الاثنين، 19 مايو 2014

خلك هندي

"غلام". ربما أشهر هندي في التراث الكويتي

ليس سراً أن الجنسية الهندية أصبحت رمز الغباء في دول الخليج العربية.

أنا لن أتكلم عن حضارة الهند العريقة. و لا عن عباقرتها و أثريائها. و لن أتطرق لبرنامج الهند الفضائي لإستكشاف و غزو كوكب المريخ. و لا حقيقة الهند كدولة نووية لها وزنها الدبلوماسي بين الدول العظمى. و لا حتى كونها أكبر دولة ديمقراطية في العالم. كل هذه المواضيع متوفرة في الإنترنت لمن يريد البحث عنها.  

هذا المقال يتناول فقط "غلام". الخادم الهندي الفقير الذي ترك بلده ليعمل "صبي" أو "سائق" في البيت الخليجي. الهند شبه قارة. تعداد سكانها يفوق المليار نسمة. فيها طبقة من الشعب -فلاحين عادةً- تحت خط الفقر. غلام ينتمي لهذه الطبقة. 

غلام الذي يسافر إلى الخليج للمرة الأولى لا يمكن وصفه بالغبي أو المغفل للأسباب التالية...

 ١. الحصول على فرصة للعمل في الخليج صعبة جداً وسط التنافس الشديد هناك. الغبي لا يجد لنفسه مكان وسط هذا التنافسالذي لا يرحم.   

٢. خلال السنة الأولى في الخليج ، يتعلم غلام الفلّاح أساسيات اللغة العربية من الصفر و بدون دورات لغة. بعض الهنود يتحدثون العربية و بفصاحة في نهاية سنتهم الأولى. أنا أعرف أطباء عرب عاشوا سنين طويلة في دول الغرب و لم يتعلموا لغة أهلها! 

٣. بسبب الفرق الكبير في العملة ، الراتب الزهيد الذي يتقاضاه غلام في الخليج يُعَد ثروة في بلاده. لذلك تراه يعمل لسنين طويلة و بصمت. غلام إقتصادي إلى أبعد الحدود. يرتدي فقط ملابس معزّبه المستعملة القديمة. يكلّم أهله هاتفياً عن طريق واي-فاي المنزل (المجاني). بينما يبعث "المقسوم" كل شهر إلى أهله. إما ليصرف على تعليم أولاده ، أو ليسدد أقساط بيته ، أو حتى ليشتري عمارات في بلده! بينما هو في الخليج يتصل على جوال "المعزب" من الهاتف الأرضي كي لا يكلف نفسه من جواله الشخصي.  

٤. الهنود مدمنون للعمل بطبيعتهم (Workaholic). لا أدري إن كان إدمانهم للعمل سببه ضيق معيشتهم أم لصفة وراثية فيهم. لكن غلام لا يمانع العمل ١٨ ساعة يومياً طول السنة و بدون عطلة. هذه الصفة جعلت الهنود البديل الأمثل للمواطنين و المقيمين العرب في شتى الوظائف. إدمانهم للعمل و إكتسابهم السريع للمهارات الجديدة جعلهم يقلبون الموازين و بنجاح. إذ أن المعازيب أصبحوا بحاجة إليهم و ليس العكس.    

٥. راتب غلام ثابت في كثير من الأحيان. لأن أكثرنا لا يفهم آلية الحوافز المالية. لذلك غلام يتظاهر بالغباء (يستعبَط) كي لا يقوم بخدمات إضافية أكثر من تلك المطلوبة منه. لأن راتبه آخر الشهر واحد لا يتغير. 

٦. غلام يبتسم و يتظاهر بالخضوع لمعازيبه بالرغم من إساءتهم المستمرة له. هو في الواقع لا يرى نفسه ذليلاً. و إنما هو يختار المعركة المناسبة و بحَذَر. لأن الحكيم لا يورّط نفسه في معارك خاسرة. التظاهر بالذلّة يحمي لقمة عيشه و يرضي المعازيب عنه. كلها مسألة وقت و يثبت غلام نفسه بإنجازاته (كونه مدمن للعمل) ، و الموازين مصيرها ستنقلب و المعزّب سيذل نفسه لغلام كي لا يستقيل و يرجع الهند. خصوصاً أن تكاليف إستقدام الخدم في تزايد. 

٧. كل الشعوب الكادحة تدرك بأن الدنيا كفاح. بمعنى أن كل إنجاز له ثمن و تضحية. كما يقول المثل الإنجليزي "لا يوجد غداء مجّاني" (There is no such thing as a free lunch). أو كما يقول المصريون "محدّش ياكُلها بالسّاهل". هذا الأمر عرفه أجدادنا جيداً. لكننا نسيناه نحن في عهد الرخاء النفطي. صحيح غلام يخدم و يتعب ، لكنه في المقابل يتعلم مهارات جديدة خلال خدمته (إكتساب لغة ،  قيادة سيارة ، طبخ ، تدبير منزلي...الخ) تجعله سلعة مطلوبة إذا ما قدّم على وظيفة أخرى في بيت آخر.     

بعد كل هذا السرد ، هل لا زلت تعتبر نفسك أذكى من الهندي؟

السبت، 17 مايو 2014

حمارة القايلة

  أسطورة "حمارة القايلة" التراثية من العجائب التي تضحكني و تثير إهتمامي في الوقت نفسه. طبعاً هي تضحكني كوني  من مواليد السبعينات. لكنها كانت "رعب" بالنسبة للأجيال السابقة. "الحمارة" المقصود بها هنا وحش مخيف. ربما غول أو جني حسب القصص المتوارثة شفهياً. هيئته إمرأة لها أقدام حمار. تتمشى وقت الظهيرة و تقتل من يتسكع خارج بيته. فترة الظهيرة في اللهجة الخليجية الدارجة تسمى"قايلة". المجتمعات الأخرى أيضاً لها "وحوش" مماثلة. مثل "البعبع" و "أبو رجل مسلوخة".
 
الغرض الظاهر من "الحمارة" منع الأطفال من اللعب خارج المنزل وقت الظهيرة في الصيف الحار حرصاً على سلامتهم من ضربة الشمس. سواء أولياء الأمور صدقوا هذه الرواية حينئذٍ أم لم يصدقوها ، على الأقل وفّت بالغرض و منعت أطفالهم من الخروج في الحر. في عصرنا الحديث أنتج المخرج الهندي الأمريكي الموهوب إم نايت شيمالان فيلمه الرائع "القرية" (The Village) الذي يتناول قصة مماثلة.

طبيعة عملي تتمحور على فحص الشرايين التاجية للقلب عن طريق استخدام أنابيب بلاستيكية تسمى "قساطر" (Catheters). أُدخِل القسطرة في جسم المريض عن طريق اليد أو الفخذ لأوصلها إلى الشرايين التاجية للقلب. ثم أحقن الشرايين بصبغة ، لتظهر الشرايين أمامي على الشاشة عن طريق الأشعة السينية (أشعة أكس).

القساطر لها أشكال متعددة. كل شكل له غرض محدد. و كل قسطرة سُمّيَت على إسم الذي صممها. القسطرة الإعتيادية التي نستخدمها في الفحص تسمى "جدكينز" (Judkins) . هناك قسطرة من طراز آخر إسمها "أمبلاتز" (Amplatz). 

عندما كنت أعمل في الخليج ، إعتاد بعض الإستشاريين العرب إخافتي من "الأمبلاتز" لخطورتها و حاجتها إلى مهارة خاصة لا يتقنها إلا الأطباء القدامى المتمرسون. حتى أن أحدهم ألقى علينا محاضرة تعريفية عن القساطر. في نهاية محاضرته عرض علينا حكمته الأخيرة "حاول إجادة إستخدام الأمبلاتز" (Try to master the Amplatz). طبعاً قالها بلهجته الأصلية "طراي طو ماصطر زي آمبيلاتز".

عندما جئت للعمل في كندا ، حاولت فحص المريض بقسطرة "جدكينز" التقليدية. لكنني فشلت في الوصول إلى الشريان التاجي الأيسر. بعد ذلك إقترح علي الإستشاري رئيس القسم إستخدام قسطرة "الأمبلاتز". طبعاً تغلغل الخوف في عروقي و بدأت أتصبب عرقاً. لأن جهابذة الطب في الخليج حذروني منها. كانت "الأمبلاتز" بالنسبة مثل "حمارة القايلة" لأسلافي! 



قلت لرئيسي بصراحة بأنني لا أعرف كيف أستخدمها. إبتسم و قال لي بكل هدوء "إستخدمها كما تستخدم أي قسطرة أخرى. بعد انتهائك منها إدفعها و أدِرها ثم أخرِجها. هذه هي الخدعة في الموضوع فقط!". فعلت كما طلب مني. عرفت وقتها أن "الأمبلاتز" قسطرة رهيبة في بعض الحالات. لو كانت فعلاً خطيرة كما قيل لي لما بقيَت متوفرة على أرفف مختبرات القسطرة في كل دول العالم.

الشريان التاجي الأيسر - سهم أبيض.  قسطرة الأمبلاتز - سهم أصفر


القصد. عندما يخوفك أو يحذرك أحد من "عنصر مجهول" لا تعرفه و ينصحك بالإبتعاد عنه. أياً كانت هوية هذا العنصر. سواء كان  إنسان أو حيوان أو جماد أو حتى من نسج الخيال (مثل حمارة القايلة) ، إسأل نفسك:

١. هل الشخص الذي حذرني هو نفسه يجهل طبيعة هذا "العنصر"؟

٢. هل إختلق هذا الشخص الترهيب لإخافتي و بالتالي إبقائي بعيداً عن هذا العنصر؟    
     
٣. و إذا كانت نيته إخافتي لإبقائي بعيداً. فما هي الأجندة الخفية لصاحب هذه النصيحة؟

أسلوب التخويف بـ"حمارة القايلة" لا يزال موجوداً و فعّالاً جداً إلى يومنا هذا و يمارَس تحت عناوين مختلفة. مثلما تزرع الأم الكراهية في قلب أبنائها ضد إخوتهم غير الأشقاء (إخوتهم من أم ثانية). و زرع الكراهية هنا متبادَل بين الطرفين ، لذلك التفاهم بين الإخوة مستحيل.

أو عندما نلقن أبناءنا في البيت و المدرسة و الإعلام بغض دين غير ديننا ، أو طائفة معينة أو عِرق أو لون بشرة. و التلاميذ في هذا السياق نادراً ما يناقشون السلطة. بالنسبة لأغلبيتهم ، البقاء في البيت بعيداً عن "حمارة القايلة" أفضل من الخروج للبحث عنها و إثبات عدم وجودها.

الثلاثاء، 6 مايو 2014

خلك خبير

تعودت في مدونتي على إيصال فكرة معينة عن طريق قصة إفتراضية من نسيج خيالي. لكن هذه المرة سأسرد قصة واقعية عاصرتها قبل بضع سنوات. مع مراعاة عدم ذكر أسماء الأشخاص المعنيون أو المؤسسات أو الدولة التي حدثت فيها هذه القصة لأن أسماؤهم ليس لها أهمية أصلاً.

كلمة "خبير" تذكرني بالفنان القدير ماجد سلطان في مسرحية "على هامان يا فرعون"

  قرّرت إدارة مستشفى ضخم مترامي الأطراف في دولة عربية تعيين "خبير أجنبي" رئيساً لأحد أقسامها. وقع إختيارها على خبير عالمي عريق مشهور متقاعد من دولة غربية. هذا الخبير كان إسمه العالمي رنّان و أبحاثه العلمية تُحصى بالمئات. تعيينه في الوهلة الأولى كان إختياراً صائباً و مكسَباً كبيراً للمستتشفى. ذلك لأن سمعة المستشفى بديهياً سترتقي بوجود هذا الطبيب. و الطبيب نفسه كان فَرِحاً غارقاً في نشوته ، لأنه راتبه الشهري (حسب العقد) كان يعادل سعر ثلاث سيارات لكزس! كان مبلغاً لم يحلم به طوال مشواره المهني في بلده. 

كان شعر الخبير الأبيض له هيبة و وقار و حضور. لغته الأم كانت الإنجليزية بلكنة مُلفتة. خطاباته في الإجتماعات و المحاضرات كانت رنّانة مليئة بوعود لإعادة هيكلة القسم و تطويره. لكن في المقابل ، كان ينظر لزملائه الخبراء المحليين بنظرة دونية مستفزّة ملحوظة ، قلّلت من شعبيته تدريجياً بعد بضعة أيام من مباشرته العمل. 

المقلب الكبير ظهر بعد شهر واحد من تعيينه. كان تعمّده تفادي متابعة المرضى في العيادات الخارجية و الأجنحة ظاهراً. كان مجهوده الرئيسي مُنصَباً على الجانب الإداري من وظيفته فقط. و بعدما وضعته إدارة المستشفى المُحبَطَة على المحَك عنوةً ، ظَهرَ معدنه الأصلي. الحبيب كان لا يعرف كوعه من بوعه في تشخيص و علاج الحالات المرضية. مهاراته الطبية كانت توازي مهارات تلاميذه الأطباء حديثي التخرج!

هل كان هذا الخبير محتالاً نصّاباً؟ هل كان إختياره خاطئاً؟
بعد بحث و تمحيص الإدارة في الفضيحة ، ظهرَت الإجابات المطلوبة للعيان.
    
١. الخبير لم يكن نصاباً. بل كان خبيراً عالمياً حقاً.
و لكنه مارس مهنته في الغرب فقط.
الأمراض تختلف من دولة و أخرى. هو كان "خبيراً" في الأمراض المستشرية في بلده فقط. من المعروف علمياً أن الأمراض تختلف بطبيعتها و نوعيتها و تركيبتها الوراثية عن البلد العربي الذي عمل فيه. على سبيل المثال في مجال الأمراض المعدية ، الملاريا منتشرة جداً في أفريقيا. و في مجال الغدد الصماء ، داء السكري منتشر جداً في الشرق الأوسط (لا سيما في الكويت).  

٢. الخبير وقت التعيين كان متقاعداً.
بمعنى أنه لم يمارس مهنته منذ زمن طويل.
هذا بالإضافة إلى أنه خلال فترة تقاعده لم يواكب التطورات الحديثة في طرق التشخيص و العلاج في تخصصه. 

٣. الخبير كان خبيراً  في تخصصه الدقيق فقط.
في العصور القديمة كنا نسمع أن العبقري فلان كان خبيراً في الطب و الكيمياء و الفلسفة و الرياضيات. أما الآن نحن نعيش في عصر الإختصاصات المتشعبة الدقيقة. بمعنى أن الإنسان يفني كل عمره في دراسة جزء صغير من تخصص واحد ، أو ما يسمّى بالتخصص الدقيق (Subspecialty). 

في الطب يتخرج الطالب من كلية الطب بمعرفة سطحية عن كل المجالات الطبية. ثم يتخصص في الجراحة العامة مثلاً. ثم في التخصص الدقيق ، جراحة زراعة الأعضاء مثلاً.

في المراكز التخصصية الكُبرى ، الإختصاصي لا يمارس أي مهارة خارج إختصاصه الدقيق و لزمن طويل. لذلك نرى جراح القلب ليس ماهراً في جراحة الزائدة الدودية. و جراح المسالك البولية ليس ماهراً في جراحة العظام. و طبيب النساء و الولادة لا يجيد إستخدام السمّاعة. الصدمة تظهر واضحة عادةً إذا واجه الخبير حالة طبية خارج مجال خبرته.        

البسطاء من الناس يظنون بأن "المتعلّم" يفهم كل شيء. و هذا ما يسمّى "الجدل من منطلق الخبرة" (Argument from authority). على سبيل المثال إذا صرّح الفائز بجائزة نوبل في الفيزياء بأن عصير الليمون أفضل علاج لأمراض القلب ، الناس ستصدّقه و هذه مصيبة. لأن هذا الشخص عبقري في الفيزياء فقط. لكنه ليس طبيباً و لا يفهم في أبحاث أمراض القلب و لا يعرف عن عصير الليمون غير طعمه الحامض.

٤. الخبير كان بطلاً من ورق.
للأسف في الوسط الطبي إلى يومنا هذا ، البحث العلمي هو السبيل الأمثل و الوحيد للوصول إلى الشهرة العالمية. لذلك البعض من الأطباء فضّلوا البحث العلمي على خدمة المرضى. نراهم يقضون معظم وقتهم في المختبرات و المكتبة بدلاً من المستشفى و العيادات.  

ماذا كانت النتيجة؟ أبحاث علمية مثمرة و غزيرة ، في المقابل خبرة طبية ضحلة سببها قلة الإحتكاك بالمرضى. الخبير المتقاعد كان لديه المئات من الأوراق العلمية و الأبحاث الأصلية. لأنه قضى شبابه بين المختبر و المكتبة. 

ما هو موقعنا من هذه المعضلة؟ 
لا نستطيع صرف النظر هنا عن عقلية العالم الثالث التي تمجّد الخبراء الأجانب. لا سيما القادمون من الغرب.
أو ما يسمّى بعقدة العيون الزرقاء. باللهجة الخليجية "عنزة الفريج تحب التيس الغريب". لا أحد يدقق في شهاداتهم و طبيعة إختصاصهم و تقييم ما إذا كانت كفاءاتهم توفّي الإحتياجات و تملأ الفراغ  أم لا. 

خف علينا يا براونوالد


كل تخصص في الطب له "مرجع" علمي رئيسي. تسمّى "المراجع" الطبية عادةً بأسماء مؤلفيها. المرجع الرئيسي في تخصص أمراض القلب دولياً هو "براونوالد" (Braunwald) نسبة إلى البروفيسور "يوجين براونوالد".

ميزة المراجع الطبية أنها شاملة و موحّدة على مستوى العالم. بمعنى أن كتاب "براونوالد" معروف لدى أطباء القلب في كل دول العالم المتحضّر. مشكلة المراجع الطبية الكبرى أنها كاملة الدسم. أي أن محتواها العلمي جامد و ثقيل على المخ و عادةً ما يكون صعب الإستيعاب. المادة العلمية فيها صِرفة بحتة ، يصعب على الطالب المبتديء فهمها دون توجيه و إرشاد. لا سيما لدى الأطباء المتدربين في بداية مهنتهم. حل هذه المشكلة متوفر.الأسواق مليئة بكتب أخرى مبسّطة. ناهيك عن الجهود المشكورة لبعض الزملاء المتفوقين في كتابة و توزيع ملخصات تبسط هذه المادة العلمية. 

"أنا زاكرت براونوالد" عبارة بليغة خالدة قالها لي إستشاري لأمراض القلب في بداية رحلتي المهنية. ذِكر إسمه غير مهم. ذلك لأن أمثاله متواجدون و بكثرة في الشرق الأوسط.

لأوضح الفكرة أكثر...
تخيّل طالب مبتديء يتعلّم اللغة الإنجليزية للمرة الأولى في حياته. إكتساب مادة جديدة في أي مجال أمر مُربِك لأنه مجهول المحتوى. و لا أحد فينا يحب المجهول. تخيّل إذا أستاذه قال له منذ اليوم الأول بأنه لن يتقن اللغة إلا إذا حفظ قاموس "المورد" من الغلاف إلى الغلاف! لك أن تتصوّر شمع الإحباط المنصهر يتغلغل في عقل الطالب ليتجمّد و يسد المسام الذهنية القليلة المتبقية لهذا الطالب المسكين. 



عدد المفردات الإنجليزية الدارجة المتداولة يومياً يقارب ٢٠٠٠ كلمة فقط. لذلك إقتراح حفظ قاموس"المورد" كله ما هو إلا حشو لمخ الطالب المبتديء على أحسن الظن ، و استنزاف للحماس الغرض منه التعجيز و الإحباط على أسوأ الظن.  

بالضبط نفس المبدأ ينطبق على كتاب "براونوالد" الذي يقارب "المورد" في سماكته. "براونوالد" ما هو في النهاية إلا مرجع لأمراض القلب. بمعنى أن الأطباء يرجعون إليه إذا تأزّمت الأمور. دراسة تخصص القلب تتطلب توجيه و إرشاد من شخص فاهم و متمرّس في عمله ، يسترعي إنتباه تلاميذه إلى النقاط المهمة الأساسية في مادته العلمية بدلاً من حشوها بالكتاب كله.

نرجع لصاحبنا الجهبذ الذي "زاكر" براونوالد لنسأله ...
كم من براونوالد إستوعبت؟
دراسة المواد العلمية ليست كقراءة الجرائد. المادة العلمية نفسها تقرأها عدة مرات لتفهمها. و تحاول أيضاً إعادة صياغتها بكلماتك لإثبات فهمك لها. عندما تقرأ كتاباً فيه أكثر من من ٢٠٠٠ صفحة ، كم صفحة استوعبتها حق الإستيعاب؟

رقم آخر صفحة من براونوالد


كم من براونوالد علّمت؟
قال لي البعض من زملاء صاحبنا "الفطحل" أنه كان مشهوراً بذاكرته الفوتوغرافية منذ أيام كلية الطب. لذلك إحتمالية حفظه لبراونوالد عن ظهر قلب لم تكن مستبعدة. ضِف على ذلك خبرته العملية الطويلة في أمراض القلب. مما يجعله -نظرياً- كنزاً علمياً ثميناً للبلد. لكن للأسف بالرغم من شهاداته اللماعة و خبرته ، إلا أنه يتجنب تعليم الغير. عدد محاضراته الأكاديمية طول السنة = صفر. يتواجد في لجان الإختبارات من أجل البَدَلات فقط آخر الشهر.

كم من براونوالد طبّقت؟
من روائع الدعاء جملة "أعوذ بالله من علم لا ينفع". فما رأيك بعلم ينفع ، و لكن الذي تعلّمه شخص لا ينفع؟

لم أقابل في حياتي طبيب قلب أكثر كسلاً من هذا الذي حفظ براونوالد. حتى أنه في فترة من الفترات كان لقبه باللغة الإنجليزية "عديم الفائدة" (Useless) لأنه كان أستاذاً في ابتكار الحِيَل للتملّص من العمل و مسئولياته.

صفة "طبيب قلب كسول" للسامع (أو القاريء) تبدو صفة متناقضة بطبيعتها. كأنني أقول "الأعزب المتزوج" أو "اليهودي النازي". أمراض القلب مسألة حرجة و حيوية ، الوقت فيها مهم و تتطلب التدخل السريع. لذلك يُشتَرَط في طبيب القلب أن يكون نشيطاً شغوفاً مستعداً للعمل وقت الأزمات إذا حقّت حقائقها. 

القصد...
إذا  أردتَ أن تصبح طبيباً للقلب ، لن تحتاج أن تحفظ كتاباً يزن ٥ كيلوغرام. كل ما تحتاجه هو ...
- توجيه و إرشاد من أستاذ علّامة فاهم.
- كتاب موجَز لأمراض القلب (المكتبات ممتلئة بهذه الكتب).
ممارسة فعلية للمهنة نفسها و التدرّب على أيدي أهل المهنة. 

الذي يقرأ و يحفظ الكتب الدّسمة دون تطبيق أو ممارسة ، شأنه شأن الذي يقرأ عن حضارات العالم دون أن يسافر في حياته أبداً.  

الأحد، 4 مايو 2014

خف علينا يا بو الفهامة

 بوفلان الكويتي طلق زوجته الكويتية و تزوّج الأجنبية و تعلّق بها بجنون؟ أكيد مسحور.     

لماذا رسبتُ في الإختبار؟ أكيد بسبب عين حارة.

لماذا زميلي ينجح في كل إختباراته كل سنة بدون دراسة؟ أكيد لأنه يستعين بالحجر الكريم في خاتمه. 

لماذا كل مشاريعي التجارية تخسر؟ أكيد "قرادة". أنا مقرود منذ ولادتي.

كلما ذهبتُ إلى المطار ، طارت عني الطائرة. أكيد هذا حظي العاثر.

حاولت تخسيس وزني بكل الطرق و فشلت. أكيد الله مو كاتب لي أخس.   

ذهبتُ إلى "الشيخ الروحاني". و بعد ثوانٍ من التأمّل و التمتمة ، ذَكَرَ لي إسم جارتنا "فلانة".
أكيد هي وراء خراب بيتي. كانت مخططة للإستيلاء على زوجي منذ البداية. 


في مجتمعنا نسمع الكثير من هذه "الإفادات" و محاولة التفسير الجازم لها و الذي يبدأ عادةً بكلمة "أكيد". أطمّنك و أقول لك لا تحزن. محاولة تفسير الظواهر غير المفهومة بتصديق الخوارق الغامضة صفة عامة موجودة عند كل الناس و في كل الحضارات. 

يصعب على الكثير الإعتراف بالجهل. لذلك يعوضون جهلهم لاشعورياً بتفسيرات خارقة لتشفي تساؤلاتهم التي تغلي عقولهم. الاعتراف بالجهل أمر مزعج و مؤلم أيضاً. أو على الأقل غير مريح. لذلك يجد الجاهل نفسه أمام إختيارين:

١. الإختيار الصعب: البحث عن الحقيقة و تقبّل نتائجها مهما كانت جافة أو مرّة.  

٢.الإختيار السهل: قبول إجابات مزيفة و غامضة. إما مبتكرة أو موروثة عن أسلافنا. 

يُطلَق على الإختيار السهل أعلاه مسمى "القضية النابعة من الجهل" (Argument from ignorance). و الأغلبية تنتهجه لأنه الطريق الأسهل. تفسير الظواهر من حولنا بهذه الطريقة ما هو إلا محاولة يائسة من العقل لربط تسلسل الأحداث لفهمها دون البحث العلمي الفعّال فيها. أسلوب البحث العلمي متعب و مضني. تم تصميمه و تطويره و تنقيحه على مر العقود ليتفادى هذه الطريقة الخاطئة في الفهم. بمعنى آخر. معرفة الأسباب الحقيقية لأي ظاهرة غامضة يزيل هذا الغموض. 

الكويتي يفضّل الزواج من الأجنبية؟
من يعرف لعبة "العرض و الطلب" يفهم منها الكثير. بعض الكويتيين لا يزالون يعيشون دور الرجل الشرقي "سي السيّد" الذي يعتبر المرأة على أنها "خادمة + آلة تفريخ". في ظروف الرفاه المادي الذي نعيشه حالياً و حصول المرأة الكويتية على حقوقها و حريتها ، نرى المرأة الكويتية لم تعد مكسورة الجناح و الخاطر كما كانت في الماضي.

لذلك وجد الكويتيون البديل في الدول الفقيرة. حيث المرأة هناك مستعدة لعمل المستحيل في سبيل الهروب من فقرها. حتى لو كان معناه الزواج من كويتي و العيش تحت خدمته. هذه الظاهرة لا تقتصر على الكويتيين أو الخليجيين. لأنها منتشرة أيضاً عند الأمريكان الذين يتزوجون الآسيويات. بالذات من فيتنام و الصين و الفلبين. 

لماذا أنت ترسب في الإختبارات؟
ربما هناك خطأ في استراتيجية دراستك للمنهج. 
ربما تحفظ دروسك دون فهم.
ربما لا تراجع إختبارات السنوات السابقة.
ربما هناك عداوة شخصية بينك و بين أستاذك تجعله يرسّبك (ظاهرة معروفة في الجامعات العربية).
و ١٠٠٠ إحتمال و إحتمال غير العيون الحارة!     

زميلك ينجح كل سنة بدون دراسة؟
ربما زميلك يدرس و يجتهد لكنه يعمل بصمت (لأنه يخاف من العيون الحارة). 
ربما زميلك موهوب بذاكرة فوتوغرافية. بمعنى أنه يسمع الدرس في المحاضرة و يحفظه كله من أول مرة. 
ربما زميلك تصله أسئلة الإختبار المسرّبة من "مصادره الخاصة".
ربما زميلك صديق الأستاذ. لذلك ينجح بدون دراسة (من المسلّمات في جامعات العالم الثالث). 
و ألف إحتمال و إحتمال معقول غير الخرز و الأحجار الكريمة!

مشاريعك التجارية تخسر؟
هل طلبتَ إستشارة خبير قبل البدء في مشروعك؟
هل تفانيت في مشروعك؟ أم تركته و خليت الأمور تسير على البركة؟
هل تعلم بأن الأغلبية الساحقة للمشاريع الصغيرة مصيرها الفشل؟ 
فشل مشروعك ليس الإستثناء. و لا علاقة لمشروعك بحظك.

تطير عنك الطائرة كلما ذهبتَ إلى المطار؟
سامحني إذا صحيتك من أوهامك. و لكن جدول إقلاع و وصول الطائرات ثابت ، ليس له علاقة بحظك. 
وجودك في المطار قبل الإقلاع بساعتين يضمن لك إقلاع الطائرة و أنت فيها. 

كل طرق التخسيس فشلت معك فعلاً؟
إذا كنتَ تعاني من السمنة المفرطة ، هل قابلت طبيباً مختصاً؟
ربما سمنتك سببها مرض أو إختلال هرموني من الممكن علاجه. و إذا عولِجَ المرض زالت السمنة. 

البعض يعتبر التخسيس على أنه مرحلة مؤقتة يتم فيها تناول طعام معيّن و الإلتزام بتمرين معيّن. و بعد فقد الوزن المطلوب يرجع الشخص لنمط حياته المعتاد.

التخسيس الفعّال يجب أن يكون جزءاً من حياتك. أنت لا تستغنِ عن أنشطتك اليومية مثل الإستحمام و الوجبات الثلاثة و جلسات الدواوين. يجب أن يكون التمرين كذلك جزءاً من روتينك اليومي. لا ترمِ بفشلك على الأقدار. لأن الله تعالى لا يغير ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم. 

الشيخ "الروحاني" مكشوف عنه الحجاب؟
خداع الناس فن لا يتقنه أي أحد. هذا الفن له أصوله و أسراره التي وثقها البعض في كتب متوفرة في الأسواق لمن يريد.
تشرح هذه الكتب (و بالتفصيل) كيفية إقناع البسطاء المغفلين بكشف المستور و و رؤية المستقبل و الغيبيات التي لا يعلمها إلا رب الأرباب. و مثلما يقول المثل الإنجليزي "هناك مغفل يولَد كل دقيقة" (There is a sucker born every minute). بمعنى أن المغفلين مصدر غني لا ينضب. الحكاية هنا أيضاً في النهاية عرض و طلب. و طالما أن المغفل موجود (طلب) ، سيظل النصاب أيضاً موجود (عرض).

الأحد، 6 أبريل 2014

إبقى قابلني إزا نجحت

  في البحث العلمي ، دراسة أي ظاهرة معينة تتطلب عدة شروط. منها شرط "المرجعية". فإذا قلنا مثلاً بأن فلان طويل أو قصير ، طول "فلان" مقارنة بطول من؟ هل وحدة القياس هي المتر؟ أو القدم؟ أو الياردة؟ لذلك إذا قمنا فرضاً بتجربة علاج ما، يجب أن تكون هناك مجموعة "مرجعية" من الأفراد بدون علاج لغرض المقارنة. أو ما تسمى بالإنجليزية مجموعة "الكونترول" (control group).

 نسمع من عامة الناس تعليقات شفهية (word of mouth) عن المطعم الفلاني بأنه سيء. أو عن الخطوط الجوية الفلانية بأنها أفضل من نظيراتها. عامة الناس أيضاً تقول بأن التعليم "برة" أفضل من التعليم المحلي. حاولت التعمق في تفاصيل الفروقات بين التدريس "عندنا" مقارنة بالتدريس "عندهم". و لم أجد أمامي مثالاً حياً أفضل من مدرسة أبنائي.  ذلك  لأنني أدرجتهم  في مدرسة ثنائية اللغة (عربي-انجليزي).

خلال كل إجتماع دوري لأولياء الأمور ، أقابل المدرسين الأجانب من العالم الناطق باللغة الإنجليزية (بريطانيا ، أمريكا ، أستراليا ، جنوب أفريقيا..الخ). و بعد ذلك بدقائق أنتقل لأقابل نظرائهم مدرسين المواد العربية ، إخواننا العرب. خلال الإنتقال أرى نفسي و كأنني أعبر حاجز من "البلازما" ينقلني من عالم إلى عالم آخر. أو من بُعد إلى بُعدٍ آخر. كما نرى في أفلام الخيال العلمي!  

المدرسين العرب رأيت فيهم هذه الصفات المشتركة

١. الإفتخار بالأقدمية في مهنة التدريس. 
قال عادل إمام في مسرحية مدرسة المشاغبين عبارته الفكاهية الشهيرة "بعد ١٤ سنة خدمة ثانوي بتقول لي أوقف!". انفجر الجمهور ضاحكاً لأن عادل إمام صوّر لنا في إطار كوميدي العقلية العربية التي تعتز بالأقدمية بدلاً من كفاءة الأداء و جودة  الإنتاج
مقطع من مسرحية مدرسة المشاغبين


٢. إفتقاد "أيام زمان الجميلة".
خصوصاً فترة ما قبل منع ضرب الطلبة و إيذاؤهم جسدياً. في نظرهم الطالب إنسان محتاج لهم. و المحتاج عليه أن يذل نفسه في سبيل قضاء حاجته. تمسكهم بهذا المعتقد نابع من حكمة "من علمني حرفاً صرت له عبداً". 

٣. التدريس ليس رسالة. و إنما وظيفة و باب رزق فقط.
و عليك استنتاج ما يترتب على ذلك من غياب الإبداع في الأداء المهني للمعلّم. و عدم صياغة المادة العلمية بشكل ممتع للطلبة. 

٤. إستخدام طريقة واحدة ثابتة جامدة في التدريس و التركيز على الحفظ أكثر من الفهم.
مثل محل الملابس الذي يبيع كل بضاعته بمقاس واحد و لون واحد. نموذجهم التدريسي واحد. شاء من شاء. و أبى من أبى. بمعنى آخر: فَهِمَ من فهمْ. و حَفِظَ من حفظْ.  و مخرجاتهم التعليمية يندى لها جبين الإنسان. ذلك لأننا إذا سألنا أحدهم عن تفسير ظاهرة محفوظة صم، كانت الإجابة التلقائية "ما هيّة كِدَة". الذي لا يفهم على طريقتهم يلقبونه "بالغبي".

٥. عندما يتحدثون ، يقعون في فخ المغالطات الفكرية الكلاسيكية.
الأمر المضحك و المثير للشفقة في الوقت نفسه لأننا نعيش في القرن الواحد والعشرين. 

٦. يحكمون على ذكاء التلميذ إعتماداً على عوامل أخرى غير قدراته.
 إحدى المدرّسات العربيات قالت لي بأن الأداء الأكاديمي في الرياضيات لإبني لم يكن بالمستوى المطلوب. شرحتُ لها بأنني تعثرت بنفس هذه العقبات عندما كنت في مرحلته لكنني تغلبتُ عليها و لله الحمد اليوم أنا طبيب. عندما سَمِعَت المدرّسة مني كلمة "طبيب" ، تغيرَت لهجتها و لغة جسدها بشكل واضح. قالت لي عن مستقبل إبني "الواعد" لأن ابن الوز عوام و كل "حَب يطلع على بذره". بعد ذلك بدقائق غيّرت الموضوع و طلبت مني "إستشارة طبية" بخصوص أخاها المصاب بمرض في القلب! (كلش مو وقته يا بنت الناس).

بينما المدرسين الناطقين باللغة الإنجليزية رأيت فيهم هذه الصفات المشتركة

١. الكفاءة في التدريس أهم من الأقدمية. 
بعض المدرسين الأجانب من مواليد التسعينات. الأمر الذي أثار استغرابي.

٢. هناك طرق لعقاب الطالب المشاغب أفضل و أنجع من الإيذاء الجسدي.
عل سبيل المثال إبقاء الطالب في الفصل وقت الفسحة (detention) أو العقاب الصامت (silent treatment).

٣. فلسفتهم في العمل: إذا لم تستمتع في التدريس ، ربما مهنة التدريس ليست مناسبة لك. 

٤. البحث عن طرق بديلة لتدريس المعلومة في حال فشل الطريقة الاعتيادية.
بصراحة الوسائل التعليمية باللغة الانجليزية "تشرح النفس".

٥. يفكرون من منطلق واقعي مبني على التجربة العلمية.

٦. معاملة الطلبة على أنهم متفاوتون في قدراتهم و ميولهم. لكن حقوقهم متساوية.
مثلاً هناك طلبة قدراتهم التحليلية في الرياضيات ممتازة. بينما غيرهم لديهم القدرة على إكتساب المهارات اللغوية بسهولة.


ربما الإخوة العرب ستأخذهم العزة بالإثم بعد قراءتهم رأيي في هذا المقال.
عواطفهم الجياشة ستجرفهم (كما هو متوقع) ليردّوا علي برسالة فحواها ...
"أنتم الحفاة العراة ناكرون الجميل. كنتم تحت الصفر و نحن الذين علمناكم و على أكتافنا رفعناكم".

أقول لإخواننا العرب: كلامكم صحيح ١٠٠٪. في الخمسينات و الستينات من القرن الماضي كنتم تأكلون بالشوكة و السكينة على طاولة الطعام بينما كنّا نأكل بيدنا متربعين على الأرض. كنتم تركبون السيارات في الشوارع المعبدة عندما كنا نركب الحمير و الإبل. كانت جامعاتكم في قمة إزدهارها عندما كان القليل من أجدادنا من يجيد القراءة و الكتابة. و كنتم الأفضل في الطب الحديث عندما كنّا على حافة الإنقراض من وباء الطاعون و الجدري. 

السؤال هنا: من هو "الكونترول"؟ إذا قارنا التعليم النظامي العربي القديم بتعليم الكتاتيب في الخليج ، بالطبع التعليم العربي أفضل.
و لكن إذا قارنا التعليم العربي القديم بالتعليم الغربي الحديث؟ لا يوجد هناك مجال للمقارنة! كأنك تقارن سرعة الحصان و سرعة السيارة. ثم تقارن سرعة السيارة بسرعة مكوك الفضاء. أو تقارن وزن الريشة بوزن وحيد القرن. زماننا هذا غير أيام زمان. التغنّي بالمجد القديم لن يجدي نفعاً في ظل التحديات الحديثة.    

الناس تستجيب للحوافز
الحق يقال هنا بأن الشغف في المهنة لا يكفي. خصوصاً إذا كان الحافز المادي ضئيل. مهما كان المعلّم متحمساً مندفعاً ، هناك أقساط لقروض طائلة و إيجار و فواتير أخرى تنتظر من يسددها كل شهر. راتب المدرس العربي لا يقارَن براتب نظيره الغربي. المدرس الغربي لن يعيش في الكويت براتب المدرس العربي مهما كانت ظروفه صعبة. الاستثناء هنا القوى العاملة من أوروبا الشرقية (الشيوعية سابقاً) لظروفها صعبة و المختلفة عن نظرائهم من أوروبا الغربية في هذا السياق

مبدأ "الخطأ الأساسي في توجيه الأسباب" (The fundamental attribution error) 
يتطرق هذا المبدأ إلى سوء فهمنا لسلوك البشر و تغاضينا عن الظروف المحيطة التي قد تؤثر على سلوكهم. سهل جداً علينا أن نفسر تصرفات الإنسان حسب نيته الشخصية. بينما نغض البصر عن الظروف الخارجية التي دفعته لهذه التصرفات. 

المعلم العربي غالباً لم تسنح له فرصة التعليم الجامعي في الغرب. بعضهم من عاش طول عمره  في الكويت. منهم من وُلِدَ و ترعرعَ فيها. بالرغم من ذلك يبقى "وافداً" في نظر الجميع. لا يستطيع الرجوع إلى بلد آبائه لأسباب سياسية و إقتصادية و إجتماعية. و مستعد للعمل براتب ضئيل لعدم توفر اختيارات أخرى. 

المعلم الأجنبي في الجانب الآخر لم يأتِ للعمل في الكويت  إلا بعقد دسم و مغري يستحق العناء والغربة. يعمل هذا الأجنبي في الكويت لفترة وجيزة مخطّطة. يجمع له فيها "قرشين" ليرجع إلى بلده المستقر سياسياً بعد انتهاء عقده. لذلك هل تتوقع من أداء المعلم العربي (مع ظروفه الصعبة) أن يضاهي أداء زميله الأجنبي؟

مقارنتي هنا المدرسين العرب بنظرائهم الأجانب كان كالفرق بين الأبيض و الأسود. و هذا ليس صحيحاً. فالواقع يفرض علينا أطيافاً رمادية. ففي الولايات المتحدة تتصاعد أزمة انخفاض جودة التدريس. لأن المدرسين مرتّباتهم دون المستوى. و شغفهم للتدريس في إنحدار. في المقابل ، هناك الكثير من الأساتذة العرب الفذين الذين بدونهم المؤسسة التعليمية تقع على وجهها و تتهشم. 

ما رأيته في مدرسة أبنائي منحني ومضة من ماضي دراستي منذ الروضة لغاية الثانوية العامة. في أحيان كثيرة لم أفهم المادة العلمية بالطرق التعليمية التقليدية. بعدما تخرجت من ايرلندا و التحقت بالبورد الكويتي للباطنية ، واجهت نفس العقليات العربية مرة أخرى بعد السبات الإيرلندي العميق ذو السنوات السبع. عندما كنت تلميذاً لأساتذتي العرب في الكويت على مر السنين الماضية كانت شعاراتهم لي في حال عدم فهمي لدروسهم .. "إبئى قابلني إزا فلحت. يا نكرة. يا حسالة المجتمع".   

بينما الطبيب الفرنسي الكندي "جان-فيليب" أحد أساتذتي في مونتريال قال لي "كلها مسألة وقت و سترجع بلدك لتصبح رئيس نفسك و تعالج مرضاك هناك. لذلك سأترك لك القرار الإكلينيكي لعلاج المرضى هنا. تستطيع من الآن فصاعداً الإعتماد على نفسك في التشخيص و العلاج بعدما علمتك الأساسيات العلمية المطلوبة للمهنة". 

مجزرة نادي المقال

  في الوسط الطبي هناك نشاط علمي أسبوعي مُتعارَف عليه يُدعى "نادي المقال" (journal club). خلال هذا النشاط ، يختار الطبيب المعني مقالة طبية عن بحث علمي معيّن أو دراسة حديثة في تخصصه ليناقشها مع زملائه و أساتذته.  الغرض من نشاط كهذا تحديث المعلومات الطبية للزملاء و بحث إمكانية تطبيق نتائج الدراسات العلمية الحديثة في علاج المرضى. 

  عندما أتى دوري لتحضير موضوع لنادي المقال ، إخترت مقالة طبية عن دراسة نادرة لموضوع حسّاس قد يغير ممارستنا للطب. إستُخدِمَت في هذه الدراسة أرقام صعبة و حسابات إحصائية معقّدة لا يفهمها غير خبراء الإحصاء. كوني أصلاً ضعيف في مادة الرياضيات ، إرتكبت غلطة كبيرة لا تغتفر. ذلك لأنني نقلت هذه الإحصائيات إلى عرض "الپاور بوينت" كما هي ، دون دراسة أو تحليل. أضِف إلى ذلك عدم استعدادي لذلك اليوم بسبب تقصيري للتحضير الكافي مسبقاً.

فمالذي حدث خلال ملتقى نادي المقال؟ بالنسبة لي: كانت مذبحة. كانت مجزرة. 

الإستشاريون أمطروني بوابل من الأسئلة و الإنتقادات اللاذعة...
- من أين أتيتَ بهذه الأرقام؟

- هل فهمتَ ما تحدثتَ عنه؟ أم أنك فقط إجتررتَ المعلومات و تقيأتها على ورق المحاضرة فحسب؟

- الدراسة منشورة فعلاً في صحيفة طبية مرموقة. لكن الإحصائيات غامضة و مبهمة و انت بدورك لم تدرسها بتمحيص. لماذا قدمتَ لنا موضوعاً لا تفهمه؟ يا أخي إذا كانت لديك صعوبات ، كان من الممكن أن تتصل بأحدنا قبل المحاضرة لنساعدك في إستيعاب بعض المفاهيم.

إنتهى الملتقى. وصَلَت دمائي إلى ركبتَي. و لكن  بعد أن تعافيت نفسياً ، اقترب مني أحد الاستشاريين القدامى و قال لي بأن المسألة ليست شخصية (it is not personal) و أي شخص غيري كان سيواجه هذه الأسئلة المحرجة مهما كان مركزه أو مسماه الوظيفي. فقط كان علي الإستعداد جيداً قبل المحاضرة. عندها أدركت الحقيقة المؤلمة.  في دول الخليج هناك أندية مماثلة للمقالات الطبية أيضاً. لكن الفرق بينها و بين الغرب هو الآتي:

١ - إذا كان البحث العلمي منشور في صحيفة علمية مرموقة ، الأطباء العرب يعتبرون الصحيفة "تعاليم سماوية" منزلة معصومة عن الخطأ. منقوشة على الحجر. غير قابلة للنقاش أو المساءلة. و إذا اكتشف أحد عيباً في الدراسة المنشورة و تجرأ و استفسر ، كان رد الجميع عليه "تنتقد هذه الدراسة بصفتك إيه؟".

٢ - عادةً الاستشاري العربي بطبعه لا ينزل من برجه العاجي و يحضر نادي المقال. الحضور يتكون أساساً من الزملاء الصغار الذين يفتقرون للمعرفة و الخبرة الكافية في النقد و التحليل العلمي. حضور الزملاء الصغار يكون إلزامياً فقط عليهم (توقيع كشف الغياب إلزامي). بينما في الغرب الحضور إلزامي للجميع و يشمل الإستشاريين أيضاً. الأمر الذي لم آلاحظه أبداً في الدول العربية. الاستشاري عندنا شبه إله (والعياذ بالله) فهو فوق كل قانون و كل إعتبار. 

٣ - إذا حدث و حضر الإستشاري العربي في نادي المقال ، فإنه "يغفو" في بداية المحاضرة و يستيقظ قبل نهايتها بدقائق.

نادي المقال و ما يحدث فيه لا يعكس عقلية الوسط الطبي فحسب. و إنما يعكس الحضارات و العقليات فيها بشكل عام. في مجتمعاتنا نعامل الشخص حسب مكانته. فإذا كان هذا الشخص ذو مكانة مرموقة ، معناها كلمته مسموعة و محتَرَمة مهما كانت تصريحاته غبية أو تافهة أو سطحية أو فقيرة للدليل العلمي الملموس. 

لذلك المسئول في الغرب (سواء في العلم أو السياسة) يراجع تصريحاته قبل إلقائها خشية الإحراج العام. الإحراج يشمل النقد الصحفي اللاذع على الهواء مباشرة ، أو تحاليل الخبراء بعد التصريح بفترة. بينما عندنا المسئول "يرمي قنابله و يمشي" أو كما يقال باللهجة الكويتية "يخنبق و يمشي". ربما أشهر قاذف قنابل من هذا النوع في تاريخنا المعاصر كان الرئيس الليبي الكوميدي الراحل معمر القذافي. و "اللي في أمه خير" كان يقول له "طال عمرك إنت فشلتنا جدام الناس".