كل تخصص في الطب له "مرجع" علمي رئيسي. تسمّى "المراجع" الطبية عادةً بأسماء مؤلفيها. المرجع الرئيسي في تخصص أمراض القلب دولياً هو "براونوالد" (Braunwald) نسبة إلى البروفيسور "يوجين براونوالد".
ميزة المراجع الطبية أنها شاملة و موحّدة على مستوى العالم. بمعنى أن كتاب "براونوالد" معروف لدى أطباء القلب في كل دول العالم المتحضّر. مشكلة المراجع الطبية الكبرى أنها كاملة الدسم. أي أن محتواها العلمي جامد و ثقيل على المخ و عادةً ما يكون صعب الإستيعاب. المادة العلمية فيها صِرفة بحتة ، يصعب على الطالب المبتديء فهمها دون توجيه و إرشاد. لا سيما لدى الأطباء المتدربين في بداية مهنتهم. حل هذه المشكلة متوفر.الأسواق مليئة بكتب أخرى مبسّطة. ناهيك عن الجهود المشكورة لبعض الزملاء المتفوقين في كتابة و توزيع ملخصات تبسط هذه المادة العلمية.
"أنا زاكرت براونوالد" عبارة بليغة خالدة قالها لي إستشاري لأمراض القلب في بداية رحلتي المهنية. ذِكر إسمه غير مهم. ذلك لأن أمثاله متواجدون و بكثرة في الشرق الأوسط.
لأوضح الفكرة أكثر...
تخيّل طالب مبتديء يتعلّم اللغة الإنجليزية للمرة الأولى في حياته. إكتساب مادة جديدة في أي مجال أمر مُربِك لأنه مجهول المحتوى. و لا أحد فينا يحب المجهول. تخيّل إذا أستاذه قال له منذ اليوم الأول بأنه لن يتقن اللغة إلا إذا حفظ قاموس "المورد" من الغلاف إلى الغلاف! لك أن تتصوّر شمع الإحباط المنصهر يتغلغل في عقل الطالب ليتجمّد و يسد المسام الذهنية القليلة المتبقية لهذا الطالب المسكين.
عدد المفردات الإنجليزية الدارجة المتداولة يومياً يقارب ٢٠٠٠ كلمة فقط. لذلك إقتراح حفظ قاموس"المورد" كله ما هو إلا حشو لمخ الطالب المبتديء على أحسن الظن ، و استنزاف للحماس الغرض منه التعجيز و الإحباط على أسوأ الظن.
بالضبط نفس المبدأ ينطبق على كتاب "براونوالد" الذي يقارب "المورد" في سماكته. "براونوالد" ما هو في النهاية إلا مرجع لأمراض القلب. بمعنى أن الأطباء يرجعون إليه إذا تأزّمت الأمور. دراسة تخصص القلب تتطلب توجيه و إرشاد من شخص فاهم و متمرّس في عمله ، يسترعي إنتباه تلاميذه إلى النقاط المهمة الأساسية في مادته العلمية بدلاً من حشوها بالكتاب كله.
نرجع لصاحبنا الجهبذ الذي "زاكر" براونوالد لنسأله ...
كم من براونوالد إستوعبت؟
دراسة المواد العلمية ليست كقراءة الجرائد. المادة العلمية نفسها تقرأها عدة مرات لتفهمها. و تحاول أيضاً إعادة صياغتها بكلماتك لإثبات فهمك لها. عندما تقرأ كتاباً فيه أكثر من من ٢٠٠٠ صفحة ، كم صفحة استوعبتها حق الإستيعاب؟
![]() |
| رقم آخر صفحة من براونوالد |
كم من براونوالد علّمت؟
قال لي البعض من زملاء صاحبنا "الفطحل" أنه كان مشهوراً بذاكرته الفوتوغرافية منذ أيام كلية الطب. لذلك إحتمالية حفظه لبراونوالد عن ظهر قلب لم تكن مستبعدة. ضِف على ذلك خبرته العملية الطويلة في أمراض القلب. مما يجعله -نظرياً- كنزاً علمياً ثميناً للبلد. لكن للأسف بالرغم من شهاداته اللماعة و خبرته ، إلا أنه يتجنب تعليم الغير. عدد محاضراته الأكاديمية طول السنة = صفر. يتواجد في لجان الإختبارات من أجل البَدَلات فقط آخر الشهر.
كم من براونوالد طبّقت؟
من روائع الدعاء جملة "أعوذ بالله من علم لا ينفع". فما رأيك بعلم ينفع ، و لكن الذي تعلّمه شخص لا ينفع؟
لم أقابل في حياتي طبيب قلب أكثر كسلاً من هذا الذي حفظ براونوالد. حتى أنه في فترة من الفترات كان لقبه باللغة الإنجليزية "عديم الفائدة" (Useless) لأنه كان أستاذاً في ابتكار الحِيَل للتملّص من العمل و مسئولياته.
صفة "طبيب قلب كسول" للسامع (أو القاريء) تبدو صفة متناقضة بطبيعتها. كأنني أقول "الأعزب المتزوج" أو "اليهودي النازي". أمراض القلب مسألة حرجة و حيوية ، الوقت فيها مهم و تتطلب التدخل السريع. لذلك يُشتَرَط في طبيب القلب أن يكون نشيطاً شغوفاً مستعداً للعمل وقت الأزمات إذا حقّت حقائقها.
القصد...
إذا أردتَ أن تصبح طبيباً للقلب ، لن تحتاج أن تحفظ كتاباً يزن ٥ كيلوغرام. كل ما تحتاجه هو ...
- توجيه و إرشاد من أستاذ علّامة فاهم.
- كتاب موجَز لأمراض القلب (المكتبات ممتلئة بهذه الكتب).
ممارسة فعلية للمهنة نفسها و التدرّب على أيدي أهل المهنة.
الذي يقرأ و يحفظ الكتب الدّسمة دون تطبيق أو ممارسة ، شأنه شأن الذي يقرأ عن حضارات العالم دون أن يسافر في حياته أبداً.



ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق