الجمعة، 5 فبراير 2016

خلك صامد

هل تساءلتَ يوماً لماذا بعض الطلبة النوابغ يلتحقون بكليّات الطب و ينسحبون (يتفلترون) منها بعد أول سنة أو سنتين؟ نفس الظاهرة موجودة أيضاً في الدراسات العليا ما بعد البكالوريوس. في كل تخصص نسمع عن "الدكتور فلان" الذي سحب أوراقه من البورد أو من برنامج الزمالة بالرغم من إنه كان من خيرة الأطباء.

السبب هو حقيقة راسخة لم يعلّمني إياها أحد: من أول يوم لك في كلية الطب و حتى آخر يوم لك في دراساتك العليا. ستواجه مجموعة من الأشخاص وظائفهم مختلفة و أهدافهم متنوعة. تجمعهم كلهم مهمة أساسية واحدة: تطفيشك من المكان و تحطيمك معنوياً. لذلك أنا أطلقت عليهم لقب "المطفّشون".

المطفّشون...
- يضغطون عليك بشكل مباشر أو غير مباشر
يراقبوك عن بُعد و يمسكون عليك أي زلّة أو هفوة
- لا يعذروك مهما كانت ظروفك صعبة
- لا يقدروك حتى لو كنتَ قديساً

إضطهاد المطفّشون يوصلك إلى درجة الغليان ، لتعلن هزيمتك رافعاً العلم الأبيض.

خلال مشوارك الدراسي الطبي الذي قد يستغرق ١٥ عاماً كحد أدنى (٧ سنوات طب. سنة إمتياز. ٧ سنوات دراسات عليا من بورد + زمالة) ، أنت تعلم أن المطفّشون محصّنون. لا تستطيع إيذاؤهم و لا حتى التطاول عليهم. و إن خاطرتَ و دافعتَ عن نفسك مثلاً ، أنت من سيدفع الثمنبينما هم لن يتضرروا

المطفّشون متواجدون في كل دول العالم. في كل زمان و مكان. يشغلون كل المناصب. على سبيل المثال

المطفّش قد يكون مدير برنامجك التدريبي.فقط لأنه لا يحب لون بشرتك أو جنسيتك أو أصلك أو حتى دينك.

المطفّش قد يكون أحد أعضاء الهيئة التدريسية. يخاف على منصبه و يعتبركَ تهديداً له على المدى القريب أو البعيد. خصوصاً إذا كان وافداً و انت من أبناء البلد. لأنه يعلم بأولوية التوظيف للمواطن

في الدول الغربية بالذات ممكن أن يكون المطفّش ممرضاً أو فنياً أو حتى إدارياً

بعض الزملاء كانوا نوابغ و عباقرة. لكنهم لم يستطيعوا التعايش مع المطفّشين. لذلك إنسحبوا مبكراً و غيروا خططهم الدراسية كلها و بالتالي ضيعوا مستقبلهم. سواء في كلية الطب أو في الدراسات العليا

أمثال من أرض الواقع...

المطفشون أيام الكليّة...
طالب الطب في المملكة المتحدة و إيرلندا لا أحد يحترمه و هذه حقيقة يعرفها كل من دَرَسَ هناك. فهو كيس الملاكمة الذي يتلقى الضربات من الكل دون تمييز. عندما كنت طالباً في إيرلندا خلال فترة التسعينات قابلت سكرتيرة لأحد الإستشاريين لآخذ منها بعض الأوراق الرسمية. كانت أخلاقها "زفت" مع كل الطلبة بلا إستثناء. أنا قابلتها مبتسماً. إستلمت منها أوراقي و مشيت بعيداً بهدوء. بينما أحد الطلبة كان عصبياً. لم يتحمل إهاناتها و تشاجر معها. فكان مصيره التعزير الشديد من قِبَل الإستشاري المسئول و تهديده بالطرد من الجامعة. صادفتُ في دبلن أمثال هذه السكرتيرة الحقيرة الكثير. تغاضيت عن تفاهاتهم و قلة أدبهم و ركزت على الهدف الذي من أجله تغربت: البكالوريوس.

المطفشون أيام البورد و الزمالة...
في الكويت و السعودية عملت مع بعض الزملاء العرب و الأجانب في عدة مستشفيات خلال فترة سنوات البورد و الزمالة. كان هدفهم رمي أعمالهم و مسئولياتهم على كاهلي. رتّبوا خفاراتي لتصادف العطل و الأعياد الرسمية بينما هم "يريّحون" في بيوتهم. ضبطوا إجازاتهم الدورية السنوية بطريقة تمنعني أنا من أخذ إجازة و حجتهم "لتغطية النقص في عدد الأطباء". كلما إمتعضت من حركاتهم قالوا لي "زعلان ليه؟ إحنا عايزينك تتعلم". 

و كلما إستنكرتُ المعاملة الدونية للإستشاريين الآسيويين لي ، ردوا علي بالرد المعتاد "أنت مجرد عَبْد لا يستحق التقدير" (you are just a slave and you do not deserve gratitude).

و كلما إشتكيت لمدير بورد الباطنية في تلك الفترة قال لي "بدر... إذا مو عاجبك البورد ، إطلع".

المطّفشون أيام الزمالة التخصصية...
في كندا -و العالم الغربي عموماً- التمريض مهنة نادرة و مطلوبة. و الممرضين لديهم إتحاد قوي يساندهم و يعطي وظيفتهم هيبة لا نراها في دول العالم الثالث. لذلك الممرض عادةً له اليد العليا على الطبيب. كنتُ أتلقى الأوامر و أحياناً الإهانات من بعض الممرضات ضعيفات النفوس. كنت أعمل بصمت و لا أنطق بكلمة واحدة.  لأنني أعلم أنني لو خاصمتهم سيكون الحكم لصالحهم على حساب مستقبلي.

قصص السابقين
أحد أساتذتي الإستشاريين الكويتيين القدامى قال لي أنه بعدما أنهى دراساته العليا في أمريكا و التي إستغرقت سبع سنوات ، قالوا له "المطفشون" في مستشفاه: نحن معجبون بك لأنك تحمّلتنا سبع سنوات. رهاننا منذ البداية أنك لن تصمد معنا ثلاث شهور!




ماذا سيحدث لو حاربتَ هؤلاء المطفشون؟
طبيب كويتي. أعرفه شخصياً. أستاذي و صديقي العزيز. عمره يناهز الخامسة و الستين (وقت كتابة المقال). لا يملك مؤهلاً دراسياً حتى الآن غير البكالوريوس. في الكويت الأقدمية وحدها لا تكفي للترقية. كان حزيناً تعيساً لأن تلاميذه أكملوا دراساتهم العليا و سبقوه على سلّم الترقيات. قال لي أنه عندما سافر للغرب في فترة الثمانينات لإكمال دراساته العليا ، تشاجر مع أستاذه (و كان أستاذاً عالمياً) بحجة أن هذا الأخير كان "يكدشه في الشغل" كثيراً. طردته الجامعة. و منعته من تقديم أي إختبارات في أي كلية تحت مظلتها مدى الحياة. رجع صاحبنا بذيول الهزيمة. عض أصابع الندم لن ينفع الآن.

الحل
وجودك مع المطفّشين يزعجهم. لذلك هم لا يريدونك معهم. التحدي هو أن تدوس على كرامتك و تمسك لسانك و تعمل بصمت و تفانٍ طوال مدة تدريبك. إلى أن تتعدى خط النهاية و تتخرج لتتركهم في غيّهم يعمهون (بلعنة تلعنهم). هم يعلمون أن مستقبلك الأكاديمي على كف عفريت. لذلك أنت لا تريد المخاطرة بالسجال معهم.


الفكرة 
ليس القوي بلَكَماته فحسب. و إنما بقدرته على تحمّل لكمات الغيرإذا كانت لك عند الكلب حاجة قُل له "يا سيدي". سكوتك عن المطفّشين ليس مذلة. إنما أنت فقط تختار معاركك. و ليس من الحكمة أن تقحم نفسك في معركة خاسرة. 

هذه النصيحة لكل زملائي طلبة الطب و الأطباء المتدربين.



الأربعاء، 20 يناير 2016

خلك توحدي

  كل بلد له ظروفه و أعرافه الخاصة به. لذلك في بعض الأحيان ، إذا نجحَت فكرة معينة في بلدٍ ما ، ربما تفشل في بلد آخَر. في دولة الكويت ، و في القطاع الصحي العام بالذات ، أظنني عرفت "الوصفة السرية" لتفوق الطبيب. هذه الوصفة ناجحة في دولة الكويت فقط. بمعنى أنها لن تنجح بالضرورة في دولة أخرى. لأكون دقيقاً ، يجب أن أعرّف المقصود من كلمة "تفوّق" في هذا السياق. 

مهنة الطب تتطلب دراسة مستمرة مدى الحياة. لا لتحديث المعلومات الطبية فحسب. و إنما أيضاً لغرض التحضير للإختبارات من أجل الترقية. لصعود الطبيب على السلم الوظيفي المتدرّج في الكويت رسمياً ، الأقدمية وحدها لا تكفي. واجب على الطبيب إجتياز مجموعة من الإختبارات التي هي إما شرط لإجتياز مرحلة في برنامجه التدريبي (إختبارات البورد) ، أو كإختبار مستقل (الزمالة الملكية MRCP مثلاً).

المقصود بالطبيب "المتفوق" هنا هو من لا يقتنع بثبات مسماه الوظيفي. و إنما يقدم الاختبارات واحداً تلو الآخر و يجتهد في عمله ليترقى سريعاً. بينما الطبيب "بلا طموح" يبقى كما هو ، بنفس مسماه الوظيفي لسنين طويلة. و هو راضٍ و سعيد بمكانه. لذلك من المألوف في مستشفيات الكويت ان نرى "طبيب إستشاري" عمره ٣٥ سنة ، بينما زميله "طبيب مسجّل" (رجسترار) عمره ٦٠ سنة. 

بالرغم من صعوبة الترقية على الأقدمية فقط ، إلا أن القطاع الحكومي المدني في الكويت متميّز "بالأمان وظيفي" (job security) بعكس الحال في القطاع الخاص أو في دول الغرب. بمعنى أن فَصل الطبيب الوافد عن العمل (التفنيش) صعب. بينما فصل المواطن عن العمل أقرب إلى المستحيل. الأمر الذي -إلى حد ما- شجَّع على الكسل و ضعف الإنتاجية. وهذا ليس سراً.

"التوحد" متلازمة ذهنية معروفة و ذات طيف واسع. يتم تشخيصها في الأطفال منذ سن مبكرة. تتراوح فيها درجة الإعاقة من الشديد إلى البسيط. و منها تفرعات متنوعة مثل متلازمة أسبرجر. المتوحد لديه صفات عديدة يعرفها الخبراء المختصون. جسّدت السينما الشخصية التوحّدية في فيلمين. الفيلم الأمريكي "رجل المطر" (rain man) بطولة دستن هوفمان. و الفيلم الهندي "إسمي خان" (my name is khan) بطولة شاه روح خان.

المتوحد لديه صفات سلوكية محددة. أبرزها الصفات الثلاثة التالية.

١. المتوحّد يعيش في عالمه الخاص به.
الإنسان "الطبيعي" كائن إجتماعي. لا يكفيه التعايش مع الغير. و إنما يهمه الإنتماء لمجموعة من الأفراد. سواء كانوا من نفس العائلة/القبيلة أو الجنسية أو المهنة أو حتى الهواية. يخالطهم و يجالسهم و يتطبّع بطباعهم. ينعكس هذا السلوك الإجتماعي حتى على أمثالنا الخليجية الدارجة. "الجنّة بدون ناس ما تنداس" أو "الروح تبي أرواح". حتى حملة غِراس لمكافحة المخدرات شعارها "الصاحب ساحب" بمعنى أن الفرد يتطبّع بطباع أصحابه.

بيئة العمل في مستشفيات الكويت الحكومية تهيمن عليها عقلية الكسل. الرواتب ثابتة. و الحوافز -إن وُجِدَت-  ضئيلة لا تستحق العناء. لذلك أصبح الكسل فن. و التهرب من العمل فن. و التسيّب فن. فنون كهذه لا يتقنها إلا الطبيب الوقح البليد عديم الطموح. الطبيب المجتهد الطبيعي للأسف يتسيّب  تدريجياً على مدى شهور و سنوات ، إذا جالَسَ زميله البليد. 

بينما الطبيب المجتهد المنعزل عنهم. الذي يعيش في عالمه الخاص به. يركز على تحقيق أهدافه. لا ينسى من أين أتى (شرح ذلك يأتي في مقال آخر). و لن ينسى وجهته. ينجح عادةً في اختباراته بسرعة و في زمن قياسي. 

٢. المتوحّد يفهم الكلام حرفياً.
جَرَت العادة في دول العالم الثالث أن القوانين فيها نوعان.

قوانين رسمية: مكتوبة على الورق و لكن لا يحترمها و لا يطبقها أحد.
و قوانين أخرى ضمنية عُرفية: مكتوبة بين السطور. يلتزم بها و يطبقها الجميع. 

على سبيل المثال لا الحصر...
قانون رسمي: الطبيب يلتزم بحسن الهندام و ربطة العنق (الكرفتة).
قانون عُرفي: الطبيب يرتدي ما يحلو له من لباس (حتى لو بيجامة النوم) طالما انه يرتدي فوقها المعطف الأبيض. 

قانون رسمي: المحاضرة الفلانية الحضور فيها إلزامي لنشر الفائدة.
قانون عُرفي: إذهب الى قاعة المحاضرات. اكتب إسمك في قائمة الحضور و إنصرف. إرجع عند نهاية المحاضرة لتستلم شهادة الحضور.

الطبيب الطبيعي إذا باشَر عمله في بيئة عمل جديدة ، يبقى يقِظاً بكل حواسه منتبهاً للقوانين العُرفية المتداولة في المكان و يطبقها. ليندمج بذلك مع "القطيع". بينما الطبيب التوحدي يطبق القوانين الرسمية فقط. لا يستوعب القوانين العُرفية لأنه بطبيعته لا يجيد قراءة ما بين السطور. لذلك لا يفهم حتى النكتة أو السخرية بسهولة مثلاً. لأن النكتة فقط مضحكة بمعناها الضمني المبطّن. 

٣. المتوحّد يلتزم بنفس الروتين أبداً دون ملل.
إذا تعلّمَ الطفل التوحدي عادة معيّنة في وقت محدّد ، يلتزم بها و بأوقاتها و لا يغيرها مهما كانت الظروف و بدون ملل أو توقف. فإذا كان يشاهد التلفزيون الساعة السابعة كل يوم ، معناها الساعة السابعة إذا لم يشاهد التلفزيون ... تنقلب الدنيا عاليها أسفلها! تعلّم الروتين من الممكن أيضاً أن يكون مفيداً كتعليم الصلاة في أوقاتها مثلاً. 

طبيعة عمل الطبيب روتينية تكرارية. يقوم بخطوات العمل نفسها مع كل حالة مرضية: فحص المرضى. تعبئة السجلات الطبية. طلب الفحوصات. متابعة النتائج. إستنتاج التشخيص. إجراء العملية المطلوبة. وصف الأدوية. متابعة في العيادة الخارجية. و هلم جرا. 

الطبيب الطبيعي مع الوقت يصيبه الملل من هذا الروتين. ليبدأ تدريجياً بكروَتة العمل و توزيعه على بقية الزملاء. يرمي جزءاً من عمله على الأطباء الأصغر منه بحجة "إحنا عايزينك تتعلم" ، و يرمي جزءاً آخَر من عمله على الأطباء الأكبر منه بحجة "حضرتك صينيور و فاهم كل حاجة". هذا بالإضافة إلى ميوله للإختفاء من رأس عمله و تواجده في مكانين لا ثالث لهما: الكافيتيريا و غرفة الخفارة. هذا غير الإستعباط المحترف. على سبيل المثال ، الواحد منهم عضو فعّال مشارك في كل برامج التواصل الاجتماعي. فيسبوك و تويتر و انستغرام و سناب تشات. لكن إذا أردتَ إرسال قرار إداري له بالبريد الاليكتروني، قال لك "ما عنديش إيميل". 

الطبيب التوحدي يلتزم بالروتين كما هو منذ سنة الإمتياز إلى التقاعد. نفس البروتوكول بنفس خطوات العمل. يرتدي الزي الرسمي كاملاً مع حسن الهندام يومياً. لذلك ترى شغله كاملاً نظيفاً و يبرّد القلب. بلا كروَتة ولا إستعباط.

التوحد إعاقة شديدة. و لا توجد أخبار أسوأ من أن نقول للوالدين أن ابنهما فيه توحّد. لكن الصفات "التوحدية" التي ذكرتها تميّز الطبيب الناجح عن الفاشل في بيئة عمل نفس بيئتنا. 

فإذا سألني أحد الزملاء الطموحين عن سر التفوق. لن أقول له "ادرس الكتاب الفلاني" أو "شد حيلك و إجتهد". و إنما سأقول له "خلّك توحدي".
   

الثلاثاء، 15 ديسمبر 2015

متلازمة باريس

سافرتُ مؤخراً لحضور مؤتمر للقسطرة القلبية في مدينة لم أزرها من قبل. حجزت للفندق عن طريق الموقع الشهير "بوكنغ دوت كوم" (booking.com). الفندق كانت أسعاره مبالغ فيها. على أساس أن مستواه ٤ نجوم و قريب جغرافياً من مبنى المؤتمر.

عندما وصلتُ البلد بعد رحلة شاقة ، و ركبت سيارة الأجرة في المطار و وصلتُ الفندق ، أخرجتُ محفظتي لأحاسب سائق التاكسي. الذي قال لي أنه يريد إكرامية (بقشيش) فوق ثمن الأجرة التي حدّدها "عدّاد" السيارة. و الإكرامية التي إقترحها اللئيم كانت نصف ثمن الأجرة. ياللوقاحة! أعطيته إكرامية بسيطة و اعتذرت عن دفع المزيد. تركَني و هو "زعلان".

دخلتُ الفندق و صُدِمت. فإذا به فندق بسيط جداً لا يتعدى مستواه الثلاث نجوم ، مقارنة بفنادق دبي مثلاً. لم أرَ في بهو الفندق -اللوبي- أحداً غير موظف الاستقبال الذي قال لي أن الخدمة كانت "ذاتية". بمعنى أنني أسحب حقيبتي بنفسي الى غرفتي بعد استلام المفاتيح. إذ لا يوجد حمّال أو حتى بوّاب في الفندق. لا أدري كيف دفعت ثمن إقامتي لهذا الفندق الباهظ الثمن ببطاقتي الائتمانية. لو كنت أعلم بمستواه لما فكرت بالإقامة فيه

بعدما وضعتُ حقيبتي في الغرفة أردتُ استكشاف المدينة. فالجو كان رائعاً. الحرارة القصوى وقت الظهيرة لم تتعدّ ٢٥ درجة مئوية. لكن شوارع المدينة للأسف كانت قديمة بالية قذرة. رائحة المجاري الفواحة كان من الصعب تجاهلها. في كل زاوية و ممر كنت أرى المشرّدين. منهم النائم متوسداً الرصيف. و منهم الجالس و في يده زجاجة خمر مغلفة بكيس. و منهم من يتسوّل من المارة و يصرخ في الهواء باكياً دون سبب بين الحين و الآخر.
المشردون يملؤون الشوارع
تناولت الغداء في مطعم مجاور للفندق. و بعدما دفعت قيمة الوجبة ، رفض النادل -الجرسون- قبول الفاتورة بدون "بقشيش". و فسّر لي أن مبلغ البقشيش يعادل ضِعف ضريبة المبيعات التي كانت ١٠٪ من قيمة الفاتورة أصلاً. قلت له "ما عندي خردة (فكّة)" فقال لي تلقائياً "لا تقلق ، إدفع البقشيش بالبطاقة الإتمانية ، أو نقداً و نحن سنعطيك الفكّة". و رفض خروجي من المطعم قبل دفع البقشيش. إقشعر بدني. إذ أنني لم أتوقع سلوكاً بهذه الوقاحة.  

بقيتُ في هذه المدينة التعيسة أسبوعاً لحضور فعاليات المؤتمر. بعد ذلك رجعتُ الكويت فرحاً بترك تلك المدينة التعيسة. بدون مبالغة ، أفضل جزء في كل الرحلة كان السفر على متن طيران الإمارات الرائع في الإقلاع و العودة! ناهيك عن التسوق في مطار دبي المترامي الأطراف منقطع النظير.
الطائرة في مطار دبي الدولي

إذا إعتقدتَ من هذه القصة ان المدينة التي سافرتُ إليها كانت القاهرة أو طهران أو مومباي ، فأنت مخطيء. إنها كان مدينة سان فرانسيسكو في ولاية كاليفورنيا في الولايات المتحدة الأمريكية. سان فرانسيسكو التي سوّقتها لنا أفلام هوليود على انها جنة الله على الأرض. سافرتُ إليها متحمساً ، و رجعت منها خائباً. ربما أكثر فيلم جعلني معجباً بهذه المدينة كان "ذا روك" (The Rock) بطولة نكلاس كيج و شون كونري و إد هارس.



إستكشفت معالم المدينة خلال زيارتي القصيرة. جسر البوابة الذهبية (Golden Gate Bridge) الذي أضحى رمزاً للبلد و قبلة الزوار. و مقطورة سكة الحديد التي تعمل منذ سنة ١٩١٢ ، و جزيرة ألكتراز التي تحوي السجن المشهور بنفس الإسم. و مرسى ٣٩ (Pier 39). عندما رأيت هذه المعالِم المُهمَلة التعيسة ، رأيتُ فيها "بقايا" أمّة عظيمة. مثلما نرى إهرامات الجيزة في مصر أو تاج محل في الهند. لم تثر إعجابي و لا إهتمامي بعكس توقعاتي. جسر البوابة الذهبية المعلق كان تصميماً هندسياً رائعاً وقت بنائه. لكنه ليس بالعظَمة التي توقعتها.

مقطورة سان فرانسيسكو الشهيرة
جزيرة ألكتراز


جسر البوابة الذهبية

بجانب الفندق "ساحة الإتحاد" (union square) في وسطها عمود عال عليه تمثال لإمرأة واقفة. حول الساحة بضع مجمعات تسوق مع بعض المطاعم. كتيّب الدليل السياحي أطلق على هذه الساحة "جنّة التسوق" (shopping heaven).  الظاهر المسكين الذي كتب هذا الدليل لا يعرف مجمع الأفنيوز في الكويت ، الذي يفوق مجمعات ساحة الإتحاد في المساحة و تنوع البضائع و كثرة المحلّات.

ساحة الإتحاد "جنة التسوق"
بعدما رجعت الكويت ، سردتُ حكايتي هذه لأحد أقاربي الذي درس في أمريكا خلال عقد الثمانينات من القرن الماضي. قصدت الحديث معه بالذات لأنه كان -و لا يزال- يحب أمريكا و كل ما له علاقة بأمريكا

رأيتَ المشردين في كل مكان؟ تصدق يا بدر ، هؤلاء المشردين أكثرهم محاربون قدامى في الجيش الأمريكي (veterans) تم تسريحهم بعد انتهاء خدمتهم و إنتهى بهم الحال في الشوارع. أدمنوا الخمر و المخدرات بسبب ما رأوه خلال خدمتهم العسكرية. أنا كلما رأيت أحدهم أعطيته ١٠ دولارات صدقة. هم حاربوا من أجل هذا البلد و "يستاهلون" هذه الصدقة.

الكل يلاحقك و يطالبك بأكرامية؟ يا أخي الأمريكان مساكين. فالأزمة الإقتصادية التي عصفت بهم أرهقتهم مالياً و أنا لا ألومهم على سلوك كهذا

مجمعات التسوق في أمريكا لم تعجبك؟ طبعاً مجمعاتهم لن تعجبك. لأن الأمريكان الآن يتسوقون بكبسة زر عن طريق الانترنت "أونلاين" مع خدمة توصيل للمنازل دون الحاجة للتسوق خارج المنزل. 

و بعدما سمع ما قلته عن قذارة شوارع سان فرانسيسكو و إهمال المعالم السياحية فيها ، ختم حديثه لي بعبارة "أنت أصلاً ما يعجبك شيء".


ما علاقة هذه القصة بعنوان المقال؟
اليابانيون وصفوا حالة مقاربة لتجربتي في سان فرانسسكو. أطبقوا عليها متلازمة باريس (Paris Syndrome). اليابانيون فكرتهم عن باريس أنها عاصمة الجَمال. كل الناس جميلة المظهر طويلة القامة ، رائحتهم عطر "كوكو شانيل". الجو ربيعي خيالي طوال العام. كل البيوت و الشقق تطل على برج إيفل. و عندما يسافر السياح اليابانيون إلى باريس يرونها على حقيقتها. مدينة أوروبية عادية جداً. أهلها وقحين بسبب غلاء المعيشة. رائحتهم نتنة لأنهم لا يستحمون كثيراً. يعانون اليابانيون المساكين من صدمة الواقع بعد ذلك لأنهم شاهدوا باريس على حقيقتها.

يظن البعض أن "البحث العلمي" محصور بالعباقرة و أذكياء القوم فقط. الأمر ليس كذلك إطلاقاً. البحث العلمي بكل بساطة هو "نمط تفكير" تم تصميمه و تعديله و تنقيحه على مر السنين. الغرض الأساسي منه أن لا نخدع أنفسنا عندما نحاول فهم العالم من حولنا. أو بالكويتي البسيط "ما نقِص على روحنا". أو مثلما قال الفيزيائي الراحل ريتشارد فاينمان "لا تخدع نفسك. فأنت أسهل شخص ممكن تخدعه". 

البحث العلمي طريقة مقنّنة لوصف الأمور كما هي ، و ليس كما نتمناها. عقل الإنسان ملىء بالمغالطات الفكرية و المعتقدات المتناقضة و الأحكام المسبقة و الأنماط العوجاء التي تشوش التفكير السليم. نحن مواطني العالم الثالث لسنا أقل من الغربيين في الذكاء. بل نحن ربما نتفوق عليهم في مجالات عديدة. المشكلة ليست في الذكاء ذاته ، و إنما في طريقة التفكير غير العلمية التي حجّمتنا و قصّصت أجنحتنا عبر الأجيال و جعلتنا "نبدو" متخلفين. سأضرب بضعة أمثلة من القصة المذكورة.

١. الانحياز التأكيدي (confirmation bias).
ربما أشهر مغالطة فكرية عندنا. نحن نتغاضى عن النتائج التي تناقض معتقداتنا ، بينما نعلن على النتائج التي ترسخها. أو كما قال الإمام الشافعي...
عين الرضا عن كل عيب كليلة ... لكن عين السخط تبدي المساويا

كالأم التي لا تعاقب ابناءها على غلطة ارتكبوها و تلتمس لهم العذر. بينما زوجة الأب تعاقب أبناء زوجها و بقسوة على الغلطة نفسها. مبدأ إزدواجية المعايير (double standards) بهذه الطريقة غير علمي وغير أخلاقي. قريبي المتيّم بأمريكا كان يبرر كل ظاهرة سيئة ذكرتها في تجربتي في سان فرانسيسكو.

نحن على سبيل المثال نتضايق من الجرسون المصري اذا طلب منّا بقشيش بأدب. لكننا نلتمس العذر من الجرسون الأمريكي إذا طالَبَنا بدفع بقشيش له بقلّة أدب.

٢. الدراسة العمياء (blind study). 
لقد تعمدت عدم ذكر إسم المدينة في بداية القصة. فعندما تدرس موضوعاً ما بدون احكام مسبقة ، سيكون حكمك حيادياً أكثر. في الطب مثلاً، عند تقييم فعالية دواء جديد في السوق ، يتم إعطاؤه للمريض دون ذكر إسم الدواء. ذلك كي لا يتدخل "العامل النفسي" في الحكم على المفعول الفعلي للدواء المجرّب.

٣. مهاجمة "ذات الشخص" (ad hominem).
إحدى الخدع التي يستخدمها أهل المحاماة و السياسة على حد سواء ، مهاجمة "ذات الشخص" بدلاً من مهاجمة الفكرة. خدعة رخيصة فعلاً و تعتبر ضربة تحت الحزام. لكنها خدعة لا يعلمها الجميع. عندما قال لي قريبي "أنت أصلاً لا يعجبك شيء" فهو هاجم ذاتي مبرراً بذلك أنني متشائم بطبعي ، و "ما يعجبني العجب و لا الصيام في رجب" و بالتالي لن تعجبني أي مدينة أزورها مهما كانت جميلة.

ماذا لو إستخدمت الطريقة العلمية في البحث و حاولت وصف أمريكا كما هي؟ ربما سألخصها كالآتي:

١. الإعلام الأمريكي (هوليود) قوي و جبار.
 دور السينما في العالم كله مفتوحة للأفلام الأمريكية التي تصور لنا ان أمريكا الفردوس الأعلى. دول أخرى في العالم تفوقت على أمريكا في عدة مجالات و تقدمت عليها بمراحل. لكن الإعلام في هذه الدول ضعيف. حتى بعض هذه الدول تكره الإعلام أساساً و يفضّل أهلها العمل بصمت ، و أشهرها الدول الاسكندنافية. روعة الإعلام الأمريكي في إقناع الناس الذين يعيشون في جهنم أنهم يعيشون في الجنة. يقنعونك بأن الأسود أبيض. و إذا لم تقتنع ، معناها المشكلة فيك. حتى لو كانت المشكلة في غيرك

٢. أمريكا كانت فعلاً أعظم أمة على وجه الأرض.
لأنها كانت في سباق تكنولوجي أسطوري مع العملاق السوفييتي في الحرب الباردة. خصوصاً في التسلّح النووي و التعليم و غزو الفضاء. بعد إنحلال الاشتراكية و إنهيار السوفييت ، تغيّرت المعادلة قليلاً بسبب زوال الخصم. مثلها في ذلك -إلى حد ما- مثل الزوجة الأولى التي تنافس الزوجة الثانية للحصول على رضا الزوج. هذه المنافسة تنعدم و تزول اذا طلّق الرجل زوجته الثانية. طلاق الزوجة الثانية ربما سيجعل الزوجة الأولى تهمل زوجها. لأن الخطر الذي كان يهدد وجودها قد زال.

٣. دوام الحال من المحال.
ماذا كانت أمريكا في حقبة السبعينات و الثمانينات؟ و بالمقارنة ، ماذا كانت دول الخليج العربية في تلك الفترة؟ أمر طبيعي لكل من درس في أمريكا في تلك الحقبة أن يكون مسحوراً بها. لكن العولمة (و خصوصاً الانترنت) غيّرت قوانين اللعبة و رجّحت الكفة تجاه من يملك مالاً أكثر للإستثمار

في وقتنا الحاضر ، مقهى "ستاربكس" في الكويت أنظف و أرقى و أجمل من أي مقهى "ستاربكس" في أمريكا. أحد معارفي يعمل في مجال الترويج السياحي لأمريكا. فسألته مستغرباً "أمريكا محتاجة ترويج سياحي؟" فقال لي "المنافسة في السياحة شديدة هذه الأيام ياخوي. خصوصاً سياحة دول شرق آسيا". هذه حقيقة و ليست رأيي الشخصي. ليس التحدي في الوصول الى القمة. و إنما في البقاء على القمة.

للأمانة ، بالرغم من كل تلك المساويء. تظل الولايات المتحدة أمة عظيمة متميزةو ذلك للأسباب التالية:

أ. الأدب العام.
بغض النظر عن قصة "البقشيش" التي ضايقتني. الأمريكان بشكل عام مؤدبين في التعامل. يقفون في الطابور. يحترمون النظام. يرحبون و يصافحون الغريب وقت التحية و يحتضنون أحبائهم. يعملون بأخلاق مهنية عالية (بروفيشناليزم professionalism). يتعاملون بعبارات مهذبة مثل "آسف" (Sorry)، "المعذرة" (Excuse me)، "من فضلك" (Please) و "سيدي" (Sir) .

ب. إحترام الحرية الشخصية.
الأمريكي يرتدي ما يتمناه. يعتنق الدين الذي يعجبه. يرسم على جسمه الوشم الذي يريده. يعيش نمط حياته بالطريقة التي تريحه. دون الخوف من الضغوط الإجتماعية المتخلفة الموجودة في بعض بلداننا. الحرية الشخصية في أمريكا يحميها الدستور.

ج. السوق المفتوح.
أمريكا سوق كبير و مفتوح بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. المعيار الوحيد للنجاح فيها هو الكفاءة. فالذي لديه سلعة مطلوبة و مرغوبة ، سيبيع منها كميات كبيرة و يصبح مليونيراً في زمن قياسي. الفرص متوفرة للكل. بغض النظر عن الأصل و الجنسية و الدين و غيره. السوق المفتوح له ميزاته و أخطاره أيضاً.