطاف" الجامعة
صاحبنا هذه المرة قدم للعمل في الخليج من دولة عربية. كان الأول على دفعته في الجامعة في بلده. الهيئة التدريسية لأي جامعة توظّف فيها الأوائل على الدفعة و صاحبنا كان منهم. صحيح الراتب زهيد ، لكن الهيبة المصاحبة للمنصب الأكاديمي في الجامعة كانت كفيلة بإغرائه للإلتحاق بطاقم كلية الطب. الطاقم أو الكادر باللغة الإنجليزية يسمى "ستاف" (staff) ومنها إشتقت صفة "صطاف".

في أي تسلسل قيادي الرتبة الأعلى تفرض جبروتها على الرتبة الأقل منها. جامعات الدول العربية لا تختلف عن هذا المنوال. الطبيب الذي ينتمي"لصطاف الجامعة" لديه سلطة شبه مطلقة على تلاميذه. لذلك لا يتوانى عن شتمهم ، إذلالهم ، إستعبادهم ، إهانتهم ، أو حتى أن يطلب منهم "خدمات" خارج نطاق العمل. 

عندما ساءت الحالة المادية للدكتور صطاف الجامعة ، قرر السفر للعمل في الخليج. بعدما باشَر عمله ، بدأ تلقائياً بمعاملة زملاءه في الخليج بنفس أسلوب معاملة تلاميذه في الجامعة في بلده!


فيلم الإمبراطور الأخير

 في سنة ١٩٨٧ تم إنتاج فيلم رائع حصد العديد من جوائز الأوسكار. عنوانه "الإمبراطور الأخير" (The Last Emperor). يتناول الفيلم قصة حياة آخر إمبراطور للصين قبل الثورة الشيوعية التي حوّلتها إلى جمهورية الصين الشعبية. كان إمبرطوراً بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. لديه خَدَم لكل مهمة في قصره مترامي الأطراف. لكن بعدالثورة الشيوعية غدا مواطناً عادياً. عاش باقي عمره بستانياً في حديقة صغيرة و مات وحيداً دون أن يدري عنه أحداً.

رسالتي لرئيس القسم و الأب الروحي و صطاف الجامعة 
أتفهم أنكم كنتم ملوكاً و سلاطين في بلدانكم والظروف دفعتكم للعمل في الخليج. لكم التقدير كزملاء في المهنة. أحترم خبراتكم الطويلة في تخصصاتكم. لكنكم أتيتم للعمل طلباً للرزق والعيش الكريم. حالكم في ذلك من حال زميلكم الطبيب الخليجي ابن البلد. لذلك جبروتكم الذي كان في بلدانكم يجب أن يبقى في بلدانكم. أنتم في الخليج بشر كبقية الناس.

دوام الحال من المحال. فإذا تغير حال المرء. عليه أن يكيّف نفسه على حاله الجديد. المسلمين كانوا في الأندلس و وصلوا حدود الصين و اكتسحوا العالم بعلومهم. أين هم الآن؟