السبت، 11 يناير 2014

تدرب "عندهم" أحسن لك

  سؤال كهذا يتكرر على لسان كل من يرغب في دراسة أي مرحلة من مراحل الطب:
منذ البكالوريوس ، مروراً بالبورد العام إلى الزمالة التخصصية ، إنتهاءاً بزمالة التخصص الدقيق.

المتعصبون للغرب (و ما أكثرهم) يجاوبون تلقائياً بأن الدراسة في الغرب أفضل طبعاً. بينما الأساتذة المحليّون يدافعون عن كليّات الطب المحلية و يرفعون من شأن مستشفيات البلد و التعليم الطبي فيها. أساتذة محليون آخرون يشجعون تلاميذهم (تحت الطاولة) على إنتهاز فرص الإبتعاث إذا توفرت لهم لدراسة الطب في الخارج. كل واحد منهم لديه أسبابه. 

إتضح لي بأن المشكلة ليست في الإجابات المتنوعة.
المشكلة ربما تكمن في السؤال نفسه.
بمعنى أننا ربما كنا نسأل السؤال الخطأ. 

الأساتذة المحلّيون الذين يدافعون عن جودة التدريب الطبي المحلي ("المحلي": في الدول الخليجية و الدول العربية) يدّعون بأن مستوى تلاميذهم الأكاديمي يفوق مستوى نظرائهم المتدربين في الغرب. و لديهم نتائج الإختبارات التي تثبت صحة إدعاءاتهم. 

في المقابل ، الذين يمدحون التدريب في الغرب لا يبذلون مجهوداً كبيراً في الدفاع عن جودة التدريب هناك. لأن سمعة الجامعات وحدها مثل "ستانفورد" أو "أوكسفورد" أو "هارڤارد" كفيلة بإسكات أي متسائل. لكن كما قلت مسبقاً ، نحن كنا نسأل السؤال الخطأ.

  الفرق الأساسي بين التعليم المحلي و الأجنبي هو إختلاف الأولويات. فالأساتذة في الغرب هدفهم "صناعة" طبيب قادر على التفكير المنطقي المرتّب المتسلسل و إتخاذ القرار في التشخيص و العلاج في نفس اللحظة و من قلب الحدث. بعد ذلك إجادة المهارات اليدوية   لمساعدة المريض (كلٌ حسب تخصصه)

  بينما في التعليم المحلي ، الهدف الأساسي هو صنع طبيب حافظ المنهج الدراسي كله عن ظهر قلب. التركيز على الجانب النظري أهم شيء في الدنيا بالنسبة للأساتذة المحليون الأفاضل. لذلك الأطباء الذي يتمتعون بذاكرة تصويرية ينجحون في كل الإختبارات و يحصلون على أعلى الشهادات. و فعلاً يتفوقون على نظرائهم من الجامعات الغربية في الإختبارات النظرية. 

بينما الطبيب المتدرب في الغرب ربما لا يحفظ الكتاب "من الغلاف إلى الغلاف" و لا يدرس عشر ساعات في اليوم. و لكنه إذا ذهب إلى غرفة الطواريء يستطيع أن يضع خطة مسبقة مفصّلة للفحوصات المطلوبة لتشخيص كل مريض ، و يجري بنفسه العمليات/الإجراءات المطلوبة حسب تخصصه (قسطرة قلبية ، منظار للمريء و المعدة ، تنفس صناعي في الإنعاش ، جراحة البطن المفتوح ...الخ).

السؤال الصحيح ربما ...
في ميدان المعركة: 
هل تريد جنوداً لديهم لياقة بدنية عالية و معرفة في استخدام السلاح و خبرة سابقة في الحروب؟
أم تريد جنوداً يحفظون الشعر و النثر و النحو و الصرف؟
ستضحك من هذا السؤال لأن إجابته واضحة. 

 السؤال نفسه في المستشفى...
هل تريد طبيباً يحفظ كل مقررات الطب في تخصصه عن ظهر قلب؟
أم تريد طبيباً يعرف كيف يتصرف بمفرده في الطواريء و الأجنحة و العيادات الخارجية؟

إذا تظن بأن إجابة هذا السؤال سهلة كالسؤال السابق...
- أنت لا تعلم كم مرة قال لنا الإستشاري "روح بيتكم ادرس أحسن لك".
- أنت لا تعلم كيف الإستشاريون يحاولون إبعاد الأطباء المتدربين عن ممارسة (أو حتى مشاهدة) مهاراتهم الطبية.  
-لا يزال نظام الترقيات في العديد من المستشفيات العربية قائم على اجتياز الإختبارات النظرية (الزمالة البريطانية أو الماجستير أو الدكتوراه...الخ). لذلك الطبيب يمضي أغلب وقته في دراسة الكتب و حل أسئلة الإختبارات السابقة. 

الأطباء العرب يتفاخرون بأن اختباراتهم المحلية أصعب كثيراً من اختبارات الغرب. "الخواجات" يريدون تخريج "طبيب حقيقي" يفهم أساسيات المهنة. بينما العرب يريدون تخريج "هارد-ديسك" متنقل أعصابه تالفة من كثرة التخويف و التهديد و الوعيد و أسئلة الإختبارات التعجيزية.    

الأربعاء، 8 يناير 2014

خلك محترم

قصة جميلة بمغزى رائع تناقلتها ألسنة العرب شفهياً ، كلٌ حسب لهجته و بيئته. سمعتها لأول مرة باللهجة العراقية "كاتل الكلب كِتلوه" (أقتلوا قاتل الكلب). القصة مكتوبة باللغة العربية الفصحى في عدة مواقع على الانترنت. لمن لا يعرفها ، مختصرها كالآتي... 

  يحكى أن هناك قبيلة كانت مستقرة على ضفاف نهر الفرات منذ القِدَم. نزحت بجوارها قبيلة جديدة. و في يوم ما ، دون سابق انذار ، رجل من القبيلة الجديدة قتل الكلب الذي كان يحرس أغنام القبيلة القديمة. لجأ وجهاء القبيلة القديمة إلى شيخهم أكبرهم سناً ليطلبوا منه المشورة لحل هذه الأزمة. 

"كاتل الچَلِب كِتلوه" كانت إجابة الشيخ الفورية. 
لم تعجبهم هذه الإجابة و لأسباب واضحة.
حتى أن "البعض" ظن بأن الشيخ بدأ يخرّف.
لأنها مصيبة إذا قتلنا إنساناً فقط لأنه قتل كلباً. 

بعد بضعة أيام ، تحرّش البعض من شباب القبيلة الجديدة ببنات القبيلة القديمة.
و للمرة الثانية طلب وجهاء القبيلة رأي شيخهم ، الذي أفادهم بالإجابة نفسها: "كاتل الچَلِب كِتلوه". 

و بعد حادثة التحرش بعدة أيام ، أغارَت القبيلة الجديدة ليلاً على القبيلة القديمة.  
وجهاء القبيلة إجتمعوا مع شيخهم للمرة الثالثة. و هذه المرة نفذوا مشورته و قتلوا قاتل الكلب.

بعد قتل "قاتل الكلب" مباشرة ، زار وفد من  القبيلة الجديدة القبيلة القديمة ، مبررين ما بَدَرَ منهم قائلين:
١. أحدنا قتل كلبكم لأنه ظن بأن كلبكم كان يخيف أغنامنا.
٢. و شبابنا الذين تحرشوا ببناتكم فعلوا ذلك بنيّة الزواج.
٣. أم عن الإغارة عليكم ليلاً  ، ذلك لأننا كنا نلاحق لصوصاً اختبؤوا في مضارب قبيلتكم.  
ليس بيننا و بينكم غير المودة و المحبة و الإحترام!

  المغزى من القصة صريح. فالقوانين الجنائية و المدنية أصلاً موجودة من باب "مَن أمِنَ العقوبة أساء الأدب".

و بعدما رأى العالم أثر القنبلة النووية على هيروشيما و ناجازاكي ، تسابقت الدول العظمى على التسليح النووي لأنه سلاح رادع (Deterrent). فلا دولة تجرؤ على الإعتداء على دولة لديها سلاح نووي.     

  لكن على المستوى الإجتماعي ، قصة مثل هذه تعكس التدنّي الأخلاقي لبعض الأفراد و الجماعات. الشخص الطيّب المسالم الذي يبتعد عن المشاكل بطبعه ، عليه أن "يتحول" إلى وحش طويل اللسان و اليد. و إلا ضاع حقه و رآه الآخرون على أنه "ضعيف" و "لقمة سائغة". إحترام "النجري" صاحب المشاكل أصبح جزءاً من تراثنا. حتى في نقاشنا الروتيني نقول لبعضنا "إحترم فلان و لا تجادله لأنه عصبي و لسانه طويل و يحب المشاكل". بالرغم من تنبيه الحكماء لهذا السلوك الخاطيء (إتقِ شر الحليم إذا غضب).

إحدى صفات المجتمع "الراقي" إلتزام الناس بالأخلاق تلقائياً دون الخوف من العقاب أو الطمع في الثواب (عامِل الناس كما تحب أن يعاملوك). كل من عاش في الغرب لاحظ كيف عامة الناس تصف في طوابير عند أي مكان مزدحم دون الحاجة إلى حارس أمن ينظّم هذه الطوابير.

و كيف المشاة في الممرات يفسحون الطريق للمستعجل الذي لديه أمر طاريء.

و كيف الذي يدخل المصعد يبقي الباب مفتوحاً للشخص الذي يليه.
و كيف الجالس في الباص يقف ليعطي مقعده للمرأة الحامل أو الشيخ العاجز.

و كيف مواقف سيارات ذوي الإحتياجات الخاصة لا تقف فيها غير سيارات ذوي الإحتياجات الخاصة.

و الذي لا يحترم الدور في الغرب عادة ما يكون من دول العالم الثالث!  
حتى الشرطي في المدن الراقية (أشهرها لندن) لا يحمل معه مسدساً خلال أيام العمل العادية.

عندما نمدح أحداً نقول عنه أنه "محترَم".
و إذا إحتد الخلاف بين شخصين ، يقول أحدهما للآخَر "إحترم نفسك".
و من هنا يأتي معنى الإحترام. المحترَم يضع حدوداً لنفسه يقف عندها. بينما قليل الأدب ينتظر الغير لإيقافه عند حدّه.

الحس الأخلاقي النابع من الداخل هو الإسمنت الذي يدعم وحدات بناء المجتمع الحديث. سياسة "كاتل الكلب كِتلوه" ربما كانت مفيدة في فترة الصراع من أجل البقاء بسبب الفقر و شح الموارد. لكن نمط حياة "الفتوّة" القائم على الإنتقام الفوري و أخذ الثأر المتوارث و تصفية كل الحسابات ، لا يستهلك في النهاية غير الفتوّة نفسه.    

الأحد، 5 يناير 2014

خلك واضح

كان "شن" معروفاً بالعقل و الفطنة و الدهاء. رغب في الزواج من فتاة تضاهيه في ذلك. قرر شد الرحال للبحث عن تلك الفتاة. و بدأ بحثه في القرية المجاورة. في بداية طريقه صادفَ رجلاً مسافراً. سأله عن وجهته. إتضح أن كلاهما متجهان إلى نفس القرية.

الرجل: أنا أريد السفر الى موطني ، القرية المجاورة. فهل لك بمرافقتي؟
شن: لا مانع لدي. أتحملني ام أحملك ؟
الرجل: يالك من جاهل. أنت على بعيرك و أنا على بعيري. فلماذا نحمل بعضنا؟
شن: سامحني ياصاحبي. لقد أخطأت.

واصلا طريقهما حتى لاحظا حقلاً من القمح حان وقت حصاده.
شن: هل أكل الفلاحون قمحهم؟
الرجل: يالك من جاهل. كيف تقول ذلك و القمح لم يُحصَد بعد؟
شن: أرجو المعذرة. لقد أخطأت مرة اخرى.

بعدما وصلا الى القرية المجاورة ، رؤوا فيها جنازة. أهلها رافعين نعشاً و يبكون.
شن: هل الذي في داخل النعش ميتاً أم حياً؟
إنفجر الرجل غاضباً: يالك من احمق. أتسأل عن الذي في التابوت ما إذا كان حياً أو ميتاً؟
شن: لا تغضب مني يا صاحبي. ها قد إنتهت رفقتنا هنا و ستستريح مني و من أسئلتي الغبية.

الرجل: لكنك ضيفي في قريتنا. يجب أن أضيفك عندي.
ذهب الرجل إلى عائلته و قال: معي ضيفاً. 
أعدوا طعاماً لنا. لقد أزعجني بأسئلته المتخلفة طوال الطريق. لكنه على أي  حال ضيفي و علينا إكرامه.

قالت إبنته "طبقة" بعد ما رأت الضيف: لم تبدُ عليه معالم التخلف. فلماذا وصفته بذلك؟
الأب : لا يخدعك مظهره. أنا لم أرَ شاباً بمثل غبائه من قبل. أخبر الرجل إبنته بالأسئلة التي طرحها شن في الطريق.

طبقة: ولكن يا أبي ، هذه الأسئلة حكيمة. 
هذا الشاب قد أنهكه السفر و فرح بلقائك. فأقترح عليك: "أتحملني أم أحملك"؟ 
كان قصده أيكما "يريح الآخر" عناء الطريق.

أما سؤاله عن القمح و قد آن حصاده ، لأنه يرَ له حاصداً. 
سألك إذا أصحابه باعوه قبل حصاده فأكلوا ثمنه. أو أنهم استغنوا عنه فتركوه.

و أما سؤاله عن الجنازة…
قصده أن الميت إذا كان من أهل الخير فسيحيا بدوام ذِكرِه.
أما إن غير ذلك فسيموت ذكره معه.

دُهش الأب لفطنة ابنته. لذلك رجع إلى ضيفه شن و سرد له تفسير أسئلته.

فقال له شن: أصبت. لكن هذه ليست إجاباتك۔

رد عليه الرجل: إنما كانت إجابات أبنتي "طبقة". 
ظني بك كان صائباً. أنت فعلاً أحمق و متخلف و متحذلق الى أبعد الحدود. لماذا لم تكن واضحاً في أسئلتك معي منذ البداية؟ 
هل ظننت أن "الغموض" و "الرموز المبهمة" و "التلميح بين السطور" من أسرار الحكمة؟ أم أنك كنت تستهين بذكاء من يرافقك بألغازك التعجيزية و عباراتك الفلسفية العائمة؟ أخرج من بيتي. و إذا رأيتك في قريتي مرة أخرى حشيت ريولك حش!

"ذلف" شن راجعاً الى قريته خائباً.بينما تزوجت طبقة أغنى و أوسم شاب في قريتها.عاشت معه في سعادة و خلّفت منه البنين و البنات.


في التواصل بين الناس ، خير الكلام ما قل و دَل. "دَل" معناها تفادي "الغموض" و هو أهم شرط. حتى في اللغة الإنجليزية يقال "Avoid ambiguity". العبارات الغامضة العائمة المفتوحة يستخدمها المنجمون و المشعوذون و "أشباه الحكماء" على حد سواء لأنها فعالة لأي موقف أو مناسبة. صالحة لكل زمان و مكان. لا يمكن تكذيبها أو إبطالها. تنطلي على البسطاء و ضعاف العقول لأنها تمنح هيبة مزيفة لمن يتفوه بها.

على سبيل المثال. في المطاعم الصينية لديهم بسكوتة الحظ (fortune cookie) فيها ورقة تحوي كلام عام له أكثر من تفسير. فإذا كتب لك المنجّم عبارة "أمامك سكة سفر" قد تعني: ترقية في الوظيفة أو بعثة دراسية أو رحلة سياحية إلى باريس أو الخفجي! و مليون تفسير غيره. كذلك في "علم" الأبراج. يصورون لك و كأن موقع الكواكب و حركة المجرات و النجوم في يوم ميلادك يؤثر على نمط شخصيتك و خط سير مستقبلك.

أشباه الحكماء يتسخدمون نفس الغموض لإضافة "هيبة مصطنعة" لشخصهم. و ذلك بإستخدام العبارات الرمزية في حديثهم و التي غالباً غير مفهومة من أول مرة و تحتاج لتأويل لاحقاً. مثل حديث صاحبنا المتفلسف "شن" في القصة السابقة.

الأربعاء، 1 يناير 2014

حسب الله درس في الخارج

خلال حقبة السبعينات من القرن الماضي في بلاد "الواق واق". تخرّج "حسب الله" من الثانوية العامة و كان من الأوائل على دفعته. كان أبوه تاجر الأغنام الحاج "أبوحسب الله" فخوراً جداً به. كونه أول شخص في العائلة يحصل على شهادة الثانوية العامة. في تلك الفترة كان يتسنى للنخبة فقط إكمال تعليمها النظامي. أكثر الشباب كانوا يرثون مهنة آبائهم.  

الحاج أبوحسب الله كبير في السن. أمّي لا يقرأ و لا يكتب. لذلك أراد الأفضل لإبنه. أشار عليه بالسفر لدراسة الهندسة في أمريكا. لم تكن هناك جامعة محلية في بلاد الواق واق في تلك الفترة. تزوّج حسب الله من إبنة جارهم (كان يعشقها من الصغر) و سافر معها إلى أمريكا حسب خطة أبيه. و لكنه لم يكمل دراسته. رجع إلى البلاد بخفّي حنين بعد بضعة أشهر. 

سأل أبو "حسب الله" مستنكراً: 
لماذا فشل إبني في أمريكا ؟ كان متفوقاً طوال سنوات تحصيله العلمي في المدارس. 

قال "حسب الله":
أنا لا أحب الهندسة و أكره الغربة. سافرت للدراسة تنفيذاً لرغبة أبي فقط. اشتقت لأهلي و أصحابي. هذا غير أن أستاذي في الجامعة رسّبني في الإختبارات التحضيرية لأنه كان يهودياً متطرفاً يكره المسلمين. قررت الرجوع إلى بلدي لأرعى الحلال (أغنام أبي) أفضل لي من إكمال دراستي. 

قالت أم "حسب الله":
إبني كان راغباً في الهندسة. و لكن كَنّتي (زوجة إبني) الله يسامحها كانت السبب في فشله. إنها يافعة طائشة مندفعة منذ أن تزوّجها. كانت تريد الإستمتاع بالحياة و السياحة في أمريكا بدلاً من شد أزر إبني في دراسته. أنا لم أرضَ بها كزوجة لإبني منذ البداية. و لولا إصرار إبني للزواج منها لبحثت له عن زوجة أخرى تفوقها جمالاً و إخلاصاً لتليق بمقامه أكثر. هذا غير أمها التي كانت توصيها "لا تخلينه يكمل دراسته هناك و إلا سيطير من يديك و يتزوج أمريكية شقراء!".

قالت أخت "حسب الله":
أؤيد أمّي في أن زوجة أخي كانت هي السبب. لكنني ألوم أمّي لأنها كانت السبب في تزويج بنت جارنا لأخي الذي رضخ لضغوطها في نهاية الأمر. تزوجها بالرغم من عدم رغبته بالزواج أساساً. و ها هي النتيجة: فشل أخي في دراسته.

قالت زوجة "حسب الله":
بيني و بين حسب الله حب قديم منذ نعومة أظفارنا. لأننا كنا جيران منذ سنوات طويلة. قسماً بالله لا دخل لي في قرار زوجي بإنهاء دراسته. هو الذي سئم الغربة و قرر شد الرحال و الرجوع إلى الوطن دون تخطيط مسبق. لم يُبدِ لي الأسباب. زوجي عنيد و صعب المراس. قرر الرجوع بالرغم من معارضتي لقراره.  

زملاء "حسب الله" الذين كانوا معه في الغربة (و تخرجوا بنجاح بعد بضع سنوات) قالوا:
أمضى صاحبنا حسب الله أغلب وقته في أمريكا بقراءة القصص المصوّرة (كوميكس). لم يكن يحضر المحاضرات. حتى أستاذنا في الجامعة لم يقابله شخصياً و لم يعرفه. عندما استفسرنا منه عن إهماله عن الحضور و الدراسة ، رد علينا: أنا هنا تنفيذاً لرغبة والدي. سأمضي وقتي بقراءة هذه القصص إلى أن يحلها ألف حلّال. 

إذا استمع أحد غريب (محايد) لقصة حسب الله ، يضع لها بعض الإحتمالات...

إحتمال رقم ١:
ربما "حسب الله" لم يكن بالفعل راغباً في إكمال دراسته بعد الثانوية و سافر إستجابة لضغوط أبيه فقط. الآباء في بلاد الواق واق معروف أن رغباتهم أوامر غير قابلة للنقاش.

إحتمال رقم ٢:
ربما "حسب الله" كان راغباً في إكمال دراسته ، لكن الهندسة لم تكن شغفه. 

إحتمال رقم ٣:
حسب الله كان أول من يخوض تجربة الدراسة الجامعية في أسرته. لذلك كان يفتقر القدوة. إستشارة ناس أكبر منه في السن لها خبرة سابقة في الدراسة في الخارج لم تكن متوفرة في تلك الأيام. ناهيك عن عدم توفر طرق البحث عبر القارات (مثل الإنترنت) خلال فترة السبعينات.   

تحليل
  واضح أن الروايات الشفهية المنقولة من صاحب الشأن و أمه و أخته و زوجته و أصحابه فيها بعضاً من التفاوت و التناقض. هذا شيء طبيعي. "إليزابيث لوفتس" كرست حياتها في البحث العلمي لإثبات قصور الشهادة العينية. شهود العيان عندما يصفون أحداثاً معينة ، وصفهم مبني على العواطف و الأحاسيس و القناعات الشخصية. الأمر الذي لا يعوّل عليه ، خصوصاً في القضايا الجنائية.

الروايات الشفهية عن أسباب فشل "حسب الله" منقولة من لسان الأهل مباشرة. صاحب الشأن على قيد الحياة و مستعد لتكذيب (أو تأكيد) هذه "الروايات" المنقولة.

يا ترى ما هي الروايات التي ستتناقل على لسان أحفاد حسب الله بعد أربعين سنة؟

طالما أن هذه الروايات منقولة شفهياً ، كل شخص ينقلها سيضيف عليها القليل من بهاراته الخاصة.

ربما الرواية عندما تصل إلى عاشر مستمع بعد مائتي عام ستكون مختلفة جداً عن الرواية الأصلية. 

القصة القصيرة بشخصياتها و أحداثها من نسيج خيالي. مبنية على أحداث واقعية و المغزى منها واقعي جداً.  

الأحد، 29 ديسمبر 2013

ليست الأشياء كما تبدو

الظاهر رقم ١
"عبدالوهاب" شاب وسيم طويل القامة. هو في الواقع أطول شخص في العائلة. 
وسامته تتمثل في حجم يديه الكبيرتين و بروز جبهته و عرض فكّه. 

الظاهر رقم ٢
"محمد" و "فرج" أخوان توأم من مواليد دولة عربية. "محمد" ترك المدرسة في سن مبكرة و عمل في محل للأقمشة. بينما أخوه "فرج" أكمل تعليمه الجامعي في الهندسة و هاجر إلى كندا. محمد نجح في تجارته و أضحى تاجراً غنياً للأقمشة. لكن أمه كانت دائماً تقول له "لماذا لم تفلح في دراستك لتلحق بأخيك فرج في كندا؟"

الظاهر رقم ٣
أمم أخرى متقدمة علينا في العلم و التكنولوجيا و السياحة والإقتصاد ، بالرغم من صغر سنها.
كل إنجازاتها تشير إلى تقدمها القياسي في شتى المجالات إلى درجة مضاهاتها لدول الغرب.
البعض يظن بأنها ستستغني عن النفط كمصدر رئيسي للدخل في المستقبل القريب. 


الباطن رقم ١
طول قامة "عبدالوهاب" و ملامح وجهه البارزة و أطرافه الضخمة (Acromegaly) سببها ورم في الغدة النخامية يفرز هرمون النمو بغزارة. هرمون النمو الزائد على المدى البعيد يسبب إرتفاع في ضغط الدم و ضعف في عضلة القلب.  

الباطن رقم ٢
"فرج" تخرج من كلية الهندسة و هاجر كندا بالفعل. لكنه يعمل هناك نادلاً في مقهى. ذلك لأن شهادته غير معترَف بها في كندا. حتى إذا كانت شهادته معتَرَف بها ، التنافس على الوظائف لا يرحم. أولوية التوظيف لخريجي الجامعات الكندية المحلية. لذلك وضع "فرج" شهادته الجامعية في إطار فاخر و علّقها في شقته لتصبح جزءاً من ديكور البيت.

الباطن رقم ٣
الأمم "الأخرى" إنجازاتها الملموسة تلفت الأنظار بالفعل. تشيّد ناطحات للسحاب تبهر الأبصار. تجذب كل المستثمرين و المواهب و العقول. لكن لمحة واحدة للتاريخ القصير لهذه الأمم يكفي لمعرفة البئر و غطاه.

ليس لديها بنية تحتية. و لا دستور. و لا حقوق إنسان. المساواة فيها معدومة. تقييم الناس يتم حسب العرق و الأصل و اسم العائلة و الدين و المذهب بدلاً من الكفاءة. "الرجل" فيها هو العالم كله. بينما المرأة فيها مكسورة الجناح تعيش فقط تحت ظل الرجل لتخدمه.
هذه الأمم لديها برلمان صوري بديمقراطية زائفة (هذا إذا كان لديها برلمان أصلاً).

هذه الأمم تعتقد بأن المال يشتري كل شيء.
لذلك تشتري اللاعبين المحترفين لمنتخباتها. و تشتري العلماء للتدريس في جامعاتها.
و تشتري الطائرات المدنية (و الطيارين أيضاً) بالجملة لدعم أسطولها الضخم. 
و تشتري بالمال أهل الإختصاص لكل إختصاص. 

أما عن وضع الإعلام في هذه الأمم فهو المضحك المبكي. 
تغطيتها الإعلامية مكثّفة لأي إنجاز ضخم. و تعتيمها الإعلامي لأي فضيحة أو فساد فيها.

لا تدرك هذه الأمم بأن كاميرات الهواتف النقالة و الانترنت تفضح أي فساد مستور في عصرنا هذا. 
الإعلام في هذه الدول يشابه الأم التي تفرض على أبنائها الإبتسام أمام الكاميرا لإقناع العالم بأن حياتها الأسرية سعيدة. أو الممثل الكوميدي الذي يصفّي كل من لا يضحك على نكاته ليقف أمام جمهوره المرعوب ليضحك على أي نكتة مهما كانت "بايخة".

"علاقتنا بالغرب هي كالعلاقة بين التلميذ و الأستاذ. بينما علاقة العرب بالغرب هي كالعلاقة بين البائع و المشتري".
هذه الحكمة البليغة منسوبة إلى أسد ماليزيا "د. مهاتير محمد" (لا أعلم إن كانت حقاً حكمته).

القصد من هذا المقال أن ظاهر الأمور غير باطنها. و الأشياء ليست كما تبدو. و ليس كل ما يلمع ذهباً.

الأحد، 15 ديسمبر 2013

متميّزون محلّيون

  بين الحين و الأخر ربما نصادف رجلاً كبيراً في السن يفتخر بأنه كان يعرف أحد عظماء عصره. مصطلح "عظماء" أقصد به ناس صنعوا التاريخ بإنجازاتهم. في أغلب الأحيان نجد الكثير من أترابهم في الساحة ، لكن العظيم منهم يبرز عن البقية: إما بموهبة نادرة ، أو موقف بطولي ، أو اختراع ثوري ، أو مبادرة فريدة من نوعها.    

في رأيي المتواضع ، تاريخ كل العظماء يحوي عنصرين رئيسيين:
١. مواجهتهم لعقبات و صعاب من كل الأنواع. بمعنى أن طريقهم لم يكن سهلاً.   
٢. كيف تصرفوا / عالجوا / كافحوا / عاندوا هذه العقبات بتسخير الوسائل المتوفرة لديهم. 

  في أول سنة لي خلال غربتي في إيرلندا،  تعرفت على زميل عزيز أكبر مني سنّاً إسمه "عمّار جعفر". كنتُ مراهقاً مغترباً وحيداً غير معتاد على الحياة دون أهلي. عمّار إعتنى بي في تلك الفترة وكأنني أخاه الأصغر. في شقته (حيث كنا ندرس معاً) كانت هناك صورة شخصية على الرف لطفل يشبه عمّار كثيراً. سألت عمّار "من هذا الطفل؟" فقال لي "هذا أخي الصغير مصطفى".

  بضع سنوات مضت. و لم يبق على تخرجي الكثير. قابلت في شقة عمار فتى يافع يشبه عمّار في نبرة الصوت. قال لي بأنه "مصطفى". مصطفى الطفل الصغير الذي كانت صورته على الرف! أتى إلى دبلن لدراسة الثانوية العامة الإيرلندية. طبعاً كل من درس في الخارج يعرف عقبة دراسة اللغة و تحدياتها. ذلك لأن الإنجليزي الذي درسناه في مدارس الكويت آنذاك يختلف عن الإنجليزي "الفعلي" في المملكة المتحدة و ايرلندا.

  ساعدت مصطفى في تعلّم اللغة. هذا أقل شيء قدمته مقابل مساعدة أخاه لي في بداية غربتي. أبهرني بسرعة إستيعابه للمفردات و القواعد و اكتسابها في زمن قياسي. لتقوية اللغة ، نصحته بالقراءة. كانت كتب علوم البحار تحوز على إهتمامه أكثر من أي كتب أخرى. مرت السنوات. و انشغل كل منا في الحياة و متاعبها. في يوم من الأيام لفت نظري في قناة الراي و مجلة "ليالينا" شخص متميّز. وجهه لم يكن غريب عليّ. إسمه "كبير مدربي الغوص الكابتن مصطفى جعفر".

كبير مدربي الغوص الكابتن مصطفى جعفر

  بعدما تخرجت و توظفت في الكويت ، إلتحقت بالبورد الكويتي للأمراض الباطنية (Internal medicine). في سنتي الأولى بعد تخرجي تعرفت على طالب للطب اسمه "جراح الطبيّخ" من جامعة الكويت. كان يحمل في يده رسومات جميلة. سألته "أنت الذي رسمتها؟" هزّ رأسه بالإيجاب. من يومها أصبحنا أصدقاء تجمعنا هواية الرسم و قراءة القصص المصورة (كوميكس).  

  بعدما تخرج د. جراح ، أراد الإلتحاق ببورد الأشعة في الكويت (Radiology). إيماناً منه بأنه سيجد ضالته المنشودة في هذا التخصص. في تلك الفترة كان قد أسّس لنفسه سمعة طيبة في الوسط الطبي بإحترافه للرسم و توظيفه في عدة مجالات منها التوضيح الطبي (Medical illustration) و رسم القصص المصورة خارج النطاق الطبي أيضاً (أسطورة المرأة الأفعى).

  صُعِقَ في المقابلات الشخصية عندما رفضوه مسئولو البورد دون إبداء الأسباب. هذا أمر عادي في الكويت. فمستشفياتنا تعتمد على العمالة الأجنبية في كل التخصصات. و بالرغم من قلة الأطباء الكويتيين نسبياً و إنخفاض المنافسة ، إلا أن "أصحاب" البورد يقبلون فلان و يرفضون علان حسب أجندتهم الخفية دون معايير واقعية ملموسة.

  "لا يضيع حق وراءه مطالب". هذا ما آمن به صاحبي الذي أوصل شكواه على هذا التعسف إلى أعلى المراكز و حصل على حقه بالإلتحاق بالبورد متأخراً عن دفعته ببضعة أشهر. مسئول البورد المحلي في تلك الفترة أرسل له رسالة فحواها بين السطور "لا تتوقع أنك إذا مشّيت كلامك علينا معناها إحنا بنسكت عنك". بدأ معه بعد ذلك مسلسل التطفيش المشهور جداً في كل الجهات الحكومية.

 وقتها كان باب الإبتعاث لبورد الأشعة في ألمانيا مفتوحاً. انتهز صاحبي الفرصة و سافر إلى ميونخ ليبدأ صفحة جديدة هناك. فماذا كانت النتيجة؟ أصدر كتابين في تخصص الأشعة من دار سبرنغر العالمية للنشر (موقع أمازون ١ ، موقع أمازون ٢). هذا غير مجموعة لا بأس بها من الأوراق العلمية.

 لو كان مقبولاً في بورد الأشعة في الكويت ، هل سيتسنّى له إصدار هذه المؤلفات؟  
بعد إصدار كتابه الأول (Congenital Diseases and Syndromes) قابل د. جراح بالصدفة أحد "الجهابذة" الذين ساهموا في تطفيشه. قال له "سمعنا عن كتابك. بغينا نسخة منه عشان ندرّسه لتلاميذنا". أتوقع لسان حال د. جراح قال حينذاك "تو الناس!".

د. جراح الطبيّخ.
  أحد إخواني كان و لا يزال يذهب إلى "الديوانية" مرة كل أسبوع. و في إحدى المرات عرض علي الذهاب معه. كانت "ديوانية" تختلف في قالبها عن بقية الدواوين الكويتية التقليدية. رواد الديوانية جامعيين تخصصاتهم متشابهة و أعمارهم متقاربة و ثقافتهم كانت بالدرجة الأولى باللغة الإنجليزية. عددهم محدود و يجمعهم كلهم شغف واحد: التكنولوجيا. عرّفني أخي على صاحب الديوانية. إنسان محترم دمث الخلق. أسلوبه في الحديث هاديء متروّي ، يذكرني كثيراً بأسلوب الفلكي الراحل كارل سيغن.

د. محمد قاسم
   صاحب الديوانية كانت له نظرة تختلف عن باقي أصحابه. أراد نشر المعرفة بين الناس الناطقة بالعربية دون الحاجة بالضرورة لتعلم لغة أجنبية. العالم العربي في العلوم ، مقارنة بباقي دول العالم في مؤخرة الركب. و السكوت على الجهل يساهم في تعزيزه. لذلك قرر صاحب الديوانية نشر المعرفة و العلم و التكنولوجيا عن طريق الإنترنت بتأسيس "السايوير بودكاست" الذي لديه الآن آلاف المستمعين من كل أنحاء لعالم. هذا الإنسان هو د. محمد قاسم.    

  عندما كنت طبيباً باطنياً (قبل تخصصي في أمراض القلب)، قابلتُ رجلاً رزيناً متواضعاً في منتصف العمر في العيادة الخارجية للمستشفى. كان متابعاً لأحد أقاربه المرضى. أجريتُ لقريبه اللازم من إجراء الفحوصات و صرف العلاج المطلوب. تابعتُ معه حالة قريبه على مدى الأشهر التالية. كان هذا الرجل دائم الإبتسامة مهما كانت ظروفه صعبة. لحيته البيضاء الخفيفة كانت تخبيء نضالاً قديماً لم أعرفه آنذاك. 

  كنت أتصفح إحدى الجرائد في نهاية الأسبوع. و إذا بي رأيت مقابلة طويلة لأديب كويتي معروف بحملته لتشجيع حب القراءة لدى الأطفال. هذا الأديب له مساهماته أيضاً في السوق ، خصوصاً في مجال القصة القصيرة. اتصلت به فور قراءتي للمقابلة. سألته "لمَ لم تقل لي أنك أديب معروف؟". قال لي " أنت رأيتني على حقيقتي و هذا كافي". هذا الشخص هو الأديب الكويتي وليد المسلم.  



  الإنترنت تحوي سيرة العظماء من كل زمان و مكان. الويكيبيديا بالذات مليئة بقصصهم. و لكنني في هذا المقال اكتفيت بالتعريف عن بعض هؤلاء العظماء من بلدي. حصل لي شرف التعرف عليهم شخصياً. معرفتهم مكسب لي لأنهم غيروا حياتي مثلما غيروا حياة الناس. الفرق بيني و بين الغير ، أنني أقول بكل فخر "إي أعرفه. فلان صاحبي". البعض يساهم في إبراز إسم الكويت في سجل الإنسانية. لكن العظيم منهم يبرز إسم البلد أكثر من غيره.

الاثنين، 2 ديسمبر 2013

انت غلطان

  بيئة عملي تتطلب التعرض للأشعة السينية (أشعة إكس) معظم الوقت. لذلك يستوجب علي ارتداء سترة واقية مبطّنة بالرصاص. هذا بالإضافة إلى استخدام نظارة طبية خاصة تحمي العيون من الإشعاع. في مقر عملي حالياً طلبت مني رئيسة الممرضات قياسات نظري كي يتسنى لهم تفصيل نظارة طبية خاصة لي. طلبوا مني فحصاً لما يسمّى بالبعد بين البؤبؤين (pupillary distance - PD).  

  ذهبتُ إلى محل للنظارات و طلبتُ من أخصائي البصريات إجراء هذا الفحص لي. قال لي أخصائي البصريات في المحل غاضباً "ممنوع بحكم القانون هنا في إقليم كيبيك قياس البعد بين البؤبؤين ، لذلك أطلب منك بأدب الرحيل". تفاجأت من ردة فعله غير المتوقعة والمبالغ فيها. فأنا لم أطلب منه تعليمي كيفية بناء ترسانة نووية مثلاً. كل ما طلبته كان قياس بسيط للعين و ذلك لمصلحة عملي بصفتي طبيب يتعرض للإشعاع يومياً.

  لأنني لا أفهم في علم البصريات ، بحثت في محرك "غوغل" عن ما قاله لي أخصائي البصريات "أبو العرّيف".  اكتشفت خلال دقائق بأن الفحص المطلوب يستغرق من الوقت عشر ثوان فقط. و لا يوجد أي قانون في اقليم كيبيك (بل و في العالم كله) يمنع هذا الفحص. منتديات أخصائيي العيون فضحتهم. وضّحت بصريح العبارة أن الزبائن يجرون هذا الفحص عندهم في محلات النظارات مجاناً و بنتائجه يطلبون نظاراتهم من مواقع الإنترنت لأنها أرخص بكثير. لذلك فرضت بعض المحلات رسوم مقابل إجراء هذا الفحص الذي كان في السابق مجاناً. محلات أخرى تشترط على الزبون شراء النظارات من المحل في حال طلب الفحص. 

القصد من هذه القصة القصيرة
  للأسف حتى يومنا هذا ، الكثير من أصحاب الخبرة و القرار يظنون بأنهم إذا أدلوا بتصريح أو أصدروا قرار ، فلن يكون هناك من يبحث في صحة تصريحاتهم و قراراتهم. طبعاً في الدول القمعية و الأنظمة الاستبدادية على كل المستويات هذا الأمر صحيح و مقبول. لأن "اللي في أمه خير" يعارض "صاحب القرار". هنا يأتي معنى "أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر". 


مقطع من مسرحية سيف العرب

  أما في دول المؤسسات و الأنظمة الديمقراطية ، المسئول محاسَب و مفضوح على كل كلمة غبية أو تصريح متخلف أو قرار جائر و متعسّف. في عصر التقنية المتسارعة و الانترنت ، المعلومات متوفرة للجميع و بكبسة زر. و اليوتيوب يصيد زلّة كل لسان. لذلك المسئول المستبد مفضوح للجميع. يا ما شاهدنا القنوات الأمريكية وهي تسخر من الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الإبن الذي كان يفتقر للفصاحة و قوة الإرتجال في تصريحاته.  

في الأوساط العلمية ، اذا استخلص العالِم نتائجه النهائية لبحثه العلمي ، أمطروه زملاؤه بالأسئلة و النقاشات التي تضرب صميم بحثه من الأساس (Peer Review). لذلك العالِم عليه مراجعة طرق بحثه و نتائجه عدة مرات قبل عرضها للعامة ليحفظ على الأقل ماء وجهه. بينما بعض علمائنا "الفطاحل" يطلقون صواريخهم  إحم ، عفواً ، يطلقون تصريحاتهم ، و يظنون بأن أحداً لن يحاسبهم. الانترنت ليست فقط منبعاً للمعلومات المجانية ، و إنما أصبحت أيضاً متنفساً لهؤلاء للأحرار المتهكمين الساخرين الذين كانت أفواههم مكممة قبل بزوغ شمس الانترنت. يستطيعون السخرية من العلماء المتسلطون تحت أسماء مستعارة و هويات وهمية.   

  باللغة الانجليزية كلمة "Authority" تعني "سُلطة" ، و تعني أيضاً "خبير" أو "عالم". ربما أصل التسمية المشتركة هي أن العالِم و السلطة لهما عامل مشترك: الناس تستمع لرأيهم و تمتثل لأوامرهم دون نقاش. سلوك الناس هذا هو جزء من سياسة "القطيع". فالجماعة بطبيعة الحال تشعر بالأمن و الأمان إذا إتبعت الشخص الفاهم. أصدقائي في المسائل الفقهية يقولون "حطها في رأس العالم و تعال سالم" (المقصود بالعالم هنا هو عالم الدين).  

رسالتي لكل "خبير" متجبّر 
١. إذا ظهرتَ  طال عمرك للملأ بهيبتك الإعلامية الجبارة و ألقابك المهنية الرنانة (دكتور / بروفيسور / عقيد / الطفل المعجزة...الخ) و أدليتَ بتصريحاتك النارية. هل تعتقد فعلاً  بأن أحداً لن يبحث في صحة كلامك أو عن مصداقية شهاداتك الدراسية أو خبرتك العلمية و العملية في مجالك؟

٢. عصر "الجدل من منطلق السلطة" (Argument from authority) راح و ولّى إلى غير رجعة.

٣. عبارة "نفّذ أوامري دون أن تقلدني" (Do as I say, not do as I do) ليس لها معنى في عصرنا الحالي.
"القدوة" يفعل و الناس تقلده. شئتَ أم أبيت.

و حتى إذا قرارات هذا المسئول المتجبر تنفّذَت. 
فهو حتماً سينقش اسمه في التاريخ ، مخلداً نفسه بقراراته الغبية غير المدروسة.