الثلاثاء، 24 مايو 2016

خلك مرتاح

قبل بضع سنوات باشرت العمل في مستشفى راقٍ في قلب عاصمة بلاد الواقواق. إستدعاني فريق الطواريء في الساعة الأولى من اليوم الأول. ذلك لوصول مريض يصرخ من الألم بسبب ذبحة صدرية حادة. ركضت الى غرفة غرفة الطواريء (ER) و وصلت خلال دقائق. بعدما شخّصت العلّة و و قمت باللازم و حولت المريض الى العناية المركّزة ، إستقبلوني أطباء الطواريء بحفاوة مبالَغ فيها

إستغرَبت و سألتُ أحدهم ...
تعال يا بو الشباب. أنا مجرد إستشاري. أديت وظيفتي كما يجب. لا أنا رئيسك و لا أنا صاحب المستشفى و لا لي سُلطة عليك. "القلب" إختصاصي و شغفي. من ضرورة عملي التواجد الفوري عند الحاجة. لأن الأزمات القلبية لا تحتمل التأجيل. فلمَ هذا الترحيب الحار؟

قال طبيب الطواريء "انت يا دكتور أول طبيب يستجيب لنا بهذه السرعة و يأتي فوراً. غيرك من يصرخ علينا و يجادلنا كلما استدعيناه و يقدم إستشاراته لنا عبر الهاتف. و يبتكر أي عذر  كي لا يأتي لرؤية الحالة المعنية".

استغربت من كلامه. المعروف أن كل "حِرفة" لها شروط خاصة تليق بطبيعتها. لذلك تشترط كل حرفة "شخصية" معينة. الذي يختار تخصص "القلب" عليه ان يكون نشطاً متحمساً مستعداً لأي طاريء و في أي لحظة. دقائق قليلة ممكن فيها الفرق بين الصحة و الإعاقة. الفرق بين الحياة و الموت. فلماذا الذي يختار مهنة متعبة كالقلب ، يطالب بعد ذلك بالراحة؟ 

إسترجَعت شريط ذكرياتي ...
علمني أبي منذ طفولتي "يا ولدي ، اللي بالأولي لاعب ، بالتالي تاعب". 
(الذي يتعب في البداية سيجد الراحة في النهاية).

عندما كنت أستعد لإختبارات الثانوية العامة كنت أردّد لنفسي 
"متى أتخلص من الدراسة الثانوية لأدخل كلية الطب و أرتاح؟"

و مرت سبع سنوات عجاف. قضيتها بين الدراسة و المحاضرات و أجنحة المستشفيات و التحضير للإختبارات

و قبل الإختبارات النهائية في كل سنة كنت أسأل نفسي ...
"متى تنتهي كلية الطب لأرتاح؟"

و بعد تخرجي إستمرّيت في الدراسة و التحضير لبورد الأمراض الباطنية. هذا غير مهنتي المتعبة و مناوباتي الليلية المضنية (الخفارات). و بعد البورد مريت بزمالة القلب ، و بعد ذلك الزمالة التخصصية لقسطرة القلب. البورد ٤ سنوات. و الزمالة ٣ سنوات. و الزمالة التخصصية سنة واحدة. ثمان سنوات دراسات عليا بعد سنوات الطب السبع. و في نهاية كل عام كنت أسأل نفسي السؤال ذاته: متى أخلّص و أرتاح؟  

"الراحة"
الهدف الذي يسعى إليه كل إنسان مجتهد و في دراسة الطب
مهنة الطب التي تشترط تفرغاً كاملاً ، يطارد فيها الطبيب شبح الراحة أمامه و كأنه سراب. يلهث وراءه الظمآن يحسبه ماء

"حب الراحة" و البحث عنها أينما كانت يفسر ظواهر عديدة. منها عندما نرى الأول على دفعته في كلية الطب ينتهي به الأمر طبيب عائلة في مستوصف يتيم صغير محدود في  منطقة نائية. أو الذي يتحول من الطب الإكلينيكي إلى إدارة المستشفيات لأنه سئِمَ الخفارات المتعبة

لا ضرر في إختيارات الأطباء لتخصصاتهم. فهذا حقهم المشروع. كل شخص يرتب أولوياته حسب ظروفه الخاصة و طموحه. ليست المشكلة هنا. المشكلة الكبرى في من يختار تخصص صعب و متعب ، و يطالب بحياة مريحة هادئة هانئة

مثلاً...
ساعات العمل في تخصص الأمراض الجلدية مريحة نسبياً. و الربح المادي فيها مجزي. بينما تخصص القلب متعب. لأن الأزمات القلبية لا تظهر إلا في الساعات المتأخرة من الليل. و الربح المادي ضئيل بالمقارنة. المصيبة في طبيب القلب الذي يرغب في العمل كطبيب الجلدية.

الراحة في الطب مسألة نسبية جداً. أياً كان التخصص الطبي ، فالتعب مستمر. لأن خدمة المريض تتطلب مجهود و بال طويل في الدوام الصباحي و الخفارات. و دراسة الطب تتطلب مجهود. و تحديث المعلومات الطبية يتطلب مجهود مستمر مدى الحياة. هذه هي "الحبكة" التي لم ينبهني عليها أحد في بداية المهنة

الفكرة لها علاقة بالحياة عموماً و بالطب خصوصاً: الراحة مغرية و لا خلاف على ذلك. و لا أحد يرفض الراحة (محّد يعاف الراحة). و لكن لها عواقب يجب الإلتفات إليها.

١. الممارسة سر الإتقان (Practice makes perfect).
هل سمعتَ عن بطل العالم -في أي رياضة- يتمرّن  ساعة واحدة كل شهر ليدافع عن لقبه؟

هل سمعتَ عن طبّاخ محترِف يدخل المطبخ مرة واحدة في السنة؟ 

هل سمعتَ عن شخص قرأ عن السباحة و أصبح خبيراً فيها دون أن يرمي نفسه في الماء؟

هل تستطيع إجادة لغة دون التحدّث بها و ممارستها قراءة و كتابة؟ 

كذلك في الطب. خبرة الطبيب "تنمو" قليلاً مع كل مريض يقابله في العيادة. في التخصصات التي تتطلب مهارة يدوية مثل الجراحة أو القسطرة أو المناظير ، يحاول الطبيب المحافظة على "أرقامه" (numbers). المقصود "بالأرقام" عدد العمليات التي يمارسها الطبيب في السنة. من في نظرك الطبيب الأفضل: الذي يجري ألف عملية في الشهر؟ أم الذي يجري عشر عمليات في السنة؟ تتضح هذه الخبرة في سرعة و كفاءة الأداء. عملية جراحية معينة يجريها جراح في عشرين دقيقة. بينما العملية نفسها يجريها جراح آخر في ساعتين.

وضع الأطباء يشابه الى حد بعيد وضع الطيّارين. الطيّار المدني يتم تقييمه بعدة معايير ، منها عدد ساعات الطيران. الكابتن الذي خبرته ثلاث آلاف ساعة طيران غير الكابتن الذي خبرته ٢٠٠ ساعة مثلاً.

البرامج التدريبية الطبية الحديثة (البورد و الزمالة) الفكرة منها تكثيف مادة التدريب في أقل فترة ممكنة لتخريج طبيب متمكن من عمله و مستعد لإتخاذ القرار بسرعة و ثقة خصوصاً في الحالات الحرجة. لذلك أنا أستغرب من الأطباء المتدربين الذين يطالبون دائماً بالراحة خلال فترة تدريبهم. مقارنين أنفسهم بزملائهم غير المنضمين لأي بورد و وظيفتهم "محلك سِر" بنفس المسمى و نفس الراتب.

٢. إعمل تنموإرتاح و إنسى.
الشرط في المهارات المكتسبة عند البشر الممارسة المستمرة و إلا كان مصيرها النسيان. أو كما يقال بالانجليزية "use it or lose it". المهارات تتطوّر مع الممارسة. و تضمحل تدريجياً مع غياب الممارسة. بمعنى آخر: الراحة تضرك إذا إعتمدتها نمطاً لحياتك. لا ضير في طلب إجازة دورية بين الحين و الآخر. أو تستمتع بعطلة نهاية الأسبوع. لكن عندما تقضي وقتك كله مرتاحاً متكئاً؟ فهذه مصيبة.

الترقية في الواق واق تعني بالضرورة "عملاً أقل" مع كل ترقية. بمعنى أن طبيب الواق واق يقل عمله و تقل مسئولياته تدريجياً مع كل ترقية. و بالتالي تضمحل خبرته و كفاءته يوماً بعد يوم. لذلك في بعض الأحيان الطبيب المتدرب في البورد يفهم في عمله أكثر من رئيسه! و هنا تأتي ظاهرة البروفيسور الإفرنجي المرتاح.

البروفيسور الإفرنجي المرتاح.
أعلنت وزارة الصحة الواقواقية عن تعيين بروفيسور "عالمي" من بلاد الفرنجة في تخصص معين بهدف الحد من إرسال المرضى للعلاج في الخارج في هذا التخصص

يأتي البروفيسور و يباشر عمله. و لا يزال إرسال المرضى للعلاج في الخارج مستمراً على نفس الوتيرة و بنفس المعدل. لماذا؟ لأن هذا البروفيسور الإفرنجي هو في الواقع كان في الأصل وافداً من دولة نامية. وُلِدَ و ترعرع في الواقواق. و بعد الثانوية هاجر إلى الفرنجة و عاد الى الواقواق بعد ما يقارب العشرين سنة ؛ حاملاً معه الجنسية الافرنجية ؛ مع حزمة من الشهادات العالمية

البروفيسور حقيقي. و شهاداته حقيقية. و شهرته حقاً عالمية بشهادة الجميع. لكنه رجع بلاد الواقواق لغايةٍ في نفسه. لأنه عارف "نظام العمل" و خباياه. هو لم يأتِ الواقواق بعد غيابٍ طويل للعمل. و إنما لأنه تعب في بلاد الفرنجة و "يبي يرتاح" كجزء من خطته التقاعدية في الواقواق

لذلك هو يتفادى أي حالة صعبة في تخصصه و يحوّلها للعلاج في الخارج. بعد فترة زمنية وجيزة تضمحل خبرة هذا البروفيسور "العالمي" للأسباب المذكورة سابقاً. و كأنك يا بو زيد ما غزيت.

الواقواقي المرتاح-الزعلان
المواطنون الواقواقيون من حَمَلة البورد الإفرنجي يعترضون على إستقدام البروفيسور الإفرنجي العالمي و يعارضون ظاهرة العلاج في الخارج أيضاً و حجتهم أنهم "قدها و قدود". العلاج في الخارج يجرح كبرياءهم و يقلل من هيبة مؤهلاتهم الدراسية

كلامهم صحيح. هم بالفعل قدها و قدود ؛ الكثير منهم أثبتوا أنفسهم في بلاد الفرنجة و بجدارة. لكن الأغلبية منهم بعدما رجعوا البلاد أخذوا مناصب عليا و "أعفوا" أنفسهم من متابعة مرضاهم و الخفارات الشاقة و رموها على عاتق الطبيب الوافد. بينما هم تفرغوا للبحث العلمي و قص الأشرطة في إفتتاح الفعاليات و المناسبات الرسمية و المقابلات التلفزيونية. لا عيب في نمط حياة كهذا. لكنه يُفقِدهم المهارات الطبية التي تغرّبوا أصلاً لإكتسابها. بالتالي ليس من حقهم الإعتراض

بعض الواقواقيون عاشوا في الفرنجة سنين طويلة. لكنهم بعدما رجعوا بلادهم صارت لغتهم الإفرنجية ضعيفة ركيكة مثيرة للسخرية. ذلك لأنهم لم يمارسونها بعد تخرجهم من هناك.

من جهة أخرى ، الأطباء الوافدون في الواقواق يأتون بشكل رئيسي من دول فقيرة نامية ذات كثافة سكانية عالية و مستشفيات مزدحمة. لذلك الطبيب هناك يكتسب خبرة هائلة في مدة زمنية قياسية. لأنه يعالج كماً هائلاً من المرضى. بعضهم أتى للعمل في الواقواق أصلاً طلباً للراحة لأنه في بلاده عليه أن يعمل في وظيفتين أو حتى ثلاث وظائف لكسب قوت يومه (دوام مستشفى عام + دوام مستشفى خاص + دوام عيادة خاصة). بينما في الواقواق الوافد يعمل في وظيفة واحدة مريحة و مدخولها الشهري له مجزياً بعد صرف العملة.

لذلك إذا رغبت في "الراحة" فهذا من حقك. طالما أنك تتحمل العواقب. و بالعواقب أقصد إضمحلال الخبرة و الكفاءة. فأنت لا تستطيع الحفاظ على "لياقتك" دون تمرين و ممارسة. العمل في بيئة مريحة تشجع على الكسل هو بحد ذاته تحدٍ كبير أمام الطبيب النشيط المتحمّس ، كونه المسكين يحاول السباحة عكس التيار و يحمل السلّم بالعرض.

مهما كنتَ طبيباً عبقرياً أو ذكياً. حتى لو كنت فطحل زمانك. إذا لم تمارس مهنتك بكثافة و إستمرار ، ستفقد "عبقريتك" حتماً.

السبت، 23 أبريل 2016

خف علينا يا مستر جو


رجع الكويت مغبوناً حزيناًمفتقداً رائحة و سحر أمريكاعندما دخل البيت رمى "الدشداشة" جانباً و أصبح لا يرتدي إلا القميص و البنطلونصار لا يعرّف عن نفسه إلا بإسمه الحرَكي "جو" (Joe).

إذا تحدث باللغة العربية ، بين كل عبارة و عبارة تقفز كلمة إنجليزية. بينما إذا تحدث باللغة الانجليزية ، لوى لسانه باللكنة الأمريكية متعمداً. فمادة التشريح "أناتومي" ينطقها "أنارومي". و لكن إذا إنتبهت إلى لسانه الإفرنجي الملتوي بتمعّن ، ستلاحظ كثرة الأخطاء النحوية فيه. يعني وايد بدليّات

كل أجهزته الكهربائية و الالكترونية تعمل بكهرباء أمريكا ١١٠ ڤولتو القابس الكهربائي (البلاك) فيها ذو رأسين بمواصفات أمريكيةإذا تحدث عن المسافات و الأوزان ، تكلم بالبوصة و الميل و الرطل بدلاً من المتر و السنتيمتر و الكيلوغرامو في وصف درجات الحرارة ، تكلم بالفهرنهايت بدلاً من المئوية.


القابس الكهربائي ذو الرأسين المناسب لمواصفات كهرباء أمريكا


إذا تسوّق لتموين البيت اليومي، لا يشتري غير المواد الغذائية المستوردة من أمريكا. والتي هي بالطبع أغلى بكثير من المواد الاستهلاكية المحليّة. أما إذا أراد شراء سلعة ما ، طلبها من موقع أمازون بمواصفات أمريكية لتصل إلى صندوق بريده في أمريكا. لأنه لا يشتري شيئاً من الأسواق المحلية

سيارته الأمريكية مستوردة من أمريكا بمواصفات أمريكية. لا يشتريها من الوكالة المحلية بمواصفات خليجية. لا يشتري إلا السيارات الأمريكية بالرغم من تفوق السيارات الأوروبية و اليابانية في المتانة و الفخامة و الأداء. حتى في توفير الوقود

في الرياضة يتابع مباريات البيسبول و دوري كرة السلة الأمريكيةفي السياسة يتابع انتخابات الكونغرس و مناظرات الرئاسة الأمريكيةفي الإقتصاد لا يتابع غير البورصة الأمريكية "وول ستريت" (wall street). في السينما و التلفزيون لا يتابع غير أفلام و مسلسلات هوليوود.

كلما رأى ظاهرة مزعجة في الشارعكلما تضايق من البيروقراطية في الدوائر الحكوميةو في كل صيف كلما ارتفعت درجة حرارة الجو إلى الأربعيناتردّد الأسطوانة المشروخة: "في أمريكا هذا الشي ما يصير".

ينصح القاصي و الداني للدراسة في أمريكاأبناءه رضعوا عشق أمريكا من أباهم و كلهم سافروا للدراسة هناك.  و كلما رأى شيئاً ذكّره في أمريكا ، شهق و قال لأهله "إدفنوني في أمريكا عندما أموت". 

نصل إلى هنا و نقول "نقطة نظام"... إشفيك يا بوالشباب؟ إيشعلامك؟ 

إسمك "جويعد" و ليس "جو". أنت كويتي الجنسية. أمك و أبوك كويتيون و كانوا من "أهل جبلة" أصلاً. ولِدتَ و ترعرعتَ في شرقدرستَ من أولى روضة و حتى الثانوية العامة في مدارس المرقابكُنتَ من مشجعي نادي القادسية. تلعب كرة قدم مع ربعك. حمّود و عبُّود و علاوي في الفريج كل يوم العصر بعد المدارس. فطورك المفضل شوربة "آش" و غداؤك المفضل مجبوس دجاج و تتعشى روبة كاملة الدسم من كي دي دي. 

سفرك إلى أمريكا كان للدراسة فقط في السبعيناتعشتَ فيها خمس سنوات للحصول على البكالوريوسرجعتَ أرض الوطن قبل بناء أبراج الكويت بقليلنحن في سنة ٢٠١٦ و أنت حتى الآن عايش دور "الأمريكي"؟ إصحَ من حلمك. فهو مجرد حلم.

 حياتك كانت هانئة في أمريكا لأن راتبك من السفارة الكويتية كان يصلك بالبريد كل شهر خالياً من الضرائبلم تعش نمط حياة المواطن الأمريكي على حقيقتهحصلتَ على بعثتك الدراسية بدرجاتك في الثانوية العامة فقطلم تكافح للحصول عليهالم تغسل السياراتلم تعمل جرسوناً في المطاعم لتوفير قوت يومك و تصرف على دراستك كما يفعل الأمريكانالله يعز ديرتنا بس.

تشتكي من حرارة الجو في الكويت لأنك عشتَ في الولايات الامريكية الشمالية الشرقية ذات الجو المعتدللم تجرِّب الولايات الجنوبية - فلوريدا و تكساس- فيها من الحرارة و الرطوبة و البعوض و العَرَق و العفونة الشيء الكثير!   

تحليل
إدمان أمريكا الذي يعيشه جويعد أتفهمه جيداً. كوني أنا أيضاً مدمن سابق لأمريكا. الإدمان له علاقة بفن التسويقفالتاجر الناجح يبيع كل بضاعتهبينما التاجر الموهوب هو من يملك "زبالة" و يقنعك أنها "ذَهَب". و اذا كانت البضاعة ذَهَباً فهناك دائماً من يشتريها مهما كان ثمنها غالياً.

لذلك يبقى كل من سافر إلى أمريكا مسحوراً متيّماً بها. يتمنى الرجوع إليها متى سنحت له الفرصة. يضعها في باله  وجهةً للهجرة كلما  ضاقت به الدنيا في بلده. و هذا أمر طبيعي. ينبهر المسافر لأمريكا في الوهلة الأولى بالتقنية المتطورة و أخلاق عامة الناس هناك.

وصل هذا الإدمان عند البعض إلى درجات متطرفةفمثلاً أستاذ جامعة بدرجة "بروفيسور" في بلده. بكل هيبته و مكانته و وقاره. مستعد لترك حياته الكريمة و يهاجر أمريكا ليمسح الأرضيات في المطاعم و المقاهي في سبيل الحصول على الجنسية الأمريكية. يرى حفنة من المهاجرين الذين نجحوا في أمريكا و هو يريد تكرار نفس السحر. مثله في ذلك مثل الذي يشتري تذكرة اليانصيب آملاً كل الأمل في الفوز بالملايين وقت السحب على الجوائز مثلما حدث للبعض من الفائزين.

مدمن أمريكا يجهل (أو يتجاهل) الوجه الآخر منها
الضرائب نارالوقود نار

أجرة الأيدي العاملة نار(خدَم-سباكة-نجارة-حدادة..الخ).

فواتير على كل صغيرة و كبيرة نار

حتى إذا هرب الأمريكي من الضرائب للعمل خارج أمريكا ، فقانون الضريبة الخارجية "فاتكا" (FATCA) لن يعتقه. وهو قانون جديد يفرض على الأمريكان المغتربين الإفصاح عن أرباحهم خارج أمريكا. الأمر الذي دفع الكثير من الأمريكان مزدوجي الجنسية خارج البلاد التنازل عن جنسيتهم الأمريكية كي لا يدفعوا هذه الضرائب.

حلم الجيش الأمريكي
الخدمة العسكرية الإلزامية أُلغِيَت بعد حرب فيتنام. لكن الجيش الأمريكي يعرض فرص وظيفية مغرية و بعثات دراسية كثيرة. خصوصاً للفقراء و من لم يحالفهم الحظ في الدراسة. لذلك المواطن الأمريكي يلتحق بالجيش راغباً في الإمتيازات الكثيرة الممنوحة له. لكن في المقابل ، هذه خدمة عسكرية. بمعنى أنه من الممكن إستدعاؤه في أي لحظة لمهمة عسكرية في أي بقعة على وجه الأرض. و إذا سافر فمن الوارد جداً أن يموت هناك أو ماهو أسوأ: يرجع بلاده بإعاقة أو إصابة جسيمة. الأمريكان يعرفون ذلك جيداً. يعرفون أن كل شيء في هذه الدنيا يأتي بثمن.


يريد الطبيب وظيفة في أمريكا؟
يدفع أموالاً طائلة على إختبارات الرخصة و إستمارات البورد و الزمالة. بعض الاختبارات لا بد من تقديمها على أرض أمريكا. و هذا معناه تذاكر سفر و إقامة في فنادق. بعد كل ذلك ، الوظيفة غير مضمونة لثلاث أسباب: المنافسة الشديدة و شح الوظائف و أولوية التوظيف لأبناء البلد. كل تكاليف الرسوم و الإختبارات هذه "خفية". تستنزف الجيب بهدوء. تدريجياً. حبّة حبّة

في الكويت قابلت أطباء مخضرمين في الطب. بارعين في تخصصاتهم. هاجروا أمريكا و قبلوا بوظائف في أمريكا أقل من مؤهلاتهم بكثير ، مثلاً "فني أشعة" أو "تمريض" أملاً في الجنسية. ما هذا الإدمان؟ 

آلية التأمينات الاجتماعية هناك ليست شاملة و موحّدة و كريمة كما هي في الكويت. بمعنى لا يوجد سن موحّد للتقاعد. عادي جداً في أمريكا أن نرى عامل نظافة في السبعينات من عمره يسحب وراءه أكياس القمامة السوداء ببطء و ضَعف من المحل ليلقيها خارجاً. أليس الأحرى برجل من عمره التقاعد و الراحة؟ 

آلية المصروفات في أمريكا لا يعيها المواطن الكويتي لأنها غير مألوفة لديه

في الكويت مثلاً: 
التطعيم مجانيالكشف الصحي قبل المدرسة مجاني

دخول المستشفيات الحكومية مجاني للمواطنين و برسوم رمزية للمقيمين

المدارس مجانية. و البعثات الدراسية مجانية

هناك علاوة في الراتب على كل مولود...الخ

الكويتي حتى عندما يموت ، يُدفَن مجاناً في الصليبيخات.

بينما المواطن الأمريكي يدفع كل هذه المصروفات من جيبه. حتى تكاليف الجنازة و التابوت! الولايات المتحدة فيها أسوأ نظام رعاية صحية بين الدول الصناعية مقارنة في دول أخرى مثل بريطانيا و فرنسا و كندا.

أينما تجد المال تجد القرار
ركز في هذه العبارة جيداً لأنها تصلح لكل زمان و مكان. المال هو صانع القرار

اذا كنت تتضايق من مظاهر التخلف في الكويت
فأعلم أن معهد "ديسكڤري" في أمريكا مؤسسة رأسمالها ملايين الدولارات ، يعلم تلاميذه أن عمر كوكب الأرض ستة آلاف عام. و أن الإنسان عاصَر الديناصورات و تفاهات أخرى مماثلة. لأن المموّلين لهذا المعهد أثرياء من التيار المسيحي المحافظ المتشدّد.

تظن ان بعض الساسة عندنا أجلاف لا يتقنون مهارات الخطابة؟ 
هل شاهدت خطابات دونالد ترمب أو جورج بوش الإبن عندما كان رئيساً.

و سؤال المليون لك يا أخي جويعد
إذا أنت "ميّت" على أمريكا لهذه الدرجةفلماذا رجعت؟ لِمَ لم تبق هناك؟ 


تنويه: 
"جويعد" شخصية إفتراضية من نسيج خيالي. أي تشابه بينها و بين أي "جويعد" حقيقي هو بمحض الصدفة  البحتة.



الأحد، 17 أبريل 2016

خُف علينا يا روبن هود

سلسلة قصص قصيرة عن أفراد عاشوا دور روبن هود...

روبن هود ملك اللصوص. بطولة كيفن كوستنر. ١٩٩١


بطل الويكند راوندز
سياسة سير العمل الداخلية في مستشفيات وزارة الصحة تختلف من مستشفى لآخر. في بعض المستشفيات ، كل فريق طبي يعين طبيباً واحداً فيه يمر على المرضى المنومين في المستشفى في عطلة نهاية الأسبوع أو ما يسمى بالانجليزية "ويكند راوندز" (weekend rounds) حتى لو لم يكن الفريق مناوباً في نهاية الأسبوع

لتنظيم العمل هناك جدول دوري يحوي أسماء أطباء الفريق. الويكند راوندز تدور على كل طبيب في الفريق دون استثناء. طبعاً الطبيب الذي عليه الدور في الويكند راوندز يمر على المرضى طول النهار. بمعنى أن راحة نهاية الأسبوع ضاعت عليه حتى لو لم يكن خفيراً مناوباً

الظاهرة المدهشة أن في إحدى الفرق الطبية ، الإستشاري الذي كان يضع جدول الويكند راوندز (على أيامي عندما كنت متدرباً) كان يستثني نفسه من الجدول دوناً عن باقي الإستشاريين. و عندما سألناه عن السبب ، كان رده العُدواني المباشِر "بس. تعبت. داومت ويكند راوندز سنين طويلة بما فيه الكفاية". أبسط تعليق خطَر في نفسي هو "صج عذر أقبح من ذنب".

حرامي الصندوق
الحياة ليست عادلة للبعض للأسف. لا سيما في دول العالم الثالث. حيث الفرص لا تكون دوماً متساوية للجميع. أحياناً يقبل الشخص بوظيفة أقل من طموحه و مؤهله الدراسي بكثير ،  بسبب ندرة الفرص و زيادة الطلب على العرض

في إحدى المقاهي التي كنت أرتادها قبل سنوات ، كان محاسب المقهى (الكاشير Cashier) وافداً من جنسية عربية. أنيقاً لبقاً حَسَن الهندام بشكل ملحوظ بعكس زملائه. عرفنا منه بعد ذلك أنه جامعي. خريج كلية الحقوق في بلده. لكنه بقي عاطلاً لفترة طويلة بعد التخرج بسبب شح الوظائف هناك. و قرر العمل في الكويت كاشيراً في هذا المقهى الشعبي.

تم طرده من الوظيفة و إبعاده من الكويت بعد توظيفه ببضعة أشهر. لأن صاحب المقهى إكتشف أن أرباح المقهى في انحدار مع عجز مزمن في الميزانية بالرغم من كثرة الزبائن. إتضح أن كاشيرنا المبجّل كان يختلس "بضعة" دنانير من حسابات الأرباح اليومية نهاية كل يوم قبل تصفية الحسابات و إغلاق الصندوقحتى وقت ترحيله لم يكن نادماً. لم يحس بالذنب من فعلته الشنيعة. لسان حاله كان يقول "أنا جامعي و راتبي ضئيل. و الفلوس التي اختلستها هي حقي الضائع من هذه الدنيا".

المقيم المواطن
الحياة فرص. و قال الإمام علي (ع) "إغتنموا الفرص فإنها تمر مر السحاب". الكويت أمة صغيرة في السن مقارنة بالأمم الأخرى. باب التجنيس الرسمي فيها بقيَ مفتوحاً لفترة وجيزة من الزمن و أُغلِقَ بعد ذلك. من غنم بالجنسية أصبح كويتياً. و من فاتته الفرصة ظل أجنبياً أو غير محدّد الجنسية (بدون). الجنسية الكويتية مرغوبة و لأسباب معروفة

بعض الإخوة العرب الذين قدِموا إلى الكويت لسنين طويلة (و بعضهم منذ أجيال عديدة) من أجل الحياة الكريمة و طلب الرزق محافظين على جنسياتهم الأصلية. يجادلون موظفي الدولة مطالبين بإستثنائهم عن بقية الوافدين و معاملتهم كالكويتيين في التعليم و الرعاية الصحية و المرافق الأخرى. طيّب لماذا تضغطون على هؤلاء الموظفين العاديين؟ الموظف عبد مأمور. ينفذ الأوامر. ينفذ قوانين الدولة و ليس له يد فيها.

أنا طبيب موظف مدني في الدولة. أطبق قوانينها حالي حال غيري. بعد إصدار القرار الوزاري بفصل المرضى الكويتيين عن الوافدين في العيادات الخارجية ، صرخ علي أحد مرضاي من الوافدين "أنا عايش في الكويت منذ سنة ١٩٥٨ ، فلماذا تعاملونني هكذا؟".

طيب يا سيدي لماذا تصرخ علي؟ هل أنا من أصدر هذا القرار؟ هل إذا عشت أنا في بلدك سأُعامَل معاملة المواطن هناك؟ آسف. و لكن ليس ذنبي أنك غير كويتي. أنت تصرخ على الشخص الخطأ طال عمرك

الرجسترار الإستشاري
في الكثير من المهن الفنية ، شهادة البكالوريوس أو حتى الدبلوم أكثر من كافية للحصول على وظيفة براتب جيّد و مستقبل وظيفي واعد. لكن للأسف الطب ليس من هذه المهن. البكالوريوس في الطب فقط بداية الرحلة الطويلة.

فإذا لم يكمل الطبيب دراساته العليا من "ماجستير و دكتوراه" أو "بورد و زمالة" فمهنته مصيرها الركود. و في دولة الكويت بالذات ، الترقية بالأقدمية فقط أمر صعب جداً إن لم يكن مستحيلاً. و الناس قدرات متفاوتة. منهم من يكمل كل دراساته و يصبح استشارياً قبل سن الأربعين. و منهم من "يريّح" و يأخذ وقته و يبقى في مكانه و مسماه الوظيفي بدرجة "أسيستانت رجسترار" (Assistant Registrar) أو "رجسترار" (Registrarسعيداً راضياً. كل شخص حسب طموحه

لكن في بعض الأحيان إذا بقي الرجسترار كما هو لسنين طويلة ، بعد فترة يعيش الدور. و يطالب بمعاملته كإستشاري. بمعنى أن ينام في بيته وقت الخفارات. و يتأمّر على الزملاء الأصغر منه سنّاً حتى لو كان مسماهم الوظيفي نفس مسمّاه. و يفصّل جدول عمله حسب راحته الشخصيةحجّته في هذا الموضوع "أنا غير. أنا قديم". 

يا أخي ما يصير. ما يجوز. هل تطالب بمساواتك بمن تعب على نفسه في الدراسات العليا و الإختبارات؟

القصد
روبن هود. أمير اللصوص. صوّرته لنا القصص على أنه بطل الأبطال. كان يسرق من الغني ليعطي الفقير. عالجَت هوليود قصته في أكثر من فيلم. في رأيي أفضلهم كان فيلم "روبن هود أمير اللصوص" (Robin Hood Prince of Thieves). بطولة كيفن كوستنر و مورغان فريمان. إنتاج سنة ١٩٩١

 مبدأ "روبن هود" مرفوض في المجتمعات المدنية المعاصرة. في زماننا ، روبن هود مجرد لص. أفّاق. قاطع طريق. و على أفضل تقدير: فتوّة. يفرض قوانينه الخاصة به لأن حضرة جنابه يرى في قوانين الدولة ظلم و تعسُّف.

إذا كنتَ ترى القوانين و اللوائح غير منصفة ، حاول تعديلها عن طريق القنوات الشرعية. هناك برلمان و محامين و قضاء عادل. و إذا رأيت صعوبة في هذه القنوات ، باب الشكوى الرسمية للسلطات العليا مفتوح. و الصحافة موجودة لتنشر فيها قضيتك العادلةلكن تُطبّق قوانينك الخاصة بك و تخالف القانون الرسمي بحجة أنك مظلوم؟ أن لستَ مظلوماً. أنت مخالف للقانون و من الواجب إيقافك عند حدّك.  

أسلافنا وضعوا لنا الخطوط العريضة في الحياة بالأمثال الشعبية التي صيغَت لتكون في الصميم
الحياة قسمة و نصيب
من سبق... لُبَق.  
لا يضيع حق وراءه مُطالِب
اللي في الأولي لاعب في التالي تاعب
و خبزٍ خبزتيه ، يا الرّفلة إكليه.