الأحد، 29 ديسمبر 2013

ليست الأشياء كما تبدو

الظاهر رقم ١
"عبدالوهاب" شاب وسيم طويل القامة. هو في الواقع أطول شخص في العائلة. 
وسامته تتمثل في حجم يديه الكبيرتين و بروز جبهته و عرض فكّه. 

الظاهر رقم ٢
"محمد" و "فرج" أخوان توأم من مواليد دولة عربية. "محمد" ترك المدرسة في سن مبكرة و عمل في محل للأقمشة. بينما أخوه "فرج" أكمل تعليمه الجامعي في الهندسة و هاجر إلى كندا. محمد نجح في تجارته و أضحى تاجراً غنياً للأقمشة. لكن أمه كانت دائماً تقول له "لماذا لم تفلح في دراستك لتلحق بأخيك فرج في كندا؟"

الظاهر رقم ٣
أمم أخرى متقدمة علينا في العلم و التكنولوجيا و السياحة والإقتصاد ، بالرغم من صغر سنها.
كل إنجازاتها تشير إلى تقدمها القياسي في شتى المجالات إلى درجة مضاهاتها لدول الغرب.
البعض يظن بأنها ستستغني عن النفط كمصدر رئيسي للدخل في المستقبل القريب. 


الباطن رقم ١
طول قامة "عبدالوهاب" و ملامح وجهه البارزة و أطرافه الضخمة (Acromegaly) سببها ورم في الغدة النخامية يفرز هرمون النمو بغزارة. هرمون النمو الزائد على المدى البعيد يسبب إرتفاع في ضغط الدم و ضعف في عضلة القلب.  

الباطن رقم ٢
"فرج" تخرج من كلية الهندسة و هاجر كندا بالفعل. لكنه يعمل هناك نادلاً في مقهى. ذلك لأن شهادته غير معترَف بها في كندا. حتى إذا كانت شهادته معتَرَف بها ، التنافس على الوظائف لا يرحم. أولوية التوظيف لخريجي الجامعات الكندية المحلية. لذلك وضع "فرج" شهادته الجامعية في إطار فاخر و علّقها في شقته لتصبح جزءاً من ديكور البيت.

الباطن رقم ٣
الأمم "الأخرى" إنجازاتها الملموسة تلفت الأنظار بالفعل. تشيّد ناطحات للسحاب تبهر الأبصار. تجذب كل المستثمرين و المواهب و العقول. لكن لمحة واحدة للتاريخ القصير لهذه الأمم يكفي لمعرفة البئر و غطاه.

ليس لديها بنية تحتية. و لا دستور. و لا حقوق إنسان. المساواة فيها معدومة. تقييم الناس يتم حسب العرق و الأصل و اسم العائلة و الدين و المذهب بدلاً من الكفاءة. "الرجل" فيها هو العالم كله. بينما المرأة فيها مكسورة الجناح تعيش فقط تحت ظل الرجل لتخدمه.
هذه الأمم لديها برلمان صوري بديمقراطية زائفة (هذا إذا كان لديها برلمان أصلاً).

هذه الأمم تعتقد بأن المال يشتري كل شيء.
لذلك تشتري اللاعبين المحترفين لمنتخباتها. و تشتري العلماء للتدريس في جامعاتها.
و تشتري الطائرات المدنية (و الطيارين أيضاً) بالجملة لدعم أسطولها الضخم. 
و تشتري بالمال أهل الإختصاص لكل إختصاص. 

أما عن وضع الإعلام في هذه الأمم فهو المضحك المبكي. 
تغطيتها الإعلامية مكثّفة لأي إنجاز ضخم. و تعتيمها الإعلامي لأي فضيحة أو فساد فيها.

لا تدرك هذه الأمم بأن كاميرات الهواتف النقالة و الانترنت تفضح أي فساد مستور في عصرنا هذا. 
الإعلام في هذه الدول يشابه الأم التي تفرض على أبنائها الإبتسام أمام الكاميرا لإقناع العالم بأن حياتها الأسرية سعيدة. أو الممثل الكوميدي الذي يصفّي كل من لا يضحك على نكاته ليقف أمام جمهوره المرعوب ليضحك على أي نكتة مهما كانت "بايخة".

"علاقتنا بالغرب هي كالعلاقة بين التلميذ و الأستاذ. بينما علاقة العرب بالغرب هي كالعلاقة بين البائع و المشتري".
هذه الحكمة البليغة منسوبة إلى أسد ماليزيا "د. مهاتير محمد" (لا أعلم إن كانت حقاً حكمته).

القصد من هذا المقال أن ظاهر الأمور غير باطنها. و الأشياء ليست كما تبدو. و ليس كل ما يلمع ذهباً.

الأحد، 15 ديسمبر 2013

متميّزون محلّيون

  بين الحين و الأخر ربما نصادف رجلاً كبيراً في السن يفتخر بأنه كان يعرف أحد عظماء عصره. مصطلح "عظماء" أقصد به ناس صنعوا التاريخ بإنجازاتهم. في أغلب الأحيان نجد الكثير من أترابهم في الساحة ، لكن العظيم منهم يبرز عن البقية: إما بموهبة نادرة ، أو موقف بطولي ، أو اختراع ثوري ، أو مبادرة فريدة من نوعها.    

في رأيي المتواضع ، تاريخ كل العظماء يحوي عنصرين رئيسيين:
١. مواجهتهم لعقبات و صعاب من كل الأنواع. بمعنى أن طريقهم لم يكن سهلاً.   
٢. كيف تصرفوا / عالجوا / كافحوا / عاندوا هذه العقبات بتسخير الوسائل المتوفرة لديهم. 

  في أول سنة لي خلال غربتي في إيرلندا،  تعرفت على زميل عزيز أكبر مني سنّاً إسمه "عمّار جعفر". كنتُ مراهقاً مغترباً وحيداً غير معتاد على الحياة دون أهلي. عمّار إعتنى بي في تلك الفترة وكأنني أخاه الأصغر. في شقته (حيث كنا ندرس معاً) كانت هناك صورة شخصية على الرف لطفل يشبه عمّار كثيراً. سألت عمّار "من هذا الطفل؟" فقال لي "هذا أخي الصغير مصطفى".

  بضع سنوات مضت. و لم يبق على تخرجي الكثير. قابلت في شقة عمار فتى يافع يشبه عمّار في نبرة الصوت. قال لي بأنه "مصطفى". مصطفى الطفل الصغير الذي كانت صورته على الرف! أتى إلى دبلن لدراسة الثانوية العامة الإيرلندية. طبعاً كل من درس في الخارج يعرف عقبة دراسة اللغة و تحدياتها. ذلك لأن الإنجليزي الذي درسناه في مدارس الكويت آنذاك يختلف عن الإنجليزي "الفعلي" في المملكة المتحدة و ايرلندا.

  ساعدت مصطفى في تعلّم اللغة. هذا أقل شيء قدمته مقابل مساعدة أخاه لي في بداية غربتي. أبهرني بسرعة إستيعابه للمفردات و القواعد و اكتسابها في زمن قياسي. لتقوية اللغة ، نصحته بالقراءة. كانت كتب علوم البحار تحوز على إهتمامه أكثر من أي كتب أخرى. مرت السنوات. و انشغل كل منا في الحياة و متاعبها. في يوم من الأيام لفت نظري في قناة الراي و مجلة "ليالينا" شخص متميّز. وجهه لم يكن غريب عليّ. إسمه "كبير مدربي الغوص الكابتن مصطفى جعفر".

كبير مدربي الغوص الكابتن مصطفى جعفر

  بعدما تخرجت و توظفت في الكويت ، إلتحقت بالبورد الكويتي للأمراض الباطنية (Internal medicine). في سنتي الأولى بعد تخرجي تعرفت على طالب للطب اسمه "جراح الطبيّخ" من جامعة الكويت. كان يحمل في يده رسومات جميلة. سألته "أنت الذي رسمتها؟" هزّ رأسه بالإيجاب. من يومها أصبحنا أصدقاء تجمعنا هواية الرسم و قراءة القصص المصورة (كوميكس).  

  بعدما تخرج د. جراح ، أراد الإلتحاق ببورد الأشعة في الكويت (Radiology). إيماناً منه بأنه سيجد ضالته المنشودة في هذا التخصص. في تلك الفترة كان قد أسّس لنفسه سمعة طيبة في الوسط الطبي بإحترافه للرسم و توظيفه في عدة مجالات منها التوضيح الطبي (Medical illustration) و رسم القصص المصورة خارج النطاق الطبي أيضاً (أسطورة المرأة الأفعى).

  صُعِقَ في المقابلات الشخصية عندما رفضوه مسئولو البورد دون إبداء الأسباب. هذا أمر عادي في الكويت. فمستشفياتنا تعتمد على العمالة الأجنبية في كل التخصصات. و بالرغم من قلة الأطباء الكويتيين نسبياً و إنخفاض المنافسة ، إلا أن "أصحاب" البورد يقبلون فلان و يرفضون علان حسب أجندتهم الخفية دون معايير واقعية ملموسة.

  "لا يضيع حق وراءه مطالب". هذا ما آمن به صاحبي الذي أوصل شكواه على هذا التعسف إلى أعلى المراكز و حصل على حقه بالإلتحاق بالبورد متأخراً عن دفعته ببضعة أشهر. مسئول البورد المحلي في تلك الفترة أرسل له رسالة فحواها بين السطور "لا تتوقع أنك إذا مشّيت كلامك علينا معناها إحنا بنسكت عنك". بدأ معه بعد ذلك مسلسل التطفيش المشهور جداً في كل الجهات الحكومية.

 وقتها كان باب الإبتعاث لبورد الأشعة في ألمانيا مفتوحاً. انتهز صاحبي الفرصة و سافر إلى ميونخ ليبدأ صفحة جديدة هناك. فماذا كانت النتيجة؟ أصدر كتابين في تخصص الأشعة من دار سبرنغر العالمية للنشر (موقع أمازون ١ ، موقع أمازون ٢). هذا غير مجموعة لا بأس بها من الأوراق العلمية.

 لو كان مقبولاً في بورد الأشعة في الكويت ، هل سيتسنّى له إصدار هذه المؤلفات؟  
بعد إصدار كتابه الأول (Congenital Diseases and Syndromes) قابل د. جراح بالصدفة أحد "الجهابذة" الذين ساهموا في تطفيشه. قال له "سمعنا عن كتابك. بغينا نسخة منه عشان ندرّسه لتلاميذنا". أتوقع لسان حال د. جراح قال حينذاك "تو الناس!".

د. جراح الطبيّخ.
  أحد إخواني كان و لا يزال يذهب إلى "الديوانية" مرة كل أسبوع. و في إحدى المرات عرض علي الذهاب معه. كانت "ديوانية" تختلف في قالبها عن بقية الدواوين الكويتية التقليدية. رواد الديوانية جامعيين تخصصاتهم متشابهة و أعمارهم متقاربة و ثقافتهم كانت بالدرجة الأولى باللغة الإنجليزية. عددهم محدود و يجمعهم كلهم شغف واحد: التكنولوجيا. عرّفني أخي على صاحب الديوانية. إنسان محترم دمث الخلق. أسلوبه في الحديث هاديء متروّي ، يذكرني كثيراً بأسلوب الفلكي الراحل كارل سيغن.

د. محمد قاسم
   صاحب الديوانية كانت له نظرة تختلف عن باقي أصحابه. أراد نشر المعرفة بين الناس الناطقة بالعربية دون الحاجة بالضرورة لتعلم لغة أجنبية. العالم العربي في العلوم ، مقارنة بباقي دول العالم في مؤخرة الركب. و السكوت على الجهل يساهم في تعزيزه. لذلك قرر صاحب الديوانية نشر المعرفة و العلم و التكنولوجيا عن طريق الإنترنت بتأسيس "السايوير بودكاست" الذي لديه الآن آلاف المستمعين من كل أنحاء لعالم. هذا الإنسان هو د. محمد قاسم.    

  عندما كنت طبيباً باطنياً (قبل تخصصي في أمراض القلب)، قابلتُ رجلاً رزيناً متواضعاً في منتصف العمر في العيادة الخارجية للمستشفى. كان متابعاً لأحد أقاربه المرضى. أجريتُ لقريبه اللازم من إجراء الفحوصات و صرف العلاج المطلوب. تابعتُ معه حالة قريبه على مدى الأشهر التالية. كان هذا الرجل دائم الإبتسامة مهما كانت ظروفه صعبة. لحيته البيضاء الخفيفة كانت تخبيء نضالاً قديماً لم أعرفه آنذاك. 

  كنت أتصفح إحدى الجرائد في نهاية الأسبوع. و إذا بي رأيت مقابلة طويلة لأديب كويتي معروف بحملته لتشجيع حب القراءة لدى الأطفال. هذا الأديب له مساهماته أيضاً في السوق ، خصوصاً في مجال القصة القصيرة. اتصلت به فور قراءتي للمقابلة. سألته "لمَ لم تقل لي أنك أديب معروف؟". قال لي " أنت رأيتني على حقيقتي و هذا كافي". هذا الشخص هو الأديب الكويتي وليد المسلم.  



  الإنترنت تحوي سيرة العظماء من كل زمان و مكان. الويكيبيديا بالذات مليئة بقصصهم. و لكنني في هذا المقال اكتفيت بالتعريف عن بعض هؤلاء العظماء من بلدي. حصل لي شرف التعرف عليهم شخصياً. معرفتهم مكسب لي لأنهم غيروا حياتي مثلما غيروا حياة الناس. الفرق بيني و بين الغير ، أنني أقول بكل فخر "إي أعرفه. فلان صاحبي". البعض يساهم في إبراز إسم الكويت في سجل الإنسانية. لكن العظيم منهم يبرز إسم البلد أكثر من غيره.

الاثنين، 2 ديسمبر 2013

انت غلطان

  بيئة عملي تتطلب التعرض للأشعة السينية (أشعة إكس) معظم الوقت. لذلك يستوجب علي ارتداء سترة واقية مبطّنة بالرصاص. هذا بالإضافة إلى استخدام نظارة طبية خاصة تحمي العيون من الإشعاع. في مقر عملي حالياً طلبت مني رئيسة الممرضات قياسات نظري كي يتسنى لهم تفصيل نظارة طبية خاصة لي. طلبوا مني فحصاً لما يسمّى بالبعد بين البؤبؤين (pupillary distance - PD).  

  ذهبتُ إلى محل للنظارات و طلبتُ من أخصائي البصريات إجراء هذا الفحص لي. قال لي أخصائي البصريات في المحل غاضباً "ممنوع بحكم القانون هنا في إقليم كيبيك قياس البعد بين البؤبؤين ، لذلك أطلب منك بأدب الرحيل". تفاجأت من ردة فعله غير المتوقعة والمبالغ فيها. فأنا لم أطلب منه تعليمي كيفية بناء ترسانة نووية مثلاً. كل ما طلبته كان قياس بسيط للعين و ذلك لمصلحة عملي بصفتي طبيب يتعرض للإشعاع يومياً.

  لأنني لا أفهم في علم البصريات ، بحثت في محرك "غوغل" عن ما قاله لي أخصائي البصريات "أبو العرّيف".  اكتشفت خلال دقائق بأن الفحص المطلوب يستغرق من الوقت عشر ثوان فقط. و لا يوجد أي قانون في اقليم كيبيك (بل و في العالم كله) يمنع هذا الفحص. منتديات أخصائيي العيون فضحتهم. وضّحت بصريح العبارة أن الزبائن يجرون هذا الفحص عندهم في محلات النظارات مجاناً و بنتائجه يطلبون نظاراتهم من مواقع الإنترنت لأنها أرخص بكثير. لذلك فرضت بعض المحلات رسوم مقابل إجراء هذا الفحص الذي كان في السابق مجاناً. محلات أخرى تشترط على الزبون شراء النظارات من المحل في حال طلب الفحص. 

القصد من هذه القصة القصيرة
  للأسف حتى يومنا هذا ، الكثير من أصحاب الخبرة و القرار يظنون بأنهم إذا أدلوا بتصريح أو أصدروا قرار ، فلن يكون هناك من يبحث في صحة تصريحاتهم و قراراتهم. طبعاً في الدول القمعية و الأنظمة الاستبدادية على كل المستويات هذا الأمر صحيح و مقبول. لأن "اللي في أمه خير" يعارض "صاحب القرار". هنا يأتي معنى "أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر". 


مقطع من مسرحية سيف العرب

  أما في دول المؤسسات و الأنظمة الديمقراطية ، المسئول محاسَب و مفضوح على كل كلمة غبية أو تصريح متخلف أو قرار جائر و متعسّف. في عصر التقنية المتسارعة و الانترنت ، المعلومات متوفرة للجميع و بكبسة زر. و اليوتيوب يصيد زلّة كل لسان. لذلك المسئول المستبد مفضوح للجميع. يا ما شاهدنا القنوات الأمريكية وهي تسخر من الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الإبن الذي كان يفتقر للفصاحة و قوة الإرتجال في تصريحاته.  

في الأوساط العلمية ، اذا استخلص العالِم نتائجه النهائية لبحثه العلمي ، أمطروه زملاؤه بالأسئلة و النقاشات التي تضرب صميم بحثه من الأساس (Peer Review). لذلك العالِم عليه مراجعة طرق بحثه و نتائجه عدة مرات قبل عرضها للعامة ليحفظ على الأقل ماء وجهه. بينما بعض علمائنا "الفطاحل" يطلقون صواريخهم  إحم ، عفواً ، يطلقون تصريحاتهم ، و يظنون بأن أحداً لن يحاسبهم. الانترنت ليست فقط منبعاً للمعلومات المجانية ، و إنما أصبحت أيضاً متنفساً لهؤلاء للأحرار المتهكمين الساخرين الذين كانت أفواههم مكممة قبل بزوغ شمس الانترنت. يستطيعون السخرية من العلماء المتسلطون تحت أسماء مستعارة و هويات وهمية.   

  باللغة الانجليزية كلمة "Authority" تعني "سُلطة" ، و تعني أيضاً "خبير" أو "عالم". ربما أصل التسمية المشتركة هي أن العالِم و السلطة لهما عامل مشترك: الناس تستمع لرأيهم و تمتثل لأوامرهم دون نقاش. سلوك الناس هذا هو جزء من سياسة "القطيع". فالجماعة بطبيعة الحال تشعر بالأمن و الأمان إذا إتبعت الشخص الفاهم. أصدقائي في المسائل الفقهية يقولون "حطها في رأس العالم و تعال سالم" (المقصود بالعالم هنا هو عالم الدين).  

رسالتي لكل "خبير" متجبّر 
١. إذا ظهرتَ  طال عمرك للملأ بهيبتك الإعلامية الجبارة و ألقابك المهنية الرنانة (دكتور / بروفيسور / عقيد / الطفل المعجزة...الخ) و أدليتَ بتصريحاتك النارية. هل تعتقد فعلاً  بأن أحداً لن يبحث في صحة كلامك أو عن مصداقية شهاداتك الدراسية أو خبرتك العلمية و العملية في مجالك؟

٢. عصر "الجدل من منطلق السلطة" (Argument from authority) راح و ولّى إلى غير رجعة.

٣. عبارة "نفّذ أوامري دون أن تقلدني" (Do as I say, not do as I do) ليس لها معنى في عصرنا الحالي.
"القدوة" يفعل و الناس تقلده. شئتَ أم أبيت.

و حتى إذا قرارات هذا المسئول المتجبر تنفّذَت. 
فهو حتماً سينقش اسمه في التاريخ ، مخلداً نفسه بقراراته الغبية غير المدروسة.

الثلاثاء، 26 نوفمبر 2013

المدرسة القديمة

 التقنيات الحديثة في تطوّر مستمر و سريع. التقنية التي يتعلمها جيل اليوم ستصبح قديمة لجيل الغد. لكن التقنية القديمة تهمّشت لسبب وجيه. لأن التقنية الحديثة أثبتت وجودها و أفضليتها من القديمة. نفس الأمر ينطبق على الجيل القديم. لنا كل التقدير و الإحترام للجيل القديم. لكن إذا الجيل القديم لم يحدّث معلوماته و مهاراته و تمسّك بمفاهيمه الغابرة ، سيهمّشه الجيل الجديد عاجلاً أم آجلاً. 

  في اللغة الإنجليزية يُطلَق على الخبير المتمسّك بالمباديء العلمية القديمة مصطلح "المدرسة القديمة" (Old School). التعبير يُستٓخدٓم كإطراء عموماً. ذلك لأن الجيل القديم عادةً يستهزيء بالطرق الحديثة لأنها غير مألوفة لديه. الجيل القديم لا يستوعب بأن العلم "ليس له صاحب". البحث العلمي في تطور مستمر. و الحقائق العلمية المسلّم بها اليوم من الممكن أن تصبح باطلة غداً و العكس صحيح :  المعلومات الباطلة اليوم ربما تثبت صحتها غداً.

  نقطة الجدل هنا أن الغرب أدرك هذه المشكلة خلال العقدين الماضيين فقط. أعني بها مشكلة الجيل القديم الذي يقمع الجيل الجديد. الجيل القديم له أسبابه الخفية و العلنية في شن مثل هذه الحرب. أياً كانت الأسباب ، هذه الحملة ضد "الدماء الجديدة" تستهلك الموارد و تعطّل التنمية و بالتالي  ليست في مصلحة البلد. لذلك الدول الغربية  تهتم الآن بتنمية أفكار و ابداعات الجيل الجديد أكثر من أي وقت مضى. 

  في حال حدوث جريمة ،  الشرطة في العقود السابقة كانت تعتمد في تحقيقها على الإستجواب المباشر و شهود العيان و بصمات الأصابع و الحدس (إحساسي يقول لي بأن فلان متورط في الجريمة). أما الآن ، وسائل التحقيق تطوّرت ، منها البصمة الوراثية بالحمض النووي (DNA)  و الطب الشرعي (Forensic Medicine) و انتشار تقنية كاميرات المراقبة في الأماكن العامة أكثر بكثير من السابق. الأمر الذي استدعى إعادة فتح ملفات التحقيق في جرائم قديمة تمت فيها إدانة أبرياء سُجِنوا لجرائم لم يرتكبوها. و تم إطلاق سراح هؤلاء الذين أثبت الدليل العلمي الحديث براءتهم من الجريمة ، لكن بعد فوات الأوان: بعدما أمضوا زهرة شبابهم في السجون. 

  نفس الوضع في الجراحة. في بعض الحالات الجراحية ، بعض الجراحين القدامى يفضّلون الجراحة المفتوحة على جراحة المناظير. بالرغم من الدليل العلمي الذي يفضل جراحة المناظير التي مضاعفاتها أقل و تعافي المريض منها أسرع و ندباتها الجراحية على الجلد أقل. 

  عشّاق المدرسة القديمة يتمسكون بها و بالسلوكيات المصاحبة لها أيضاً. أساتذة المدرسة القديمة عاشوا شبابهم في حقبة لم يكن فيها التعليم النظامي و التخصصي متوفراً و بسهولة للجميع كما هو الآن. لم تكن هناك هواتف نقالة أو انترنت. كان التعليم محصوراً  لفئة محدودة و رفيعة من الناس. الأمر الذي جعل المتعلّم (و المختص) في تلك الفترة له مكانة مرموقة و إمتيازات خاصة و معاملة مختلفة.  رأي المتعلم في أي موضوع كان حاسماً غير قابل للمناقشة أو الدحض. فلم يكن غريباً على المتعلم في تلك الأيام "نفش ريشه" على الغير. ألقاب مثل "دكتور" أو "بروفيسور" أو "مهندس" أو "محامي" كان لها وقعها على الأذن في فترة كانت أعلى شهادة دراسية عند أغلب الناس هي الثانوية العامة.

"سلوكيات" المدرسة القديمة من الممكن تلخيصها في النقاط التالية:
١. إزدواجية المعايير منهج حياة.
٢. مبدأ "القيادة بالقدوة" مرفوض. 
٣. الإهتمام بالمظهر أهم من الإهتمام بالجوهر.
 ٤. العبقري الأجنبي دائماً أفضل من العبقري المحلّي.
٥. الصورة الإعلامية للعامة يجب أن لا تعكس الواقع.
٦. إختيار رئيس البحث العلمي يتم حسب شروط معيّنة ، " الأقدمية" أهمّها ، و "الكفاءة" ليست منها. 
٧. الكبير كلمته مسموعة حتى لو كان غبياً. و الصغير كلمته مقموعة حتى لو كان عبقرياً.   
٨. الكبير يفهم في كل شيء. حتى في الأمور الخارجة عن اختصاصه (الجدل من منطلق السّلطة).
٩. الإعتماد على العاطفة و الأحاسيس و المعتقدات الشخصية و المنطق في اتخاذ القرار ، بدلاً من التجربة العلمية. 
١٠. يبقى الحال العام على ما هو عليه. القديم مقبول و الجديد مرفوض. واللي مش عاجبه يخبط راسه في الحيط!

ما هو العامل المشترك لكل سلوكيات المدرسة القديمة المذكورة أعلاه؟
سلوكيات المدرسة القديمة تشير إلى النفس البشرية "الأمّارة بالسوء". بمعنى أن الإنسان بطبيعته غالباً ما يميل إلى الفساد في قراراته لخدمة مصالحه  الشخصية ، ما لم يضع لنفسه ضوابط تردعه. و بالضوابط هنا أعني استراتيجيات البحث العلمي التي تأسّست عليها المدرسة الحديثة. أما عن سلوكيات المدرسة الحديثة فإنها عمداً تناقض كل سلوكيات المدرسة القديمة

في عالمنا العربي قبل عدة عقود ، كانت المدرسة القديمة البديل الأمثل للجهل و الأمّية و لأسباب واضحة. أما الآن ، المدرسة الحديثة بالرغم من انتشارها صورياً ، إلا أنها عاجزة عن تطوير واقعنا العربي و لسببين أساسيين:

١. أتباع المدرسة القديمة متمسكون بمناصبهم بالنواجذ و يقمعون الدماء الجديدة الناهضة.

٢. أتباع المدرسة الحديثة من جيلنا الحالي متمسكون بسلوكيات المدرسة القديمة (ما طاح ، إلا انبطح)! 

بوجود هاذين السببين ، لن ترقى الجامعات العربية إلى مستوى نظيراتها من الجامعات الغربية. و بالتالي سنظل نحتاج لإبتعاث أبنائنا و بناتنا للدراسة في الخارج و في كل التخصصات ، لا سيما الطب. صحيح أن مباني جامعاتنا آية في الجمال المعماري الحديث (خصوصاً في دول الخليج العربية) ، إلا أن العقول التي تدير هذه الصروح التعليمية لا تزال تعبد المدرسة القديمة من أيام العصر البرونزي ، وتبرمج تلاميذها عليها.  

الأحد، 24 نوفمبر 2013

خلك موهوب

في أحيان كثيرة عندما أدرّس أساسيات أمراض القلب لطلبة الطب أو الأطباء المقيمين ، يصفونني بأنني "ذكي" أو "متميّز".

و عندما أنكر هذه الصفات يصفونني بالمتواضع. المسألة أصلاً لا علاقة لها بالتواضع. الأمر الذي أوحى لي كتابة هذا المقال البسيط لأوضح وجهة نظر مهمة ربما تفيد البعض. لا سيما زملائي الأطباء في بداية مشوارهم المهني. ما سأشرحه لا يقال في قاعة المحاضرات. لكنه واقعي حتى النخاع. ربما أكثر ما يميّز الإنسان عن بقية المخلوقات رغبته في تطوير نفسه. والتطوير بالضرورة يعني تعليم الغير.

إذا أردتَ أن تجعل لحياتك معنى و رغبتَ في العلم ، ضع في بالك ثلاث أسئلة أساسية. 

السؤال الأول: من الذي يحدد مستواك و يقرر مصيرك؟

 لا يعتمد التلميذ المجتهد على أستاذه "القدوة" في اكتساب المعلومات فحسب. و إنما يهتم أيضاً لرأيه و تقييمه (بالإنجليزية feedback). فإذا قيّم المدرس تلميذه بعبارة "إبقى قابلني إزا فلحت"، ربما هذا التقييم سيؤثر على أداء الطالب في المستقبل سلبياً. 

أطلق علماء النفس على هذا التأثير مصطلح "النبوءة المحققة لذاتها" (self-fulfilling prophecy).

فإذا كان "القدوة" ذو وزن و قيمة في حياة التلميذ ، سيطبق هذا التلميذ لا إرادياً ما يتنبأ به هذا القدوة. 

لنربط الآن حقيقتين مهمتين معاً
الحقيقة الأولى: النبوءة المحققة لذاتها.

الحقيقة الثانية: البشر لا يعلمون الغيب و غير معصومين عن الخطأ. 

من الوارد جداً للقدوة  أن يكون مخطئاً في رأيه أو حكمه أو تقييمه لأداء تلميذه. هذه الإحتمالية تزداد إذا كان المدرّس لديه أصلاً تحفظات مسبقة ضد هذا التلميذ. الجانب الإيجابي لهذا الربط يفسح للتلميذ المجال لتحديد مصيره بنفسه و تكذيب "نبوءات" قدوته و ربما التفوق على أستاذه أيضاً في يوم ما.  

  في البرامج الفنية لإستعراض المغنيين المغمورين مثل "أميريكان آيدول" أو "إكس فاكتور" و ما شابهها من البرامج في اللغات الأخرى (منها اللغة العربية) تبحث عن المواهب الدفينة. لجنة التحكيم فيها تتكون عادة من ثلاث إلى أربع فنّانين مشهورين. يُشتَرط في أحدهم أن يكون وقحاً و كلامه "سم في البدن".

يستمتع و يتفنن هذا الحَكَم الوقح  في شتم و تهزيء المتسابقين الذين يفتقرون للموهبة. و يكتفي بإبتسامة فقط للموهوبين منهم (داق الثقل). فإذا كان هناك فرضاً متسابق موهوب فعلاً و لكنه لم يفز في هذا البرنامج ، فهل معناها  أن رأي لجنة التحكيم فيه كان صائباً؟ المسخرة في الموضوع أن أعضاء لجنة التحكيم أنفسهم ربما يفتقرون للموهبة. حصلوا على نصيبهم من الشهرة في الوسط الفني بوسائل أخرى غير الموهبة مثل الحظ والأقدمية و المحسوبية وغياب المنافسين في زمانهم. 

في الأوساط العلمية ، تحليل و نقاش و نقض تصريحات "القدوة" يشكّل حجر أساس البحث العلمي. و الحال لا يختلف في هذا السياق عن النجاح الشخصي و تحقيق الذات. 

السؤال الثانيأين المدرّس الممتاز؟

 عندما تخرجت من بورد الأمراض الباطنية ، أبلغتُ رئيس القسم في أحد المستشفيات الحكومية رغبتي في التخصص بأمراض القلب و  العمل في وحدة العناية القلبية (CCU) كمرحلة انتقالية قبل الإلتحاق ببرنامج زمالة أمراض القلب. قال لي "إزا كنت عايز تشتغل في وحدة السي سي يو لازم تبدأ من الصفر لأنك ما تعرفش حاجة في الألب".

  مستواي في أمراض القلب في تلك الفترة فعلاً لم يكن عالياً. لكن رئيس القسم آنذاك كان مشهوراً بتفاديه المتعمّد لتدريب أطباء البورد. و لأنه لم يذكر أسباب رفضه تدريبنا. وقع  استنتاج الأسباب على عاتقنا نحن المتدربون. المضحك المبكي في الموضوع أن هذا الإستشاري نفسه كان دائم التذمر من تدني المستوى التعليمي للأطباء المتدربين. سؤالي له: كيف تتذمر من مشكلة أنت سبباً أساسياً فيها؟ علّمني أسرار الصنعة ثم إنتقدني. لا تنتقدني قبل أن تعلمني.

مع العلم ان رئيس القسم نفسه ترقّى بشهادة عضوية الكلية الملكية البريطانية (MRCP) والتي يحصل عليها الطبيب عادةً  بالدراسة المنزلية دون تدريب مهني منظّم ومقنن. شهادة العضوية البريطانية هذه بحد ذاتها لا قيمة لها في بريطانيا حالياً. إذ أن المملكة المتحدة لديها برامجها التدريبية المهنية المكثفة المعتمدة الخاصة بها و تسمى "CSST".  

سافرت إلى المملكة العربية السعودية و التحقت ببرنامج الزمالة التخصصية لأمراض القلب للكبار (adult cardiology). و من حسن حظي أصبحت تلميذاً لأروع أستاذ لأمراض القلب: د. بهاء فاضل. 

علّمني د. فاضل التخصص على أصوله بطريقة مبسّطة أشك في قدرة الكثير على مضاهاتها. المدرس الممتاز لا يبسط المعلومة فحسب ، بل و يعمل على صقل المواهب الدفينة لدى تلاميذه. ليستوعب كل تلميذ المعلومة على طريقته الخاصة. كل تلميذ لديه مواهب دفينة تحتاج لمن يصقلها.

قال فلاسفة الشرق الأقصى منذ القدم "لا يوجد هناك طالب سيء. فقط هناك مدرس سيء"
 There is no such thing as a bad student, only a bad teacher


د. بدر المهدي (يمين): جائزة أفضل طبيب زمالة لأمراض القلب لسنة ٢٠١٢
د. بهاء فاضل (يسار) جائزة أفضل مدرس لزمالة أمراض القلب لسنة ٢٠١٢

السؤال الثالثالتكرار يعلم الشطّار

  ربما المعنى الموازي لهذا المثل في الإنجليزية هو "الممارسة سر الإتقان" (Practice makes perfect).

تعلّم مهارة جديدة أو علم جديد ربما يكون صعباً في بدايته. لكن الصعوبة تتلاشى تدريجياً بممارسة تلك المهارة. إلى مرحلة عندما تُمارَس المهارة تلقائياً دون تفكير واعٍ. لذلك الجراح الذي يمارس الجراحة منذ ثلاثين سنة مثلاً أبرَع من الطبيب المتدرب سنة أولى في بورد الجراحة.

القكرة من تكرار دراسة نفس المعلومة أو ممارسة نفس المهارة بأن التكرار يُظهِر "نَمطاً" معيّناً (pattern) في سيل المعلومات. التعرف على هذا النمط يسهّل استيعاب المعلومة. 

- في المرحلة المتوسطة (على أيامنا) تعلم اللغة الانجليزية للمرة الأولى كان صعباً جداً بالنسبة لي.

- في كلية الطب قيل لي بأن الدراسة صعبة لأنها باللغة الانجليزية ، و مطلوب مني حفظ اسم كل عظمة و عضلة و عصب و عضو في جسم الإنسان في مادة التشريح (anatomy). 

العبقرية تكمن في اكتساب المعلومات في زمن قياسي.
مثلاً بعض الأطفال الذين يتخرجون من الجامعة بشهادات الماجستير و الدكتوراه قبل سن البلوغ.

العبقرية تكمن في إبتكار مفاهيم علمية ثورية جديدة. 
مثلاً أينشتاين و نظريته النسبية.

العبقرية تكمن في في إتقان مهارة معينة دون تدريب مسبق. 
مثلاً موزارت (Mozart) و عزفه على الآلات الموسيقية.

أما الإنسان الذي يقرر مصيره بنفسه.
و يتحدّى آراء النقّاد الراغبين في إحباطه مهما كانت أسبابهم.
و يتتلمذ على يد أفضل الأساتذة في مجاله.
و يصقل معلوماته و يتقن مهاراته بالتدريب المستمر.
ربما صفاته الحميدة كثيرة. لكن "العبقرية" ليست منها. 

الأحد، 10 نوفمبر 2013

العينة المحفوظة


  يبحث علم الأحافير عن كائنات حية سادت ثم بادت. المميز في البعض منها أنها بقيت محفوظة بين طبقات الأرض و لم تتحلّل. ربما أشهرها الحيوان الشبيه بالفيل المسمى "الماموث". حيوانات الماموث عندما انقرضت حُفِظَت في الجليد بكامل لحمها و عظمها و شعرها ولم تتحلل. هنا يأتي التشبيه بالعينة المحفوظة (The preserved specimen).

 يتغرب المواطن العربي في لطلب الرزق أو العلم. ليجد ضالته المنشودة في دول الغرب. لكن الحياة في الغرب غير محصورة فقط في طلب العلم. إذ تسنح الفرصة للمغترب لإكتساب صفات فكرية غربية ربما تحتاجها العقلية العربية (و تحتاجها بشدة) منها للمثال  التواضع و المساواة و الشغف في العمل و روح الفريق والتعددية العرقية. 

 من ما لاحظته من إحتكاكي ببعض العرب في الغربة بأنهم يحرصون (بشكل إرادي أو عفوي) للإحتفاظ بعقليتهم العربية والتفاني في الدفاع عنها مهما كان الثمن و مهما طال الزمن. منهم من يعيش في الغرب لسنوات طويلة دون ممارسة لغة أهل البلد الذي أمضى أحلى سنوات عمره فيه و تخرج منه. قابلت بعض العرب المقيمين هنا في إقليم "كيبيك" الناطق باللغة الفرنسية منذ سنوات و لا يتحدثون اللغة الفرنسية إطلاقاً !

هذا الانسان العربي المغترب بشكل عام. لنرَ الآن الرجل الخليجي بشكل خاص. الخليجي في بلده يتسم ببعض أو كل السمات الآتية:

١. نشاطه البدني يتضاءل تدريجياً كلما كبر في السن.
ليصل إلى أدنى مستوياته بعد الزواج. لذلك يفضّل قضاء حوائجه بالسيارة حتى لو كانت مشاويره قريبة. 
بالنسبة له الرز (بالكويتي: العيش) هو عصب الحياة.
و الكرش رمز النعمة و الخير.

٢. المساواة مرفوضة بأي شكل من الأشكال وعلى كل المستويات.
فالكبير في السن أفضل من اليافع.
و الذكَر أفضل من الأنثى.
و الحُر أفضل من العبد.
و العربي أفضل من الأجنبي.
و قبيلته/عائلته أفضل من القبائل/العوائل الأخرى.
حتى بين أبناء قبيلته/عائلته أنفسهم ، ابن المرأة العربية أفضل من ابن المرأة الأجنبية.
و إبن الحرّة أفضل من إبن العبدة/الخادمة. (في الحوار الدارج ، الإبن المنبوذ بين اخوته يصف نفسه مجازاً على أنه "إبن العبدة").
و البشرة البيضاء أفضل من البشرة البنية أو الصفراء أو السوداء.
هذا غير الطائفية ، فأتباع مذهبه أفضل عنده من أتباع المذاهب الأخرى. 

٣. المظهر الخارجي أهم بكثير من الجوهر.
لا ضير هنا في تطوير الجوهر ، ولكن المظهر الخارجي له الأولوية دائماً.
و بالمظهر لا أعني به حسن الهندام فحسب ، وإنما بالهيبة و الكاريزما و الحضور و اللقب (دكتور/بروفيسور/صاحب المعالي..الخ). 

٤. حب القوة بحد ذاتها و احترامها من سمات العرب.
بغض النظر عن ما إذا كانت خيّرة أو شريرة. فالقوي محبوب لأنه مهيمن ، لا يجرؤ أحد على عراكه أو مساومته أو نقاشه. بينما الطيّب منبوذ لأنه "ضعيف" لا يحب المشاكل ولا يفضّل جذب العداوات. ربما هذا السبب الرئيسي لوجود العديد من محبي المقبور صدام حسين في العالم العربي إلى يومنا هذا
 
٥. الخليجي يؤمن بالميتافيزيائيات والخرافات والسحر و بشدّة.
لذلك يقضي كل حوائجه بالكتمان الشديد.
زوجته تحبل و تلد بالسر. و يترقى في عمله بالسر. كل ذلك خوفاً من الحسد.
أما إذا نزلت عليه مصيبة ، مهما كان حجمها ، فسببها بالتأكيد "عين ما صلّت على النبي".
أما إذا حصل خلاف بينه و بين أهله ، أو كان مزاجه متعكراً في يوم من الأيام ، أو كان جسده واهناً ، فذلك بالتأكيد بسبب "سحر".
و إذا كان يحب زوجته و يعشقها ولا يستطيع العيش بدونها ، فذلك بالتأكيد لأنها إستعانت بساحر ليعمل لها "عمل" تربطه به.     


يسافر الخليجي الى دول الغرب بهذه العقلية "الفريدة من نوعها" ، ليجد نفسه في عالم غريب عليه ، كأنه "ألِيس في بلاد العجائب" (Alice in Wonderland). يجد نفسه بين ناس متعددة الأعراق و الألوان و الأديان. يجمعها عامل المصالح المشتركة فقط. الغرب سئم من العقلية السطحية التافهة التي تستنزف طاقة الناس دون جدوى. حتى لو كانت رواسبها لا تزال تحت السطح.

يلاحظ الطالب الخليجي في "بلاد العجائب" رئيسه "البروفيسور جوزيف" (الكل يناديه "جو" Joe) يذهب الى الجامعة مبكراً قبل كل الطلبة كل يوم. مرتدياً ملابس متواضعة (كاجوال Casual). عندما يلقي "جو" محاضراته ، يبدأ كل درس بعبارة "ربما أكون مخطئاً ، ولكن...". الجدير بالذكر هنا أن "جو" من أصل أوروبي أبيض البشرة أزرق العينين. و زوجته سمراء عيونها مسحوبة ، أصولها كورية/هندية.  

ينبهر هذا الخليجي أكثر عندما يتمشى في الشارع في الصباح الباكر ليرى رجالاً و نساء أعمارهم فوق الستين سنة يهرولون يومياً.

في البقالات ، أسعار السجائر مبالغ فيها. و السن القانوني الأدنى للتدخين ٢٥ سنة. الأماكن العامة و الخاصة التي تسمح بالتدخين قليلة.    

في أي مكان مزدحم بالزبائن (مثلاً شباك التذاكر / الكاشير في الأسواق) الناس تقف تلقائياً منتظمة في طوابير. دون الحاجة لرجل أمن أو مسئول لتنظيم وتقنين هذه الطوابير. الغربيون تعلّموا بالتجربة أن الكل سيحصل على ما يريده بالتنظيم.

و بالرغم من معايشة هذه "العجائب" لسنوات طويلة ، يتخرج صاحبنا العربي أبو العناتر ليرجع الى الخليج مرفوع الرأس. مصطحباً معه "درزن" من الشهادات اللامعة في إطارات ذهبية. يعلقها في مكتبه للتباهي ونفش الريش. بينما عقليته "عينة محفوظة" هي نفسها لم تتغير أبداً.

- كرشه يمتد أمامه كأنه إمرأة حامل في شهرها التاسع. لأن الكرش رمز النعمة.

- آخر من يداوم و أول من يرجع بيته. 

- لا يرضى أن يناديه أحد بإسمه دون ألقاب (دكتور / بروفيسور .. الخ). 

- يرتدي أفخر الملابس دائماً في كل الأوقات ، كأنه سفير في مهمة دبلوماسية أو "جيمس بوند"!

- لا يزال ينظر إلى "كومار الهندي" على أنه دون البشر ، حتى لو كان "كومار" هذا مليونيراً أو عالِماً.

- لا يزال ينظر إلى المرأة على أنها مخلوقة فقط لخدمة الرجل. حتى لو كانت هذه المرأة أمه و أخته و إبنته.

- لا يزال ينتفض خائفاً عند سماع حديثاً عن الجن و العفاريت ، مردداً بعد انتفاضته عبارة "سكّنهم بمساكنهم".

- لا يزال يعظّم القوي فقط لأنه قوي. حتى لو كان هذا القوي ديكتاتور طاغية مجرم. يترحّم مثلاً على صدام حسين لأنه قتل "الشيعة المجوس" و يعشق هتلر لأنه حرق "اليهود أحفاد القردة و الخنازير". 

أحيّيك يا ابن الصحراء.
في النهاية لا فرق بينك و بين ابن بلدك الذي لم يتغرّب. 


خلك بائس

"عائلة البائس" تعود تسميتها قبل مائتي سنة إلى جدها "البائس الأول". لقّبَت الأسرة بذلك لفقر جدهم الشديد الذي ورّثه لأبنائه ، ليصبح "البائس" لقبهم الدائم جيلاً تلو الآخر. بسبب الفاقة ، كانت الخدمة في البيوت هي الحل الوحيد المتوفر لأبناء "البائس" في تلك الفترة. 

  وجدوا أبناء "البائس" الستر عندما خدموا جيرانهم من بيت "المعزّب" ولأجيال عدة. بعكس عائلة "البائس" ، كانت "المعزّب" عائلة تجّار أباً عن جد. أموالهم طائلة بسبب تجارتهم الرابحة المتشعبة في كل مجال منذ القِدَم. إبن "المعزّب" كان يولَد و في فمه ملعقة من ذهب ، يحملها له دائماً خادمه الأمين ابن البائس. 

  أبناء "البائس" كانوا يخجلون من لقب عائلتهم و لأسباب واضحة. كان الفرد منهم يعرّف نفسه للغير على أنه فلان بن علّان فقط ، دون ذكر اسم العائلة. وصلت المرحلة عند البعض بحذف إسم "البائس" من جواز سفرهم و بطاقة هويتهم الشخصية. وبالرغم من كل هذا   التضليل و الاختباء، إلا أن أبناء "الفريج الواحد" كانوا يعرفون من هم البؤساء و من هم المعازيب. عوائل الفريج كانت لا تناسب البؤساء لفقرهم. لذلك كان البؤساء يضطرون عادة للزواج من الخارج. 

  قبل بضع سنوات ، ظهر في عائلة البائس شاباً قصير القامة ضئيل البنية يدعى "حنظل".
حنظل كان يعمل فرّاشاً في شركة تنظيف تملكها عائلة "المعزّب". بالرغم من ساعات عمله الطويلة و المتعبة ، إلا أنه أصرّ على إكمال تعليمه في المدارس المسائية. و بعد فترة قياسية ، تخرج حنظل و حصل على شهادة البكالوريوس من كلية إدارة الأعمال و بإمتياز. بسبب مؤهله الجامعي و نشاطه و إبداعه في العمل ، رقته إدارة الشركة إلى رئيس الفراشين. و مع مرور الوقت و لفته لأنظار المسئولين بإبتكاراته في الإدارة ، صعد حنظل تدريجياً على سلم الترقيات إلى أن انتهى به الأمر بتنصيبه مديراً عاماً لشركة "المعزّب" لخدمات التنظيف. 

  عصفت أزمة اقتصادية حادة بعائلة "المعزب" ، ذلك لأن الجيل الجديد من العائلة بطر بالنعمة و بذّرها على الشهوات و النزوات. مستنزفين في ذلك الثروة التي كافح أسلافهم في تجميعها. وقتها عرض "المدير حنظل البائس" على أبناء المعزب شراء الشركة منهم و بثمن زهيد نسبياً. كان توقيت حنظل بمثابة الطرقة القوية على الحديد أحمر الحرارة. ذلك بسبب الهبوط الحاد لأسهم شركات "المعزب" في البورصة في تلك الفترة. وافق على إثرها أبناء المعزب دون مساومة. و أضحى حنظل البائس ، الفقير سليل الخَدَم ، صاحباً لأكبر شركة لخدمات التنظيف. 

  تحسنت أمور الشركة من صفقة تجارية إلى أخرى. بدأت "شركة البائس للتنظيف" (شركة المعزب سابقاً) بالنمو السريع و التشعّب للإستثمار في مجالات أخرى غير خدمات التنظيف. زادت أملاك "المليونير" حنظل ، الذي بنى بعد ذلك ديوان ضخم للعائلة ، كتب على واجهته و بالخط العريض "ديوان البؤساء". الديوان كان ملتقى أبناء البائس في الأعياد و المناسبات و الأفراح. أغلب أبناء البائس تركوا الخدمة في منازل "المعازيب" و حصلوا على وظائف في شركات حنظل التي انتشرت في كل أرجاء البلاد.  

سبحان مغير الأحوال...
صارت عوائل الفريج الواحد تتشرف بمصاهرة عائلة البائس.
هناك من الغرباء في البلد من نَسَب نفسه لعائلة البائس دون إذنهم.
وصلت المرحلة إلى نسب بعض الأجانب من الدول المجاورة أنفسهم لعائلة البائس.
كان تعليلهم في ذلك "نحن ننحدر أصلاً من البؤساء ، و لكن جدنا هاجر إلى قلعة وادرين لطلب لقمة العيش و استقر هناك!!!".

في الجانب الآخر من الفريج ، أبناء المعزب أصبحوا على عتبة الفقر. بالكاد يوفرون قوت يومهم.
و لكنهم بالرغم من حالتهم المادية الصعبة إلا أن هندامهم لم يتغير. و سياراتهم الفارهة لم تتبدل.
ظلوا مرفوعين الرأس. إذ كانوا يفضلون البطالة و الموت جوعاً على طلب وظيفة في إحدى شركات البائس.
و ظلّوا يردّدون لكل من زارهم 

"البؤساء كانوا خدماً عندنا ، و سيبقون كذلك. حتى لو ملكوا الدنيا و ما فيها. فالبائس بائس و المعزّب معزّب مهما كانت الظروف".

إلا أن الحسرة كانت تحرقهم من الداخل.
فمهما كانوا بارعين في تمثيلهم ، إلا أن لغة جسدهم كانت أحياناً تفضحهم. 

هنا يأتي سؤال الفلاسفة الأزلي: أيهما أتى أولاً. البيضة أو الدجاجة؟

هذه القصة القصيرة الخيالية تطرح سؤالاً مشابهاً لسؤال الفلاسفة:  
هل الفرد يبرز اسم العائلة؟ أو اسم العائلة يبرز الفرد؟

في الحياة الأكاديمية هناك العديد من الأمثلة المشابهة لأفراد تربويون. بجهودهم و عبقريتهم حوّلوا المدارس الفاشلة إلى مدارس عباقرة. في الحياة السياسية أيضاً هناك قادة حوّلوا مدنهم و دولهم من معاقل للجريمة إلى جنّات.

السؤال هنا: كم منّا لديه ميول "حنظلية"؟ و كم واحد منا يفضل أن يبقى معزّباً؟

تنويه: أسماء كل العوائل والأفراد في هذه القصة القصيرة من نسج خيال المؤلف. 
أي تشابه بينها و بين الواقع هو من محض الصدفة البحتة.