الجمعة، 4 مارس 2016

خلّك عظيم

لطالما أحببت القصص الرمزية التي تسرد قصص الحيوان و ترميزها بسلوك الإنسان. ربما أشهرها سلسلة قصص كليلة و دمنة التي ترجمها إبن المقفع. نظيرتها في الأدب الإنجليزي رواية مزرعة الحيوان (Animal Farm) لجورج أورويل (George Orwell). هذه القصة القصيرة محاولة بسيطة مني للسير على خطاهم و ذلك لغاية في نفسي.

يحكى أن هناك مزرعة نائية في أرياف بلاد الواق واق. مزرعة فيها حظيرة صغيرة للدجاج يترأسها ديك واحد. بعدما فقَسَ بيض الدجاج ، رُزِقَ الديك بمجموعة كبيرة من الكتاكيت. منها بضعة ديوك.

 كل ديك من هذه الديوك الناشئة كان يتباهى مختالاً أمام إخوته بفحولته و رشاقته و لياقته البدنية. الإستعراض كان يبدأ عادةً من سطح الحظيرة المقسّم إلى درجات من الرفوف المصفوفة فوق بعضهاكل ديك كان يحاول القفز من الرف الأعلى ، ليفرش جناحيه في هبوط "مظلّي" تدريجي. مسابقة القفز هذه كانت يومية. في كل يوم الديك الذي يقفز من الرف الأكثر علواً هو الفائز برضا و إستحسان الديك الأب. 

كل الديوك كانوا أيضاً يتسابقون فيما بينهم على أكل الحبوب المنثورة لهم. و كان الفوز من نصيب الذي يأكل أكثر الحبوب في أقل وقت. و على الرغم من أن أحداً من الديوك لم يجرؤ على عبور سور المزرعة في حياته ليقارن نفسه بمستوى ديوك المزارع المجاورة على الأقل. إلا أن كل ديك كان "يحس" في نفسه أنه الأقوى و الأكثر فحولة بين إخوته. بل بين كل ديوك العالم.

أصغر هؤلاء الديوك سناً هو -بطبيعة الحال- من طلع من آخر بيضة. بيضته فقست بعد فترة حضانة إستمرت لفترة أطول بكثير من حضانة إخوته. عندما ظهر للدنيا كان صغير الحجم. بالرغم من أن البيضة التي فقس منها كانت الأكبر حجماً. كان مختلفاً جداً عن بقية إخوته. ريشه رمادي خفيف أشعث. منقاره معقوف أسود اللون. جرمه ضئيل. قامته قصيرةبسبب التباين الواضح بين لون منقاره و لون ريشه ، أطلق عليه إخوته لقب "شطرنج" من باب السخرية.

الكتكوت القبيح: شطرنج

 كان شطرنج مسالماً لا يريد المشاكل. كان يسير بجانب الحائط منزلاً رأسه. لا يخالط أخوته كثيراً. و لكنه في ذات الوقت كان يحاول لفت إنتباههم بمشاركتهم في مسابقات القفز و أكل الحبوب. من الديوك من كان يبدي إعجابه -و لو بإقتضاب- بمحاولات شطرنج لإثارة إنتباههم. لكنه أبداً لم يبدِ إعجابه الصريح. بينما ديوك آخرون كانوا يشاهدون محاولات شطرنج الفاشلة في القفز من الرف العالي و يقولون له بلهجة ساخرة دونية "لا تحزن يا أخانا الصغير. كلها بضع سنوات و ستجيد القفز من أعلى رف".

خلال بضعة أشهر ، لاحظ شطرنج نفسه بأنه أسرع الديوك نمواً في الحظيرة. هذا غير عرض جناحيه الهائل وقت فردهما ، و بروز ملامح وجهه الحادة و بالذات بروز منقاره بعد تحول لونه من الأسود إلى الذهبي. حتى حواسّه و حدّة بصره. الذي أصبح أقوى بكثير من جوارح إخوانه


لم يخرج شطرنج في حياته من المزرعة. و لم يفكر حتى في الطيران. شأنه في ذلك شأن بقية أسرته. كان يعتبر نفسه ديكاً و الديك لا يطير. بالرغم من هيمنته على بقية الدجاج. حتى بفحولته المفرطة. حتى بغروره و زهاء ألوانه. إلا أن الديك مكانه حظيرته. يصيح بأعلى صوته فجر كل يوم لإيقاظ أصحاب المزرعة. و لا تتعدى مهمته هذه الحدود. 

إلتفت شطرنج إلى السماء في نهار يوم من الأيام ، و لاحظ طيوراً ضخمة تحلّق في أعالي السماء. تشابهه كثيراً في الهيئة و الصوت و الحجم. نظر إلى إنعكاس صورته في حوض الماء الذي في الحظيرة. فرش جناحيه. أخذ نفساً عميقاً. ثم إنطلق إلى أعالي السماء ليلتحق بأهل جنسه



من أعالي السماء نظر شطرنج إلى المزارع الأخرى المجاورة للمزرعة التي عاش و ترعرع فيها. لمح فيها ديوكاً أكبر و أجمل و أذكى و أكثر فحولة من أخوانه الذين كانوا يسخرون منه. ضحك شطرنج على نفسه كلما تذكر سخرية أخوانه منه




أما زلتم تتنافسون على القفز من الرفوف العليا؟ 
أنا أنظر لكم من أعالي السماء و أضحككنت أقفز معكم لأثير إعجابكم بأي طريقة لأحصل على رضاكم الذي لا يُدرَك

أما زلتم تتسابقون على أكل الحبوب؟ 
و أنا أستطيع إلتهام أحدكم كاملاً بمفردي و في وجبة واحدة!



أما زلتم تضحكون على منقاري الأصفر و رأسي الأبيض و جسدي الأسود؟ 
و الدول العظمى وضعت صورتي شعاراً لها




العالم كله أمامي ينتظرني لأستكشفه. بينما أنتم  ستقضون حياتكم في نفس المزرعة. داخل نفس الحظيرةتأكلون نفس الحبوب. تقفزون من نفس الرفوف

من المؤكد أنكم لن تفقدوني. لأنكم تظنون بأنكم أفضل الطيور على الإطلاق

و أنا لن أفتقدكم. لأنني ضيعت عمري في إرضاء من لا يستحق الإهتمام

السؤال يطرح نفسه: 
من الذي دسّ بيضة النسر بين بيض الدجاج؟ و ماذا كانت النية من وراء فعلٍ كهذا؟ 
لا أحد يعرف الإجابة! و في نهاية القصة الإجابة غير مهمة.

من الجانب الإنساني... 
هل حاولتَ إثارة إعجاب شخص لا يستسيغك ، و ظَهَرَ لك لاحقاً بأنك أفضل منه بمراحل؟

هل حاولتَ إثبات نفسك لقدوتك. و عرفتَ بعد ذلك بأنك متفوق عليه في مجال عمله؟

الجمعة، 5 فبراير 2016

خلك صامد

هل تساءلتَ يوماً لماذا بعض الطلبة النوابغ يلتحقون بكليّات الطب و ينسحبون (يتفلترون) منها بعد أول سنة أو سنتين؟ نفس الظاهرة موجودة أيضاً في الدراسات العليا ما بعد البكالوريوس. في كل تخصص نسمع عن "الدكتور فلان" الذي سحب أوراقه من البورد أو من برنامج الزمالة بالرغم من إنه كان من خيرة الأطباء.

السبب هو حقيقة راسخة لم يعلّمني إياها أحد: من أول يوم لك في كلية الطب و حتى آخر يوم لك في دراساتك العليا. ستواجه مجموعة من الأشخاص وظائفهم مختلفة و أهدافهم متنوعة. تجمعهم كلهم مهمة أساسية واحدة: تطفيشك من المكان و تحطيمك معنوياً. لذلك أنا أطلقت عليهم لقب "المطفّشون".

المطفّشون...
- يضغطون عليك بشكل مباشر أو غير مباشر
يراقبوك عن بُعد و يمسكون عليك أي زلّة أو هفوة
- لا يعذروك مهما كانت ظروفك صعبة
- لا يقدروك حتى لو كنتَ قديساً

إضطهاد المطفّشون يوصلك إلى درجة الغليان ، لتعلن هزيمتك رافعاً العلم الأبيض.

خلال مشوارك الدراسي الطبي الذي قد يستغرق ١٥ عاماً كحد أدنى (٧ سنوات طب. سنة إمتياز. ٧ سنوات دراسات عليا من بورد + زمالة) ، أنت تعلم أن المطفّشون محصّنون. لا تستطيع إيذاؤهم و لا حتى التطاول عليهم. و إن خاطرتَ و دافعتَ عن نفسك مثلاً ، أنت من سيدفع الثمنبينما هم لن يتضرروا

المطفّشون متواجدون في كل دول العالم. في كل زمان و مكان. يشغلون كل المناصب. على سبيل المثال

المطفّش قد يكون مدير برنامجك التدريبي.فقط لأنه لا يحب لون بشرتك أو جنسيتك أو أصلك أو حتى دينك.

المطفّش قد يكون أحد أعضاء الهيئة التدريسية. يخاف على منصبه و يعتبركَ تهديداً له على المدى القريب أو البعيد. خصوصاً إذا كان وافداً و انت من أبناء البلد. لأنه يعلم بأولوية التوظيف للمواطن

في الدول الغربية بالذات ممكن أن يكون المطفّش ممرضاً أو فنياً أو حتى إدارياً

بعض الزملاء كانوا نوابغ و عباقرة. لكنهم لم يستطيعوا التعايش مع المطفّشين. لذلك إنسحبوا مبكراً و غيروا خططهم الدراسية كلها و بالتالي ضيعوا مستقبلهم. سواء في كلية الطب أو في الدراسات العليا

أمثال من أرض الواقع...

المطفشون أيام الكليّة...
طالب الطب في المملكة المتحدة و إيرلندا لا أحد يحترمه و هذه حقيقة يعرفها كل من دَرَسَ هناك. فهو كيس الملاكمة الذي يتلقى الضربات من الكل دون تمييز. عندما كنت طالباً في إيرلندا خلال فترة التسعينات قابلت سكرتيرة لأحد الإستشاريين لآخذ منها بعض الأوراق الرسمية. كانت أخلاقها "زفت" مع كل الطلبة بلا إستثناء. أنا قابلتها مبتسماً. إستلمت منها أوراقي و مشيت بعيداً بهدوء. بينما أحد الطلبة كان عصبياً. لم يتحمل إهاناتها و تشاجر معها. فكان مصيره التعزير الشديد من قِبَل الإستشاري المسئول و تهديده بالطرد من الجامعة. صادفتُ في دبلن أمثال هذه السكرتيرة الحقيرة الكثير. تغاضيت عن تفاهاتهم و قلة أدبهم و ركزت على الهدف الذي من أجله تغربت: البكالوريوس.

المطفشون أيام البورد و الزمالة...
في الكويت و السعودية عملت مع بعض الزملاء العرب و الأجانب في عدة مستشفيات خلال فترة سنوات البورد و الزمالة. كان هدفهم رمي أعمالهم و مسئولياتهم على كاهلي. رتّبوا خفاراتي لتصادف العطل و الأعياد الرسمية بينما هم "يريّحون" في بيوتهم. ضبطوا إجازاتهم الدورية السنوية بطريقة تمنعني أنا من أخذ إجازة و حجتهم "لتغطية النقص في عدد الأطباء". كلما إمتعضت من حركاتهم قالوا لي "زعلان ليه؟ إحنا عايزينك تتعلم". 

و كلما إستنكرتُ المعاملة الدونية للإستشاريين الآسيويين لي ، ردوا علي بالرد المعتاد "أنت مجرد عَبْد لا يستحق التقدير" (you are just a slave and you do not deserve gratitude).

و كلما إشتكيت لمدير بورد الباطنية في تلك الفترة قال لي "بدر... إذا مو عاجبك البورد ، إطلع".

المطّفشون أيام الزمالة التخصصية...
في كندا -و العالم الغربي عموماً- التمريض مهنة نادرة و مطلوبة. و الممرضين لديهم إتحاد قوي يساندهم و يعطي وظيفتهم هيبة لا نراها في دول العالم الثالث. لذلك الممرض عادةً له اليد العليا على الطبيب. كنتُ أتلقى الأوامر و أحياناً الإهانات من بعض الممرضات ضعيفات النفوس. كنت أعمل بصمت و لا أنطق بكلمة واحدة.  لأنني أعلم أنني لو خاصمتهم سيكون الحكم لصالحهم على حساب مستقبلي.

قصص السابقين
أحد أساتذتي الإستشاريين الكويتيين القدامى قال لي أنه بعدما أنهى دراساته العليا في أمريكا و التي إستغرقت سبع سنوات ، قالوا له "المطفشون" في مستشفاه: نحن معجبون بك لأنك تحمّلتنا سبع سنوات. رهاننا منذ البداية أنك لن تصمد معنا ثلاث شهور!




ماذا سيحدث لو حاربتَ هؤلاء المطفشون؟
طبيب كويتي. أعرفه شخصياً. أستاذي و صديقي العزيز. عمره يناهز الخامسة و الستين (وقت كتابة المقال). لا يملك مؤهلاً دراسياً حتى الآن غير البكالوريوس. في الكويت الأقدمية وحدها لا تكفي للترقية. كان حزيناً تعيساً لأن تلاميذه أكملوا دراساتهم العليا و سبقوه على سلّم الترقيات. قال لي أنه عندما سافر للغرب في فترة الثمانينات لإكمال دراساته العليا ، تشاجر مع أستاذه (و كان أستاذاً عالمياً) بحجة أن هذا الأخير كان "يكدشه في الشغل" كثيراً. طردته الجامعة. و منعته من تقديم أي إختبارات في أي كلية تحت مظلتها مدى الحياة. رجع صاحبنا بذيول الهزيمة. عض أصابع الندم لن ينفع الآن.

الحل
وجودك مع المطفّشين يزعجهم. لذلك هم لا يريدونك معهم. التحدي هو أن تدوس على كرامتك و تمسك لسانك و تعمل بصمت و تفانٍ طوال مدة تدريبك. إلى أن تتعدى خط النهاية و تتخرج لتتركهم في غيّهم يعمهون (بلعنة تلعنهم). هم يعلمون أن مستقبلك الأكاديمي على كف عفريت. لذلك أنت لا تريد المخاطرة بالسجال معهم.


الفكرة 
ليس القوي بلَكَماته فحسب. و إنما بقدرته على تحمّل لكمات الغيرإذا كانت لك عند الكلب حاجة قُل له "يا سيدي". سكوتك عن المطفّشين ليس مذلة. إنما أنت فقط تختار معاركك. و ليس من الحكمة أن تقحم نفسك في معركة خاسرة. 

هذه النصيحة لكل زملائي طلبة الطب و الأطباء المتدربين.



الأربعاء، 20 يناير 2016

خلك توحدي

  كل بلد له ظروفه و أعرافه الخاصة به. لذلك في بعض الأحيان ، إذا نجحَت فكرة معينة في بلدٍ ما ، ربما تفشل في بلد آخَر. في دولة الكويت ، و في القطاع الصحي العام بالذات ، أظنني عرفت "الوصفة السرية" لتفوق الطبيب. هذه الوصفة ناجحة في دولة الكويت فقط. بمعنى أنها لن تنجح بالضرورة في دولة أخرى. لأكون دقيقاً ، يجب أن أعرّف المقصود من كلمة "تفوّق" في هذا السياق. 

مهنة الطب تتطلب دراسة مستمرة مدى الحياة. لا لتحديث المعلومات الطبية فحسب. و إنما أيضاً لغرض التحضير للإختبارات من أجل الترقية. لصعود الطبيب على السلم الوظيفي المتدرّج في الكويت رسمياً ، الأقدمية وحدها لا تكفي. واجب على الطبيب إجتياز مجموعة من الإختبارات التي هي إما شرط لإجتياز مرحلة في برنامجه التدريبي (إختبارات البورد) ، أو كإختبار مستقل (الزمالة الملكية MRCP مثلاً).

المقصود بالطبيب "المتفوق" هنا هو من لا يقتنع بثبات مسماه الوظيفي. و إنما يقدم الاختبارات واحداً تلو الآخر و يجتهد في عمله ليترقى سريعاً. بينما الطبيب "بلا طموح" يبقى كما هو ، بنفس مسماه الوظيفي لسنين طويلة. و هو راضٍ و سعيد بمكانه. لذلك من المألوف في مستشفيات الكويت ان نرى "طبيب إستشاري" عمره ٣٥ سنة ، بينما زميله "طبيب مسجّل" (رجسترار) عمره ٦٠ سنة. 

بالرغم من صعوبة الترقية على الأقدمية فقط ، إلا أن القطاع الحكومي المدني في الكويت متميّز "بالأمان وظيفي" (job security) بعكس الحال في القطاع الخاص أو في دول الغرب. بمعنى أن فَصل الطبيب الوافد عن العمل (التفنيش) صعب. بينما فصل المواطن عن العمل أقرب إلى المستحيل. الأمر الذي -إلى حد ما- شجَّع على الكسل و ضعف الإنتاجية. وهذا ليس سراً.

"التوحد" متلازمة ذهنية معروفة و ذات طيف واسع. يتم تشخيصها في الأطفال منذ سن مبكرة. تتراوح فيها درجة الإعاقة من الشديد إلى البسيط. و منها تفرعات متنوعة مثل متلازمة أسبرجر. المتوحد لديه صفات عديدة يعرفها الخبراء المختصون. جسّدت السينما الشخصية التوحّدية في فيلمين. الفيلم الأمريكي "رجل المطر" (rain man) بطولة دستن هوفمان. و الفيلم الهندي "إسمي خان" (my name is khan) بطولة شاه روح خان.

المتوحد لديه صفات سلوكية محددة. أبرزها الصفات الثلاثة التالية.

١. المتوحّد يعيش في عالمه الخاص به.
الإنسان "الطبيعي" كائن إجتماعي. لا يكفيه التعايش مع الغير. و إنما يهمه الإنتماء لمجموعة من الأفراد. سواء كانوا من نفس العائلة/القبيلة أو الجنسية أو المهنة أو حتى الهواية. يخالطهم و يجالسهم و يتطبّع بطباعهم. ينعكس هذا السلوك الإجتماعي حتى على أمثالنا الخليجية الدارجة. "الجنّة بدون ناس ما تنداس" أو "الروح تبي أرواح". حتى حملة غِراس لمكافحة المخدرات شعارها "الصاحب ساحب" بمعنى أن الفرد يتطبّع بطباع أصحابه.

بيئة العمل في مستشفيات الكويت الحكومية تهيمن عليها عقلية الكسل. الرواتب ثابتة. و الحوافز -إن وُجِدَت-  ضئيلة لا تستحق العناء. لذلك أصبح الكسل فن. و التهرب من العمل فن. و التسيّب فن. فنون كهذه لا يتقنها إلا الطبيب الوقح البليد عديم الطموح. الطبيب المجتهد الطبيعي للأسف يتسيّب  تدريجياً على مدى شهور و سنوات ، إذا جالَسَ زميله البليد. 

بينما الطبيب المجتهد المنعزل عنهم. الذي يعيش في عالمه الخاص به. يركز على تحقيق أهدافه. لا ينسى من أين أتى (شرح ذلك يأتي في مقال آخر). و لن ينسى وجهته. ينجح عادةً في اختباراته بسرعة و في زمن قياسي. 

٢. المتوحّد يفهم الكلام حرفياً.
جَرَت العادة في دول العالم الثالث أن القوانين فيها نوعان.

قوانين رسمية: مكتوبة على الورق و لكن لا يحترمها و لا يطبقها أحد.
و قوانين أخرى ضمنية عُرفية: مكتوبة بين السطور. يلتزم بها و يطبقها الجميع. 

على سبيل المثال لا الحصر...
قانون رسمي: الطبيب يلتزم بحسن الهندام و ربطة العنق (الكرفتة).
قانون عُرفي: الطبيب يرتدي ما يحلو له من لباس (حتى لو بيجامة النوم) طالما انه يرتدي فوقها المعطف الأبيض. 

قانون رسمي: المحاضرة الفلانية الحضور فيها إلزامي لنشر الفائدة.
قانون عُرفي: إذهب الى قاعة المحاضرات. اكتب إسمك في قائمة الحضور و إنصرف. إرجع عند نهاية المحاضرة لتستلم شهادة الحضور.

الطبيب الطبيعي إذا باشَر عمله في بيئة عمل جديدة ، يبقى يقِظاً بكل حواسه منتبهاً للقوانين العُرفية المتداولة في المكان و يطبقها. ليندمج بذلك مع "القطيع". بينما الطبيب التوحدي يطبق القوانين الرسمية فقط. لا يستوعب القوانين العُرفية لأنه بطبيعته لا يجيد قراءة ما بين السطور. لذلك لا يفهم حتى النكتة أو السخرية بسهولة مثلاً. لأن النكتة فقط مضحكة بمعناها الضمني المبطّن. 

٣. المتوحّد يلتزم بنفس الروتين أبداً دون ملل.
إذا تعلّمَ الطفل التوحدي عادة معيّنة في وقت محدّد ، يلتزم بها و بأوقاتها و لا يغيرها مهما كانت الظروف و بدون ملل أو توقف. فإذا كان يشاهد التلفزيون الساعة السابعة كل يوم ، معناها الساعة السابعة إذا لم يشاهد التلفزيون ... تنقلب الدنيا عاليها أسفلها! تعلّم الروتين من الممكن أيضاً أن يكون مفيداً كتعليم الصلاة في أوقاتها مثلاً. 

طبيعة عمل الطبيب روتينية تكرارية. يقوم بخطوات العمل نفسها مع كل حالة مرضية: فحص المرضى. تعبئة السجلات الطبية. طلب الفحوصات. متابعة النتائج. إستنتاج التشخيص. إجراء العملية المطلوبة. وصف الأدوية. متابعة في العيادة الخارجية. و هلم جرا. 

الطبيب الطبيعي مع الوقت يصيبه الملل من هذا الروتين. ليبدأ تدريجياً بكروَتة العمل و توزيعه على بقية الزملاء. يرمي جزءاً من عمله على الأطباء الأصغر منه بحجة "إحنا عايزينك تتعلم" ، و يرمي جزءاً آخَر من عمله على الأطباء الأكبر منه بحجة "حضرتك صينيور و فاهم كل حاجة". هذا بالإضافة إلى ميوله للإختفاء من رأس عمله و تواجده في مكانين لا ثالث لهما: الكافيتيريا و غرفة الخفارة. هذا غير الإستعباط المحترف. على سبيل المثال ، الواحد منهم عضو فعّال مشارك في كل برامج التواصل الاجتماعي. فيسبوك و تويتر و انستغرام و سناب تشات. لكن إذا أردتَ إرسال قرار إداري له بالبريد الاليكتروني، قال لك "ما عنديش إيميل". 

الطبيب التوحدي يلتزم بالروتين كما هو منذ سنة الإمتياز إلى التقاعد. نفس البروتوكول بنفس خطوات العمل. يرتدي الزي الرسمي كاملاً مع حسن الهندام يومياً. لذلك ترى شغله كاملاً نظيفاً و يبرّد القلب. بلا كروَتة ولا إستعباط.

التوحد إعاقة شديدة. و لا توجد أخبار أسوأ من أن نقول للوالدين أن ابنهما فيه توحّد. لكن الصفات "التوحدية" التي ذكرتها تميّز الطبيب الناجح عن الفاشل في بيئة عمل نفس بيئتنا. 

فإذا سألني أحد الزملاء الطموحين عن سر التفوق. لن أقول له "ادرس الكتاب الفلاني" أو "شد حيلك و إجتهد". و إنما سأقول له "خلّك توحدي".