السبت، 23 أبريل 2016

خف علينا يا مستر جو


رجع الكويت مغبوناً حزيناًمفتقداً رائحة و سحر أمريكاعندما دخل البيت رمى "الدشداشة" جانباً و أصبح لا يرتدي إلا القميص و البنطلونصار لا يعرّف عن نفسه إلا بإسمه الحرَكي "جو" (Joe).

إذا تحدث باللغة العربية ، بين كل عبارة و عبارة تقفز كلمة إنجليزية. بينما إذا تحدث باللغة الانجليزية ، لوى لسانه باللكنة الأمريكية متعمداً. فمادة التشريح "أناتومي" ينطقها "أنارومي". و لكن إذا إنتبهت إلى لسانه الإفرنجي الملتوي بتمعّن ، ستلاحظ كثرة الأخطاء النحوية فيه. يعني وايد بدليّات

كل أجهزته الكهربائية و الالكترونية تعمل بكهرباء أمريكا ١١٠ ڤولتو القابس الكهربائي (البلاك) فيها ذو رأسين بمواصفات أمريكيةإذا تحدث عن المسافات و الأوزان ، تكلم بالبوصة و الميل و الرطل بدلاً من المتر و السنتيمتر و الكيلوغرامو في وصف درجات الحرارة ، تكلم بالفهرنهايت بدلاً من المئوية.


القابس الكهربائي ذو الرأسين المناسب لمواصفات كهرباء أمريكا


إذا تسوّق لتموين البيت اليومي، لا يشتري غير المواد الغذائية المستوردة من أمريكا. والتي هي بالطبع أغلى بكثير من المواد الاستهلاكية المحليّة. أما إذا أراد شراء سلعة ما ، طلبها من موقع أمازون بمواصفات أمريكية لتصل إلى صندوق بريده في أمريكا. لأنه لا يشتري شيئاً من الأسواق المحلية

سيارته الأمريكية مستوردة من أمريكا بمواصفات أمريكية. لا يشتريها من الوكالة المحلية بمواصفات خليجية. لا يشتري إلا السيارات الأمريكية بالرغم من تفوق السيارات الأوروبية و اليابانية في المتانة و الفخامة و الأداء. حتى في توفير الوقود

في الرياضة يتابع مباريات البيسبول و دوري كرة السلة الأمريكيةفي السياسة يتابع انتخابات الكونغرس و مناظرات الرئاسة الأمريكيةفي الإقتصاد لا يتابع غير البورصة الأمريكية "وول ستريت" (wall street). في السينما و التلفزيون لا يتابع غير أفلام و مسلسلات هوليوود.

كلما رأى ظاهرة مزعجة في الشارعكلما تضايق من البيروقراطية في الدوائر الحكوميةو في كل صيف كلما ارتفعت درجة حرارة الجو إلى الأربعيناتردّد الأسطوانة المشروخة: "في أمريكا هذا الشي ما يصير".

ينصح القاصي و الداني للدراسة في أمريكاأبناءه رضعوا عشق أمريكا من أباهم و كلهم سافروا للدراسة هناك.  و كلما رأى شيئاً ذكّره في أمريكا ، شهق و قال لأهله "إدفنوني في أمريكا عندما أموت". 

نصل إلى هنا و نقول "نقطة نظام"... إشفيك يا بوالشباب؟ إيشعلامك؟ 

إسمك "جويعد" و ليس "جو". أنت كويتي الجنسية. أمك و أبوك كويتيون و كانوا من "أهل جبلة" أصلاً. ولِدتَ و ترعرعتَ في شرقدرستَ من أولى روضة و حتى الثانوية العامة في مدارس المرقابكُنتَ من مشجعي نادي القادسية. تلعب كرة قدم مع ربعك. حمّود و عبُّود و علاوي في الفريج كل يوم العصر بعد المدارس. فطورك المفضل شوربة "آش" و غداؤك المفضل مجبوس دجاج و تتعشى روبة كاملة الدسم من كي دي دي. 

سفرك إلى أمريكا كان للدراسة فقط في السبعيناتعشتَ فيها خمس سنوات للحصول على البكالوريوسرجعتَ أرض الوطن قبل بناء أبراج الكويت بقليلنحن في سنة ٢٠١٦ و أنت حتى الآن عايش دور "الأمريكي"؟ إصحَ من حلمك. فهو مجرد حلم.

 حياتك كانت هانئة في أمريكا لأن راتبك من السفارة الكويتية كان يصلك بالبريد كل شهر خالياً من الضرائبلم تعش نمط حياة المواطن الأمريكي على حقيقتهحصلتَ على بعثتك الدراسية بدرجاتك في الثانوية العامة فقطلم تكافح للحصول عليهالم تغسل السياراتلم تعمل جرسوناً في المطاعم لتوفير قوت يومك و تصرف على دراستك كما يفعل الأمريكانالله يعز ديرتنا بس.

تشتكي من حرارة الجو في الكويت لأنك عشتَ في الولايات الامريكية الشمالية الشرقية ذات الجو المعتدللم تجرِّب الولايات الجنوبية - فلوريدا و تكساس- فيها من الحرارة و الرطوبة و البعوض و العَرَق و العفونة الشيء الكثير!   

تحليل
إدمان أمريكا الذي يعيشه جويعد أتفهمه جيداً. كوني أنا أيضاً مدمن سابق لأمريكا. الإدمان له علاقة بفن التسويقفالتاجر الناجح يبيع كل بضاعتهبينما التاجر الموهوب هو من يملك "زبالة" و يقنعك أنها "ذَهَب". و اذا كانت البضاعة ذَهَباً فهناك دائماً من يشتريها مهما كان ثمنها غالياً.

لذلك يبقى كل من سافر إلى أمريكا مسحوراً متيّماً بها. يتمنى الرجوع إليها متى سنحت له الفرصة. يضعها في باله  وجهةً للهجرة كلما  ضاقت به الدنيا في بلده. و هذا أمر طبيعي. ينبهر المسافر لأمريكا في الوهلة الأولى بالتقنية المتطورة و أخلاق عامة الناس هناك.

وصل هذا الإدمان عند البعض إلى درجات متطرفةفمثلاً أستاذ جامعة بدرجة "بروفيسور" في بلده. بكل هيبته و مكانته و وقاره. مستعد لترك حياته الكريمة و يهاجر أمريكا ليمسح الأرضيات في المطاعم و المقاهي في سبيل الحصول على الجنسية الأمريكية. يرى حفنة من المهاجرين الذين نجحوا في أمريكا و هو يريد تكرار نفس السحر. مثله في ذلك مثل الذي يشتري تذكرة اليانصيب آملاً كل الأمل في الفوز بالملايين وقت السحب على الجوائز مثلما حدث للبعض من الفائزين.

مدمن أمريكا يجهل (أو يتجاهل) الوجه الآخر منها
الضرائب نارالوقود نار

أجرة الأيدي العاملة نار(خدَم-سباكة-نجارة-حدادة..الخ).

فواتير على كل صغيرة و كبيرة نار

حتى إذا هرب الأمريكي من الضرائب للعمل خارج أمريكا ، فقانون الضريبة الخارجية "فاتكا" (FATCA) لن يعتقه. وهو قانون جديد يفرض على الأمريكان المغتربين الإفصاح عن أرباحهم خارج أمريكا. الأمر الذي دفع الكثير من الأمريكان مزدوجي الجنسية خارج البلاد التنازل عن جنسيتهم الأمريكية كي لا يدفعوا هذه الضرائب.

حلم الجيش الأمريكي
الخدمة العسكرية الإلزامية أُلغِيَت بعد حرب فيتنام. لكن الجيش الأمريكي يعرض فرص وظيفية مغرية و بعثات دراسية كثيرة. خصوصاً للفقراء و من لم يحالفهم الحظ في الدراسة. لذلك المواطن الأمريكي يلتحق بالجيش راغباً في الإمتيازات الكثيرة الممنوحة له. لكن في المقابل ، هذه خدمة عسكرية. بمعنى أنه من الممكن إستدعاؤه في أي لحظة لمهمة عسكرية في أي بقعة على وجه الأرض. و إذا سافر فمن الوارد جداً أن يموت هناك أو ماهو أسوأ: يرجع بلاده بإعاقة أو إصابة جسيمة. الأمريكان يعرفون ذلك جيداً. يعرفون أن كل شيء في هذه الدنيا يأتي بثمن.


يريد الطبيب وظيفة في أمريكا؟
يدفع أموالاً طائلة على إختبارات الرخصة و إستمارات البورد و الزمالة. بعض الاختبارات لا بد من تقديمها على أرض أمريكا. و هذا معناه تذاكر سفر و إقامة في فنادق. بعد كل ذلك ، الوظيفة غير مضمونة لثلاث أسباب: المنافسة الشديدة و شح الوظائف و أولوية التوظيف لأبناء البلد. كل تكاليف الرسوم و الإختبارات هذه "خفية". تستنزف الجيب بهدوء. تدريجياً. حبّة حبّة

في الكويت قابلت أطباء مخضرمين في الطب. بارعين في تخصصاتهم. هاجروا أمريكا و قبلوا بوظائف في أمريكا أقل من مؤهلاتهم بكثير ، مثلاً "فني أشعة" أو "تمريض" أملاً في الجنسية. ما هذا الإدمان؟ 

آلية التأمينات الاجتماعية هناك ليست شاملة و موحّدة و كريمة كما هي في الكويت. بمعنى لا يوجد سن موحّد للتقاعد. عادي جداً في أمريكا أن نرى عامل نظافة في السبعينات من عمره يسحب وراءه أكياس القمامة السوداء ببطء و ضَعف من المحل ليلقيها خارجاً. أليس الأحرى برجل من عمره التقاعد و الراحة؟ 

آلية المصروفات في أمريكا لا يعيها المواطن الكويتي لأنها غير مألوفة لديه

في الكويت مثلاً: 
التطعيم مجانيالكشف الصحي قبل المدرسة مجاني

دخول المستشفيات الحكومية مجاني للمواطنين و برسوم رمزية للمقيمين

المدارس مجانية. و البعثات الدراسية مجانية

هناك علاوة في الراتب على كل مولود...الخ

الكويتي حتى عندما يموت ، يُدفَن مجاناً في الصليبيخات.

بينما المواطن الأمريكي يدفع كل هذه المصروفات من جيبه. حتى تكاليف الجنازة و التابوت! الولايات المتحدة فيها أسوأ نظام رعاية صحية بين الدول الصناعية مقارنة في دول أخرى مثل بريطانيا و فرنسا و كندا.

أينما تجد المال تجد القرار
ركز في هذه العبارة جيداً لأنها تصلح لكل زمان و مكان. المال هو صانع القرار

اذا كنت تتضايق من مظاهر التخلف في الكويت
فأعلم أن معهد "ديسكڤري" في أمريكا مؤسسة رأسمالها ملايين الدولارات ، يعلم تلاميذه أن عمر كوكب الأرض ستة آلاف عام. و أن الإنسان عاصَر الديناصورات و تفاهات أخرى مماثلة. لأن المموّلين لهذا المعهد أثرياء من التيار المسيحي المحافظ المتشدّد.

تظن ان بعض الساسة عندنا أجلاف لا يتقنون مهارات الخطابة؟ 
هل شاهدت خطابات دونالد ترمب أو جورج بوش الإبن عندما كان رئيساً.

و سؤال المليون لك يا أخي جويعد
إذا أنت "ميّت" على أمريكا لهذه الدرجةفلماذا رجعت؟ لِمَ لم تبق هناك؟ 


تنويه: 
"جويعد" شخصية إفتراضية من نسيج خيالي. أي تشابه بينها و بين أي "جويعد" حقيقي هو بمحض الصدفة  البحتة.



الأحد، 17 أبريل 2016

خُف علينا يا روبن هود

سلسلة قصص قصيرة عن أفراد عاشوا دور روبن هود...

روبن هود ملك اللصوص. بطولة كيفن كوستنر. ١٩٩١


بطل الويكند راوندز
سياسة سير العمل الداخلية في مستشفيات وزارة الصحة تختلف من مستشفى لآخر. في بعض المستشفيات ، كل فريق طبي يعين طبيباً واحداً فيه يمر على المرضى المنومين في المستشفى في عطلة نهاية الأسبوع أو ما يسمى بالانجليزية "ويكند راوندز" (weekend rounds) حتى لو لم يكن الفريق مناوباً في نهاية الأسبوع

لتنظيم العمل هناك جدول دوري يحوي أسماء أطباء الفريق. الويكند راوندز تدور على كل طبيب في الفريق دون استثناء. طبعاً الطبيب الذي عليه الدور في الويكند راوندز يمر على المرضى طول النهار. بمعنى أن راحة نهاية الأسبوع ضاعت عليه حتى لو لم يكن خفيراً مناوباً

الظاهرة المدهشة أن في إحدى الفرق الطبية ، الإستشاري الذي كان يضع جدول الويكند راوندز (على أيامي عندما كنت متدرباً) كان يستثني نفسه من الجدول دوناً عن باقي الإستشاريين. و عندما سألناه عن السبب ، كان رده العُدواني المباشِر "بس. تعبت. داومت ويكند راوندز سنين طويلة بما فيه الكفاية". أبسط تعليق خطَر في نفسي هو "صج عذر أقبح من ذنب".

حرامي الصندوق
الحياة ليست عادلة للبعض للأسف. لا سيما في دول العالم الثالث. حيث الفرص لا تكون دوماً متساوية للجميع. أحياناً يقبل الشخص بوظيفة أقل من طموحه و مؤهله الدراسي بكثير ،  بسبب ندرة الفرص و زيادة الطلب على العرض

في إحدى المقاهي التي كنت أرتادها قبل سنوات ، كان محاسب المقهى (الكاشير Cashier) وافداً من جنسية عربية. أنيقاً لبقاً حَسَن الهندام بشكل ملحوظ بعكس زملائه. عرفنا منه بعد ذلك أنه جامعي. خريج كلية الحقوق في بلده. لكنه بقي عاطلاً لفترة طويلة بعد التخرج بسبب شح الوظائف هناك. و قرر العمل في الكويت كاشيراً في هذا المقهى الشعبي.

تم طرده من الوظيفة و إبعاده من الكويت بعد توظيفه ببضعة أشهر. لأن صاحب المقهى إكتشف أن أرباح المقهى في انحدار مع عجز مزمن في الميزانية بالرغم من كثرة الزبائن. إتضح أن كاشيرنا المبجّل كان يختلس "بضعة" دنانير من حسابات الأرباح اليومية نهاية كل يوم قبل تصفية الحسابات و إغلاق الصندوقحتى وقت ترحيله لم يكن نادماً. لم يحس بالذنب من فعلته الشنيعة. لسان حاله كان يقول "أنا جامعي و راتبي ضئيل. و الفلوس التي اختلستها هي حقي الضائع من هذه الدنيا".

المقيم المواطن
الحياة فرص. و قال الإمام علي (ع) "إغتنموا الفرص فإنها تمر مر السحاب". الكويت أمة صغيرة في السن مقارنة بالأمم الأخرى. باب التجنيس الرسمي فيها بقيَ مفتوحاً لفترة وجيزة من الزمن و أُغلِقَ بعد ذلك. من غنم بالجنسية أصبح كويتياً. و من فاتته الفرصة ظل أجنبياً أو غير محدّد الجنسية (بدون). الجنسية الكويتية مرغوبة و لأسباب معروفة

بعض الإخوة العرب الذين قدِموا إلى الكويت لسنين طويلة (و بعضهم منذ أجيال عديدة) من أجل الحياة الكريمة و طلب الرزق محافظين على جنسياتهم الأصلية. يجادلون موظفي الدولة مطالبين بإستثنائهم عن بقية الوافدين و معاملتهم كالكويتيين في التعليم و الرعاية الصحية و المرافق الأخرى. طيّب لماذا تضغطون على هؤلاء الموظفين العاديين؟ الموظف عبد مأمور. ينفذ الأوامر. ينفذ قوانين الدولة و ليس له يد فيها.

أنا طبيب موظف مدني في الدولة. أطبق قوانينها حالي حال غيري. بعد إصدار القرار الوزاري بفصل المرضى الكويتيين عن الوافدين في العيادات الخارجية ، صرخ علي أحد مرضاي من الوافدين "أنا عايش في الكويت منذ سنة ١٩٥٨ ، فلماذا تعاملونني هكذا؟".

طيب يا سيدي لماذا تصرخ علي؟ هل أنا من أصدر هذا القرار؟ هل إذا عشت أنا في بلدك سأُعامَل معاملة المواطن هناك؟ آسف. و لكن ليس ذنبي أنك غير كويتي. أنت تصرخ على الشخص الخطأ طال عمرك

الرجسترار الإستشاري
في الكثير من المهن الفنية ، شهادة البكالوريوس أو حتى الدبلوم أكثر من كافية للحصول على وظيفة براتب جيّد و مستقبل وظيفي واعد. لكن للأسف الطب ليس من هذه المهن. البكالوريوس في الطب فقط بداية الرحلة الطويلة.

فإذا لم يكمل الطبيب دراساته العليا من "ماجستير و دكتوراه" أو "بورد و زمالة" فمهنته مصيرها الركود. و في دولة الكويت بالذات ، الترقية بالأقدمية فقط أمر صعب جداً إن لم يكن مستحيلاً. و الناس قدرات متفاوتة. منهم من يكمل كل دراساته و يصبح استشارياً قبل سن الأربعين. و منهم من "يريّح" و يأخذ وقته و يبقى في مكانه و مسماه الوظيفي بدرجة "أسيستانت رجسترار" (Assistant Registrar) أو "رجسترار" (Registrarسعيداً راضياً. كل شخص حسب طموحه

لكن في بعض الأحيان إذا بقي الرجسترار كما هو لسنين طويلة ، بعد فترة يعيش الدور. و يطالب بمعاملته كإستشاري. بمعنى أن ينام في بيته وقت الخفارات. و يتأمّر على الزملاء الأصغر منه سنّاً حتى لو كان مسماهم الوظيفي نفس مسمّاه. و يفصّل جدول عمله حسب راحته الشخصيةحجّته في هذا الموضوع "أنا غير. أنا قديم". 

يا أخي ما يصير. ما يجوز. هل تطالب بمساواتك بمن تعب على نفسه في الدراسات العليا و الإختبارات؟

القصد
روبن هود. أمير اللصوص. صوّرته لنا القصص على أنه بطل الأبطال. كان يسرق من الغني ليعطي الفقير. عالجَت هوليود قصته في أكثر من فيلم. في رأيي أفضلهم كان فيلم "روبن هود أمير اللصوص" (Robin Hood Prince of Thieves). بطولة كيفن كوستنر و مورغان فريمان. إنتاج سنة ١٩٩١

 مبدأ "روبن هود" مرفوض في المجتمعات المدنية المعاصرة. في زماننا ، روبن هود مجرد لص. أفّاق. قاطع طريق. و على أفضل تقدير: فتوّة. يفرض قوانينه الخاصة به لأن حضرة جنابه يرى في قوانين الدولة ظلم و تعسُّف.

إذا كنتَ ترى القوانين و اللوائح غير منصفة ، حاول تعديلها عن طريق القنوات الشرعية. هناك برلمان و محامين و قضاء عادل. و إذا رأيت صعوبة في هذه القنوات ، باب الشكوى الرسمية للسلطات العليا مفتوح. و الصحافة موجودة لتنشر فيها قضيتك العادلةلكن تُطبّق قوانينك الخاصة بك و تخالف القانون الرسمي بحجة أنك مظلوم؟ أن لستَ مظلوماً. أنت مخالف للقانون و من الواجب إيقافك عند حدّك.  

أسلافنا وضعوا لنا الخطوط العريضة في الحياة بالأمثال الشعبية التي صيغَت لتكون في الصميم
الحياة قسمة و نصيب
من سبق... لُبَق.  
لا يضيع حق وراءه مُطالِب
اللي في الأولي لاعب في التالي تاعب
و خبزٍ خبزتيه ، يا الرّفلة إكليه.



الجمعة، 4 مارس 2016

خلّك عظيم

لطالما أحببت القصص الرمزية التي تسرد قصص الحيوان و ترميزها بسلوك الإنسان. ربما أشهرها سلسلة قصص كليلة و دمنة التي ترجمها إبن المقفع. نظيرتها في الأدب الإنجليزي رواية مزرعة الحيوان (Animal Farm) لجورج أورويل (George Orwell). هذه القصة القصيرة محاولة بسيطة مني للسير على خطاهم و ذلك لغاية في نفسي.

يحكى أن هناك مزرعة نائية في أرياف بلاد الواق واق. مزرعة فيها حظيرة صغيرة للدجاج يترأسها ديك واحد. بعدما فقَسَ بيض الدجاج ، رُزِقَ الديك بمجموعة كبيرة من الكتاكيت. منها بضعة ديوك.

 كل ديك من هذه الديوك الناشئة كان يتباهى مختالاً أمام إخوته بفحولته و رشاقته و لياقته البدنية. الإستعراض كان يبدأ عادةً من سطح الحظيرة المقسّم إلى درجات من الرفوف المصفوفة فوق بعضهاكل ديك كان يحاول القفز من الرف الأعلى ، ليفرش جناحيه في هبوط "مظلّي" تدريجي. مسابقة القفز هذه كانت يومية. في كل يوم الديك الذي يقفز من الرف الأكثر علواً هو الفائز برضا و إستحسان الديك الأب. 

كل الديوك كانوا أيضاً يتسابقون فيما بينهم على أكل الحبوب المنثورة لهم. و كان الفوز من نصيب الذي يأكل أكثر الحبوب في أقل وقت. و على الرغم من أن أحداً من الديوك لم يجرؤ على عبور سور المزرعة في حياته ليقارن نفسه بمستوى ديوك المزارع المجاورة على الأقل. إلا أن كل ديك كان "يحس" في نفسه أنه الأقوى و الأكثر فحولة بين إخوته. بل بين كل ديوك العالم.

أصغر هؤلاء الديوك سناً هو -بطبيعة الحال- من طلع من آخر بيضة. بيضته فقست بعد فترة حضانة إستمرت لفترة أطول بكثير من حضانة إخوته. عندما ظهر للدنيا كان صغير الحجم. بالرغم من أن البيضة التي فقس منها كانت الأكبر حجماً. كان مختلفاً جداً عن بقية إخوته. ريشه رمادي خفيف أشعث. منقاره معقوف أسود اللون. جرمه ضئيل. قامته قصيرةبسبب التباين الواضح بين لون منقاره و لون ريشه ، أطلق عليه إخوته لقب "شطرنج" من باب السخرية.

الكتكوت القبيح: شطرنج

 كان شطرنج مسالماً لا يريد المشاكل. كان يسير بجانب الحائط منزلاً رأسه. لا يخالط أخوته كثيراً. و لكنه في ذات الوقت كان يحاول لفت إنتباههم بمشاركتهم في مسابقات القفز و أكل الحبوب. من الديوك من كان يبدي إعجابه -و لو بإقتضاب- بمحاولات شطرنج لإثارة إنتباههم. لكنه أبداً لم يبدِ إعجابه الصريح. بينما ديوك آخرون كانوا يشاهدون محاولات شطرنج الفاشلة في القفز من الرف العالي و يقولون له بلهجة ساخرة دونية "لا تحزن يا أخانا الصغير. كلها بضع سنوات و ستجيد القفز من أعلى رف".

خلال بضعة أشهر ، لاحظ شطرنج نفسه بأنه أسرع الديوك نمواً في الحظيرة. هذا غير عرض جناحيه الهائل وقت فردهما ، و بروز ملامح وجهه الحادة و بالذات بروز منقاره بعد تحول لونه من الأسود إلى الذهبي. حتى حواسّه و حدّة بصره. الذي أصبح أقوى بكثير من جوارح إخوانه


لم يخرج شطرنج في حياته من المزرعة. و لم يفكر حتى في الطيران. شأنه في ذلك شأن بقية أسرته. كان يعتبر نفسه ديكاً و الديك لا يطير. بالرغم من هيمنته على بقية الدجاج. حتى بفحولته المفرطة. حتى بغروره و زهاء ألوانه. إلا أن الديك مكانه حظيرته. يصيح بأعلى صوته فجر كل يوم لإيقاظ أصحاب المزرعة. و لا تتعدى مهمته هذه الحدود. 

إلتفت شطرنج إلى السماء في نهار يوم من الأيام ، و لاحظ طيوراً ضخمة تحلّق في أعالي السماء. تشابهه كثيراً في الهيئة و الصوت و الحجم. نظر إلى إنعكاس صورته في حوض الماء الذي في الحظيرة. فرش جناحيه. أخذ نفساً عميقاً. ثم إنطلق إلى أعالي السماء ليلتحق بأهل جنسه



من أعالي السماء نظر شطرنج إلى المزارع الأخرى المجاورة للمزرعة التي عاش و ترعرع فيها. لمح فيها ديوكاً أكبر و أجمل و أذكى و أكثر فحولة من أخوانه الذين كانوا يسخرون منه. ضحك شطرنج على نفسه كلما تذكر سخرية أخوانه منه




أما زلتم تتنافسون على القفز من الرفوف العليا؟ 
أنا أنظر لكم من أعالي السماء و أضحككنت أقفز معكم لأثير إعجابكم بأي طريقة لأحصل على رضاكم الذي لا يُدرَك

أما زلتم تتسابقون على أكل الحبوب؟ 
و أنا أستطيع إلتهام أحدكم كاملاً بمفردي و في وجبة واحدة!



أما زلتم تضحكون على منقاري الأصفر و رأسي الأبيض و جسدي الأسود؟ 
و الدول العظمى وضعت صورتي شعاراً لها




العالم كله أمامي ينتظرني لأستكشفه. بينما أنتم  ستقضون حياتكم في نفس المزرعة. داخل نفس الحظيرةتأكلون نفس الحبوب. تقفزون من نفس الرفوف

من المؤكد أنكم لن تفقدوني. لأنكم تظنون بأنكم أفضل الطيور على الإطلاق

و أنا لن أفتقدكم. لأنني ضيعت عمري في إرضاء من لا يستحق الإهتمام

السؤال يطرح نفسه: 
من الذي دسّ بيضة النسر بين بيض الدجاج؟ و ماذا كانت النية من وراء فعلٍ كهذا؟ 
لا أحد يعرف الإجابة! و في نهاية القصة الإجابة غير مهمة.

من الجانب الإنساني... 
هل حاولتَ إثارة إعجاب شخص لا يستسيغك ، و ظَهَرَ لك لاحقاً بأنك أفضل منه بمراحل؟

هل حاولتَ إثبات نفسك لقدوتك. و عرفتَ بعد ذلك بأنك متفوق عليه في مجال عمله؟