السبت، 21 مارس 2015

غباء الأمريكان

العديد من المقاطع الكوميدية في موقع اليوتيوب تعرض الغباء الأمريكي.  

بعض الأمريكان ...
لا يعلمون عدد الحروب العالمية. 
لا يعرفون من هي ملكة بريطانيا.
بعضهم من يظن أن أفلام "حرب النجوم" مبنية على قصة واقعية.
منهم من لا يعرف من هو رئيس أمريكا الحالي.  

لكن لدي وجهة نظر لتفسير هذا "الغباء" المزعوم. 

النقطة الأولى
تستغرب أن الأمة التي طار منها أول إنسان (الأخوين رايت - ١٩٠٣) و منها نزل أول إنسان على سطح القمر (نيل آرمسترونغ - ١٩٦٩) فيها ناس بهذا الغباء. لكن أمريكا دولة ضخمة بالسكان مترامية الأطراف. التعليم فيها ليس مركزياً بالمرة. كل ولاية لها مناهجها الدراسية المستقلة. و كل مدرسة لها أجندتها التدريسية الخاصة بها. حتى بعض الولايات تسمح بضرب الطلاب بالعصا إلى يومنا هذا. البعض  يفضل الدراسة المنزلية. لذلك ليس كل من يدرس في أمريكا بالضرورة عبقرياً.  
الأخوان رايت - نورث كارولينا - ١٩٠٣
نيل أرمسترونغ - القمر - ١٩٦٩

النقطة الثانية
تركيز الإنسان محدود. و ذاكرته محدودة. مهما كان ذكياً أو فطناً.
لذلك طاقته تنصب في الأمور المصيرية التي تهدد حياته و أمنه و إستقراره. أي أمور أخرى غير ذلك تبقى تافهة. 

فالمرأة التي لا تفهم في الهواتف النقالة و الكمبيوتر تتحول إلى "هاكر" (Hacker) إذا أحسّت أن لدى زوجها علاقات مشبوهة عبر الانترنت. و إذا كان وزنها زائداً و بشرتها متجعدة بسبب تربية الأطفال و أعمال المنزل ، تحوّلَت إلى لاعبة أوليمبية على جهاز الركض يومياً و ضوّرت نفسها جوعاً بالحمية الغذائية القاسية ، و وضعَت نفسها تحت مشرط جراحين التجميل ، إذا شكّت أن زوجها سيتزوج عليها. 

و المحاسب العربي الذي يتظاهر بالجهل والغباء أمام رئيسه كي لا يزيد عبء العمل عليه ، ينتبه بكل جوارحه آخر الشهر بعد نزول الراتب في رصيده  و يسأل "إزاي راتبي نقص ٩٣٥ فلس؟".

يعيش سكان الغرب نعمة يجهلها  العالم الثالث: الإستقرار. العمل في الدول الغربية قائم على المؤسسات. فيها الإدارة أياً كانت ، تبقى كما هي. حتى لو تغيّر مديرها. 

حياة المواطن الأمريكي المتوسط البسيط هادئة رتيبة مستقرة سياسياً. جاره الشمالي كندا. و جاره الجنوبي المكسيك. و محيطَين واسعَين شرقاً و غرباً. لذلك الأمريكي مرتاح البال. جغرافياً مبتعد عن المناطق المشحونة بالحروب و الأزمات. لذلك لا يهمه من هو رئيس أمريكا الحالي. و لا موقع أستراليا على الخريطة. يريد أن يعيش حياته كما يحلو له. يخلص معاملاته الرسمية بالبريد أو عبر الانترنت (أون لاين).

بينما المواطن العربي مشرئبة عنقه. يتابع الأخبار و السياسة عن كثب. لأن كل الإدارات العربية تتغير بتغيّر من يديرها. مثل تاجر البورصة الذي يتابع حركة الأسهم أولاً بأول اذا كانت كل أمواله مستثمرة في السوق.

يدرّس المواطن العربي أبناءه التاريخ بكل تفاصيله و جغرافيته و كل "نظريات المؤامرة" التي حيكت ضد أمته. إتفاقية سايكس بيكو و معاهدة سان ريمو ، وعد بلفور ، حروب ٤٨ و ٦٥ و ٦٧ و ٧٣. لا ننسى أن  شرحه للتاريخ العربي إنتقائي طبعاً. فالشرح المفصّل يبقى من نصيب أي موضوع له علاقة بإسرائيل. بينما يمر مرور الكرام على المآسي العربية الأخرى.  شاهد فيديو كليب أغنية الحلم العربي. هل ذُكِرَ الغزو العراقي للكويت فيه؟ 

لذلك أتساءل: إذا سخرنا نحن من هذا "الغباء" الأمريكي. النكتة في النهاية علينا أم عليهم؟

السبت، 7 مارس 2015

مدرسة المشاغبين: درس خصوصي

مدرسة المشاغبين ربما من أروع الأعمال المسرحية المخلدة في تاريخ الفن المصري الحديث. هذه المسرحية خرجَت أجيال. مفرداتها الكوميدية و عباراتها الساخرة لا تزال تتناقلها الألسنة من جيل لآخر مع  فريق من الممثلين لن يتكرر مثله فريق مرة أخرى.  

ملخص المسرحية
مجموعة من الطلاب المشاغبين في مدرسة "الأخلاق الحميدة" استطاعوا بحركاتهم الصبيانية تطفيش كل مدرسيهم. كمحاولة يائسة من الناظر "عبدالمعطي" (حسن مصطفى) للسيطرة عليهم ، جمعهم في فصل دراسي واحد. 
الناظر: عبدالمعطي
زعيمهم كان بهجت الأباصيري (عادل إمام) الملقّب "بالمخ".  بينما كان ساعده الأيمن "مرسي الزناتي" (سعيد صالح) الملقّب "بالعضلات". بهجت وضّح الصورة لمرسي منذ بداية المسرحية: أنهما إذا افترقا ، بهجت يصبح ضعيفاً ، بينما مرسي يصبح حماراً.

 آخر ضحاياهم من الأساتذة كان "علّام الملواني" (عبدالله فرغلي). قيل أنه كان عبقرياً قبل أن يجن جنونه على يد هؤلاء 
المشاغبين. خطة الإنقاذ الأخيرة من الوزير كانت إرسال "عفّت عبدالكريم" (سهير البابلي) المعلمة المتحضرة الراقية. حاملة شهادة الدكتوراه. كانت مهمتها ترويض الطلاب و حل مشكلة شغبهم. 

عفت عبدالكريم
كلنا نتذكر المواقف الكوميدية للمسرحية. لكنها علمتنا دروس و عِبَر أيضاً.
١. "عفت عبدالكريم" حاولت كسب الطلبة لصالحها بالطرق المتحضرة السلمية و بمنهج أكاديمي. لكنها كسرت ذراع "مرسي الزيناتي" بعد تعديه حدود الأدب معها. نبوءة "بهجت" تحققت. لقد أصبح ضعيفاً. و "مرسي" أصبح حماراً.
درس: من الصعب أن تتفاهم بأخلاق راقية مع ناس لا تعرف ما هي الأخلاق أصلاً.

٢. جرح كبرياء ناظر المدرسة "عبدالمعطي" لأن "عفت" كانت معلمة و شهادتها دكتوراه. بينما هو ناظر و كانت شهادته إعدادية. هنا التصادم بين التعليم و الخبرة. الصراع بين المدرسة القديمة و المدرسة الحديثة.
درس: الحلول التقليدية لا تحل دائماً المشاكل المستحدثة.



٣. من كل الخدع و الحيَل الصبيانية في المسرحية ، "الإستعباط" كان أقوى سلاح لتطفيش المعلمين. هذا في رأيي أهم درس تعلمته من المسرحية.




الأفغان هزموا الإحتلال السوڤييتي بصواريخ "ستنغر" (Stinger) الأمريكية. 
الهنود هزموا الإستعمار الإنجليزي بسياسة "اللا عنف".
العرب هزموا الإستعمار بسلاحهم الأمثل الذي أثبت فعاليته بلا منازع: التظاهر بالغباء و الجهل.

- شرطي المرور يوقِف السائق لعدم ارتدائه حزام الأمان. السائق يستعبط "لم يقل لي أحد أن حزام الأمان إجباري". 

- العربي لا يحترم الطابور ، لذا يتخطى الذين أمامه دون خجل. و إذا أوقفه أحد عند حدّه قال معتذراً "سامحني ما شفتك" أو "آسف. ما كنت أدري ان فيه طابور".  

- العربي فعّال في التواصل الاجتماعي في الانترنت عبر "فيس بوك" و "تويتر" و "انستغرام". و إذا أرسلت له قرارات إدارية (لها علاقة بالعمل) بالبريد الاليكتروني، قال لك "معنديش إيميل!".

- الموظف العربي تعلّمه أصول العمل شفهياً و تحريرياً. بالورق و بالانترنت (أون لاين). و تكرر عليه نفس المعلومة ألف مرة. و في النهاية لا يتقن عمله. تبريره "محدش قال لي أشتغل إزاي".

- العربي بعدما يعيش في الغرب مليون سنة. يتعلم لغة الدولة الغربية التي عاش فيها. لكن لغته تظل ركيكة إلى درجة مستفزة. هذا غير حفاظه على لكنته العربية الأصلية.

- العربي يتعمّد التواصل الشفهي في أغلب تعاملاته. لأنه يستطيع إنكار أو تغيير أو تعديل أقواله لعدم وجود أي إثبات خطي يثبت أو ينقض كلامه. "يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل" (البقرة. آية: ٢٨٢)

الإستعباط سلاح قوي. خصوصاً في المجتمعات المتحضرة الراقية. لأن الإنسان الراقي لا يسيء الظن. و يلتمس لأخيه سبعين عذراً ، مما يجعله فريسة سهلة للمستعبِط.

"الاستعباط" بالرغم من فعاليته. إلا أن فيه عيب جوهري قاتل: فائدته قصيرة الأمد."المستعبِط" مصيره ينكشف على المدى البعيد و مصداقيته على المحك. لن يصدقه أحد و لن يحترمه أحد بعد إنكشاف أمره. خصوصاً أن الإستعباط بحد ذاته إهانة لذكاء "المستعبَط عليه" إن صح التعبير.

الجمعة، 27 فبراير 2015

خلك قول و فعل

قبل بضع سنوات جلست مع أحد الزملاء و كان حينها في منتصف العمر. سألني عن عمري فأجبته "٣٥ سنة". 

قال لي " عندما تصل سن الأربعين سيزداد زهدك في الحياة الدنيا. و ستبدأ بالتفكير في الآخرة". 

 تأثرت جداً بكلامه الرائع. خصوصاً انه كان ملتحياً. لون شعره الرمادي زاد مظهره وقاراً. حضوره الرزين و نبرة صوته الهادئة و عباراته المؤدبة تروّض الوحوش الضارية. زِد على ذلك خبرته الطويلة في عمله كطبيب و القصص التي سمعتها منه عن صولاته و جولاته في غرفة طواريء المستشفى. الأمر الذي زاده هيبة و جعل انطباعي الأول عنه أنه "أستاذي" و ليس زميلي. 

  كلها مسألة وقت و ظهر "الأستاذ" على حقيقته. قال لي أصحابه أنه يملك ناطحات سحاب في بلده. بالرغم من ذلك ملابسه رثّة و سيارته قديمة. يزاحم الكل على الوجبات المجانية التي تقدمها شركات الأدوية في المستشفى. يجلب زوجته و أبناءه الصغار إلى المؤتمرات العلمية لأن "البوفيه" فيها مجاني بعد المحاضرات. دائماً يتصل بي من الهاتف الأرضي كي لا يكلف نفسه ٤٠ فلساً في الدقيقة ثمن المكالمة من هاتفه الجوال. 

صعقني "الأستاذ" أكثر بعدما عملت معه عن قرب في غرفة الطواريء. لغته الانجليزية كانت ركيكة. لهجته مع الممرضين كأنهم عبيد عنده. إعتماده على الحدس و السليقة أكثر من التحليل المنطقي و التخمين المدروس في التشخيص. و كل مرة كان يختم الأوراق بأختام زملائه. حجته أن "ختمه ضائع". 

لم أستطع كتم تعجبي و اندهاشي و خيبة أملي. لذا واجهته بكل جرأة...

"عفواً دكتور. نمط حياتك لا يدل على شخص زاهد في دنياه دائم التفكير في آخرته!"

إكتفى الأستاذ بإبتسامة و انصرف مسرعاً لتفادي المواجهة. 

في الوهلة الأولى ظننت أن ما فعله "الأستاذ" كان شنيعاً منفراً. لكن بعد قليل من التأمل ، عرفت ان ما فعله كان السهل. لأن مطابقة الأقوال بالأفعال امر صعب ، فيه الكثير من التحديات.   

الإلتزام بالمواعيد ربما أكثر صفة ميّزت الإنجليز عن بقية الأوروبيين. عندما يعدك الإنجليزي الساعة السابعة صباحاً معناها سيلاقيك الساعة السابعة صباحاً. في مجتمعنا الذي يحترم مواعيده نقول عنه "مواعيد إنجليز". إعتاد الغربيون على الشفافية و الصراحة. لذلك اذا سمعوا تصريحات نارية أو عنترية قالوا عنها "الأقوال أسهل من الأفعال" "Easier said than done".

في الفكر الديني: الذي يُظهر غير ما يُبطن ، أو يقول غير ما يفعل يسمى "منافق". بينما في الأعراف الإجتماعية يسمى "فهلوي" ، "عيّار" ، أو "كلكچي". حسب اللهجة الدارجة و الظروف الراهنة. و في كل الأحوال الفكرة واحدة. 

لكن لا نظلم من يقول ما لا يفعل...

١. ربما القائل هو نفسه لا يدرك حدود قدراته لأسباب هرمونية - التستوستيرون.
"أروح من الكويت إلى بغداد مشي ولا أركب معاك السيارة".

٢. أو لأن أقواله الرنانة أسبابها عاطفية رومانسية بحتة ...
"أعبر البحور السبع علشان حبيبتي". 

٣. أو أقواله عرفية...
عندما يأكل وجبة تكفي لشخص واحد و يقول لكل من يمر عليه "تفضّل. بسم الله". 
أو عندما يقول لضيفه "إعتبر البيت بيتك" أو "أنا رقبتي سدّادة".

فكر فيها. أيهما أسهل...
تنصح الناس؟ أو تطبق نصائحك على نفسك؟

تلقي خطباً حماسية؟ أو تنفذ شعاراتك على حياتك؟

لافتة في برج الحمراء بمناسبة العيد الوطني


 بعد ٢٤ سنة من تحرير الكويت عرفت معنى أغنية "أنا كويتي. أنا قول و فعل. و عزومي قوية". الذي يقول و يفعل انسان قوي. سمعته تسبقه الى الناس قبل وصوله. لذا قيل في الأمثال "لا تقاوم من اذا قال فعل". 

الأربعاء، 18 فبراير 2015

الواد بلية مطلوب فوراً



قبل فترة وجيزة احترق المصباح الأمامي لسيارتي. عندما ذهبت إلى كهربائي السيارات لتبديله، رأيت في "الجراج" صبياً لم يبلغ الحُلُم. بعدما شرحت له مشكلة المصباح فتح غطاء محرك السيارة و بدأ "بالعَبَث" في الدوائر الالكترونية لنظام الإضاءة. كانت حركة أصابعه سريعة في إقتلاع القطعة المعطوبة و تبديلها بقطعة جديدة. الأمر الذي دلّ على إحترافيته و خبرته في حل مثل هذه  المشاكل. استغرق موضوع التصليح منه ١٠ دقائق فقط.  

من دافع الفضول سألته من أي بلد أتى و كيف أصلح المشكلة. قال لي أن عمره لم يتعدّ الإثني عشر عاماً. ولِدَ في منطقة سوريّة تسمى "دير الزور" قريبة جغرافياً من العراق. الأمر الذي فسّر لي لهجته السورية المهجّنة باللكنة العراقية. لم يكمل تعليمه الإبتدائي هناك. جلبه والده من سوريا ليجعل منه كهربائياً للسيارات في الكويت منذ بضع سنوات. شخّص علّة سيارتي بسرعة لأنها مرت عليه مرات عديدة خلال عمله في الجراج ١٢ ساعة كل يوم.     

على الرغم من إستيائي من حرمان هذا الطفل من فرصة التعليم النظامي ، إلا أن فكرة "التلمذة" (apprenticeship) القديمة و الراسخة في كل الحضارات منذ فجر التاريخ أعجبتني. 

"الواد بِليَة" تحت المجهر
يُستخدَم لقب"الواد بِليَة" في اللهجة المصرية للتلميذ الذي يتعلم الحرفة مباشرة من أستاذه "المعلّم". التعليم هنا يتم بالممارسة الفعلية المستمرة للحرفة. إلى أن يصل الواد بِليَة إلى درجة أستاذه يوماً ما.

في كل دول العالم ، النخبة من أوائل الثانوية العامة يلتحقون بكلية الطب. السبب الذي أضاف هيبة مبالَغ فيها للمهنة و صَنَعَ "هالة من نور" حول رأس الطبيب. لكن الطب في النهاية حرفة لا تُتقَن إلا بالممارسة شأنها شأن أي حرفة أخرى.        

في الدول النامية لا يزال هناك الكثير ممن يظن أن التفوق الدراسي يوازي التفوق المهني. بمعنى ان الطبيب "الشاطر" هو الذي يقضي معظم وقته في المكتبة بدلاً من أجنحة المستشفى. قال السّير ويليام أوسلر مؤسس التدريب الطبي ...

"الطب لا نتعلمه في المكتبات. الطب نتعلمه بجانب سرير المريض"

 بينما الأساتذة في الشرق لا يزالون يهتمون بالمعلومات النظرية ، بل و جعلوها نبراساً للنجاح و الرسوب في إختباراتهم. بينما الخبرة العملية همّشوها و لم يلغوها، فقط لذر الرماد في العيون. قلتها في مقالات سابقة و أقولها الآن.

طبيب الغرب يدرّب تلميذه كي يصبح طبيباً "آمناً" لبقية مشواره المهني.

بينما طبيب الشرق يدرب تلميذه لينجح في الاختبارات النظرية آخر السنة الدراسية.

الغرب ينظّم اختباراته النظرية بطريقة "تحاكي" الحالات المرضية الواقعية. لذا تلميذهم المتدرب على ايديهم يقدم الاختبارات و ينجح فيها بسهولة لأنه يشخصها و يعالجها كل يوم. بينما في الشرق الطبيب يحفظ المعلومات الطبية من الكتب ، و ينساها بعد نجاحه في الإختبارات. لأنه أصلاً لا يمارسها يومياً. 

أما الاختبارات العملية عندنا ، فيها نرى المسخرة و لا شيء غير المسخرة.

في الغرب تقييم الطبيب في الإختبار العملي أغلبه يقوم على نقاط غير أكاديمية:
هل كان الطبيب حَسَن الهندام يوم الإختبار؟
هل عرّف الطبيب عن نفسه عندما التقى مع المريض؟ 
هل صافح المريض؟ 
هل غسَلَ الطبيب يداه قبل فحص المريض؟
هل إستأذن الطبيب مريضه قبل الفحص؟ 
هل تألّم المريض من يد الطبيب وقت الفحص؟
هل فسّر الطبيب التشخيص للمريض؟
هل كانت لغة الطبيب واضحة مؤدبة مهنية خالية من العبارات الغامضة؟

عند الغربيين ، حفظ هذه "السلوكيات" ليوم الإختبار لا يهم ، لأنهم يعاملون مرضاهم أساساً بهذه الطريقة يومياً. بينما في الشرق ، الطبيب الشرقي عليه أن يكون ممثلاً بارعاً يوم الإختبار. لأنه في وظيفته اليومية لا يمارس الطب بهذه الطريقة مع مرضاه.  

الغرب ينظم برامجه الطبية التدريبية في المراكز المزدحمة بالمرضى. كي يتسنى للطبيب المتدرب رؤية أكبر عدد من الحالات المتنوعة في تخصصه و في أقصر وقت ممكن. بالتالي خبرة عالية مكتسبة في فترة وجيزة. مثلاً الجراح الذي يمارس ٥ عمليات جراحية في اليوم يختلف في خبرته عن الجراح الذي يمارس خمس عمليات في الشهر!

بينما الأستاذ الشرقي يتفاخَر بتفوق تلاميذه في اختبارات الغرب. لأن أسئلة الغرب عملية و سلسة ، أسهل بكثير من الاختبارات العربية التي تختبرالمعلومات العامة تعجيزياً على نمط برنامج "من سيربح المليون". 

أنظر إلى الوظائف الأخرى و أهمية "الممارسة" فيها.
- هل تستطيع إتقان لغة دون أن تتكلم بها مع ناطقيها بشكل دوري و مستمر؟
- هل تستطيع تعلّم السباحة دون أن ترمي نفسك في الماء؟
- هل تستطيع دخول ميدان المعركة مباشرةً فقط بعد قراءة كتيّب إرشادات إستخدام السلاح؟

أنا لا يهمني اذا كانت معك شهادة الماجستير او الدكتوراه او الزمالة في تخصصك الطبي. لذلك أسأل كل من يريد العمل معي من الزملاء في مختبر القسطرة القلبية و الأطباء المتدربين تحت إشرافي:
- إذا كنت في عرفة طواريء المستشفى وحدك، هل تستطيع تشخيص الحالات و اتخاذ القرار؟
- هل تستطيع بثقة و براعة إجراء العمليات التي لها علاقة بتخصصك؟ 
- هل تعرف أسرار مهنتك و خباياها غير الموجودة في الكتب الدراسية؟

ما كتبته في هذا المقال مبني على رأيي الشخصي و خبرتي من ما رأيته خلال سنوات ممارستي للطب في دول متعددة. 

الثلاثاء، 3 فبراير 2015

In loving memory of Luc Bilodeau

Lub Bilodeau, MD. (1961-2015)
  I remember the first time I met Dr. Luc Bilodeau. It was during one of his brief visits to Kuwait back in 2013. I saw in him a humble gentleman who performed his procedures in silence. I introduced myself and told him how much I was interested in invasive cardiology. He was welcoming and friendly to my many questions. 


Luc was the director of the cardiac catheterization laboratory when I started my interventional cardiology fellowship at the Royal Victoria Hospital in Montreal later on that year. Despite his prestigious status and household name. Despite being a prominent figure in his specialty along with his various academic activities as a lecturer and trainer worldwide. He worked quietly in the cathlab next to his colleagues. As if he were an average attending physician.

One of Luc's colleagues sat next to me at the end of my very first day of the fellowship. I remember that day vividly. He told me "You are lucky you'll be with Luc. You will be trained by one of the best cardiologists in the country".

Luc was the pro-active kind of guy. He worked closely with the nursing staff and technologists during cardiac emergencies. He trained himself in a way that enabled him to perform a full procedure on his own. Independently. Unassisted. 

He kept his calm during emergency procedures. No matter how complex or critical the condition of the patient on the table was. Since his job revolved around emergencies after all. 

Luc was not much of a talker. His comments were brief, concise, well put, and straight to the point. His French accent added a majestic touch to the conversation as well.

I told him how much I admired his cool... 
He replied "if you freak out, it would neither be good to you, nor to your patient".

I told him once how much I admired his modesty and decency... 
To that he said "my father told me if you want to be on top of your game, you can't be hostile to others". 

His view on his work ethic was clear. 
He told me "when I am sad, I work. I like my job. Sometimes I like it too much".

Whenever he was called at night to perform an urgent coronary angiogram, he rushed to the hospital without arguing with the physician who called him. His rationale was "if the doctor on-duty calls you, it means he needs your help!".

I told him I joined a nearby gym. He said "Good. training should be part of your daily routine". He used to workout regularly. It was a matter of "leadership by example". A cardiologist who tells his patients to lead a healthy life should lead one himself.

On the final day of my fellowship I told him how much I anticipated his next visit to Kuwait. I told him I would be assisting him. He said "No. In Kuwait I will be assisting you". I was so close to hugging him at that moment. Only the great ones reach that level of humility.

Months have passed. I completed my fellowship and went back home. I met Luc in Kuwait later on November 2014. I told him how much I was frustrated for not always getting my way in improving the workflow. He assured me, "have faith in your technique: apply light, but constant pressure. You will be get there".

Luc Bilodeau's last visit to Kuwait
 Dr. Bilodeau died unexpectedly at a young age. He will always be in my heart. I know for a fact I am only one of the many people who were touched by him. Doctors and patients alike. I will always cherish the time I spent under his wing. He will always be my mentor, teacher, role model, and older brother. 

Rest in peace, Dr. Bilodeau.

الثلاثاء، 23 ديسمبر 2014

خلك تستوستيروني

التستوستيرون. المادة الكيميائية التي تحول الصبي إلى "رجل" بهويّته الجسدية الكاملة مختلفاً عن الأنثى. هذا الهرمون له علاماته المعروفة مثل شعر الوجه و تضخّم العضلات و تعريض العظام. لذلك في القصص المصوّرة نرى البطل و حنكه العريض علامة الفحولة مثل سوبرمان. لكن "أكسير الذكورة" هذا له آثاره السلوكية أيضاً. 

هذا السلوك واضح في الكائنات الحية لأنه يتمحور على جذب إنتباه الجنس الآخر و لأسباب واضحة. مثل الديك الغيور على دجاجه. و الكبش اليافع المندفع لنطح غريمه لينحّيه عن رئاسة القطيع. و الثور الهائج تجاه البقر. الرجل البدائي سلوكياته مماثلة.

هذه السلوكيات تخفّت (أو تحولَت) بشكل غير مباشر مع الإنسان العصري و تحسّن مستواه المعيشي و التكنولوجيا. لتظهر في حلّة جديدة غير واضحة للجميع. لذلك سأسرد بعضاً منها هنا.  
  
التستوستيرون بالملخص يجعل الرجل يرى نفسه ما يسمى باللغة الإنجليزية "ألفا-ميل" (Alpha male):

فحل - عنيف - فولاذي لا يُقهَر - متفوق - ماهر - ذكي - ذو إرادة صلبة - رجل المهمات الصعبة

١. فحل. 
الفحولة ليست محصورة فقط في الأداء الجنسي. فهذا أمر معروف. و إنما معناها أيضاً غيرة الرجل الزائدة على كل "نسائه" ، الذي أعني بهم زوجته و أمه و أخواته. لكن هذه الغيرة للأسف لا تشمل و لا تمتد إلى نساء الغير. الفحولة أيضاً تعني ربط الرجل بصفة ثانوية أو عادة متعارف عليها. حتى لو كان هذا الربط خاطئاً. مثلاً الفحل هو صاحب الشنب المفتول أو المدخن بشراهة.      

٢. عنيف. 
السلوك العدواني أو "الندّية" ربما ثاني أوضح صفة تستوستيرونية. الشباب الذين يتعاطون حقن التستوستيرون في الأندية الرياضية يلاحظون رغبتهم العارمة لإثارة أي معركة لأتفه الأسباب. ربما أشهرها "ليش تخزني؟" (لماذا تحدّق بي؟). الرجل العنيف بشكل عام يفضل حل نزاعاته بالعنف بدلاً من التفاوض و اللطف. 

٣. فولاذي.
"التستوستيروني" لا يأخذ الإحتياطات اللازمة لأي مهمّة. لأنه لا يرى نفسه كائناً ضعيفاً معرّضاً للخطر و الموت شأنه شأن بقية الكائنات الحية. لذلك لا يرتدي حزام الأمان وقت قيادة السيارة. و لا يرتدي الخوذة عند ركوب الدراجة النارية. و لا يرتدي النظارات الغامقة الواقية خلال الحدادة أو اللّحيم. 

الأغلبية الساحقة من القوى العاملة في تخصصي - قسطرة القلب- من الذكور. عملية القسطرة القلبية يتعرض الطبيب فيها لجرعات كبيرة من الأشعة السينية (أشعة اكس). لكن طبيب القسطرة لا يرتدي الياقة الواقية للغدة الدرقية و لا يرتدي النظارات الواقية من الإشعاع. و الأخطر من ذلك ، إذا كان الطبيب يعاني من بُعد النظر (لا يستطيع رؤية الأشياء القريبة و يحتاج نظارة طبية للقراءة) يتفادى إستخدام نظارته الطبية عند أدائه الإجراءات الدقيقة الصعبة مثل العملية الجراحية أو القسطرة القلبية أو مناظير الجهاز الهضمي. الرادع الوحيد هو العقاب الإداري في حال عدم إلتزامهم في إتخاذ إجراءات السلامة و الوقاية. 
  

٤. متفوق و ماهر.
المشكلة ليست في التفوق إذا كان حقيقياً ملموساً و ظاهراً للعيان. المشكلة تكمن في المبالغة في تقييم القدرات العقلية و الجسدية للذات. ربما لخصوها الأمريكان في جملة مفيدة واحدة: 

"غرورك يكتب شيكات جسدك لا يستطيع سدادها" 
Your ego is writing cheques your body can't cash

"التستوستيروني" يرغب في التحدي و المسابقة لإثبات تفوقه على أقرانه. التفوق الجسدي له الأولوية على التفوق العقلي. و النتائج قريبة المدى لها الأولوية على النتائج بعيدة المدى. لذلك "التستوستيروني" أرعَن. يريد الحل السريع في أقصر مدة ممكنة (بالكويتي: مطفوق / مطيور / فالِت). 


٥. ذكي.
"التستوستيروني" يحاول إنجاز و إتقان مهمته بنجاح و من أول مرة. مستعد أن يضع حياته على المحك أحياناً و يضحي بالكثير لذلك. بينما العاقل يعلم بأن السبيل الصحيح للنجاح هو بالمحاولة و الخطأ. و الفشل المتكرر هو السبيل الأمثل للنجاح. لا سيما في مجال البحث العلمي. هذا غير أنه يأبى مساعدة الغير. لأنه يظن أن في استطاعته حل أي مشكلة معتمداً على نفسه. فهو لا يسأل عن الإتجاهات إذا أضاع طريقه. و يعتمد على ذاكرته في حفظ و إسترجاع المعلومات بدلاً من توثيقها على الورق أو إليكترونياً.

"التستوستيروني" يرى نفسه أحياناً "ذيب" في ذكائه. لأنه يختبر نفسه دائماً إذا كان قادراً على كسر القوانين دون عقاب. فلا يلتزم بالزي الرسمي في المدرسة أو مقر العمل. و يتخطى حدود السرعة القانونية على الطريق. 

٦. ذو إرادة صلبة.
أنا مدخن بكثرة منذ سنوات. لكنني أستطيع قطع السجائر وقتما أريد.

أنا مفلس. لكنني أستطيع شراء أي سيارة أريدها بغض النظر عن راتبي الشهري. 

أنا سمين بمزاجي. و أستطيع تخسيس وزني بالرياضة و الحمية في أي وقت. 

٧. رجل المهمات الصعبة.
"التستوستيروني" يعشق استخدام العدّة و العتاد و الأجهزة المتطورة. أفضل و أقرب مثال على ذلك شخصيات القصص المصورة الذي يتمنى أن يعيش دورها كل الرجال. مثل جيمس بوند (007) و توني ستارك (أيرون مان) و بروس وين (باتمان) الذين يجسدون صورة رجل العتاد "gadgets man" الذي يستخدم "أدواته" في فعل الخير و محاربة الشر. 


نمط التصرفات المذكورة أعلاه أساسها تستوستيروني.
لكن الأعراف و العادات و التقاليد في كل مجتمع تشكّلها و تحوّرها حسب الزمان و المكان. لتتحول و تبقى جزءاً من نسيجنا الإجتماعي. حتى لو انخفضت نسبة هذا الهرمون في الدم لأسباب نفسية أو لحالة مرضية. 

كيف تميز السلوك التستوستيروني؟

أ. العلاج الهرموني يغير السلوك. 
كما ذكرت مسبقاً. لاعب كمال الأجسام الذي يتعاطى حقن التستوستيرون يريد إثارة أي مشاجرة لأتفه الأسباب. بينما الرجل الذي يتعاطى هرمونات الأنوثة (حبوب منع الحمل) يميل إلى السلام و العاطفة و الحنان أكثر. 

ب. سلوك الإناث مقارنة بسلوك الذكور. 
الإناث في العالم المتقدم أثبتنَ أنفسهن أمام الرجال. لكن حتى عندما تنافس المرأة الرجال في الوظائف الذكورية ، ترى سلوكها ليس ذكورياً. فالأنثى بالمقارنة تراها أكثر إلتزاماً بالقوانين. تفضّل الحل الدبلوماسي في معالجة النزاعات. حتى إذا أعلنَت الحرب على أحد ، حربها باردة. أبسط مثال: الزوج يقود السيارة و يضيع في الطريق. تسأله زوجته: لماذا لا تسأل أحداً عن الإتجاهات؟ الزوج يغضب و "يطنقر". بينما زوجته تراضيه لاحقاً بطبخ وجبته المفضلة أو في غرفة النوم. 
    
ج. مقارنة الذكور الكبار في السن بالذكور المراهقين. 

"حتى إذا بلغ أشده و بلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك" 
سورة الأحقاف. آية ١٥

"المُسِن الجالس يرى أبعد من الشاب الواقف" 
مثل أفريقي

الطباع التستوستيرونية مثل الحصان المتوحش. كبح جماحه و ترويضه و السيطرة عليه يتطلب زمناً طويلاً. لذلك الرجال في منتصف العمر يتحكمون في طباعهم التستوستيرونية أكثر من المراهقين الذين سلموا عواطفهم لهرموناتهم الذكورية منذ بلوغهم. لذلك المنظمات الإرهابية ترى في الشباب فريسة سهلة لغسيل المخ. و العمليات الإرهابية الإنتحارية و الفدائية وقودها رجال أعمارهم تحت الأربعين سنة.   

د. "المثقف الواعي"مقارنة "بالطيب على نيّاته". 
المثقف الذي يعي تأثير التستوستيرون على شخصيته يتحكم في ردة فعله عند الغضب. أفضل بكثير من الذي يتصرف على سجيّته. رعاة البقر في أمريكا المعروفين "بالكاوبوي" بسطاء جداً. لذلك سلوكهم التستوستيروني الواضح يجعلهم عرضة للسخرية أحياناً. البساطة في هذه الظروف ضارة. كلما زادت الثقافة و الوعي بتأثير هرمون الذكورة (السبب وراء كتابة هذا المقال) كلما قلّت التصرفات التستوستيرونية.

التصرفات التستوستيرونية تعكس غريزة حب البقاء و لا جدال على ذلك. 
لكن مع تحديات العصر الحديث ، أضرارها قد تكون أكثر من منافعها. 

الجمعة، 12 ديسمبر 2014

خلك إعلامي

 صديقة الوالدة فارقت أمي منذ عقود لظروف خاصة. عندما كنت رضيعاً حَمَلَتني بين ذراعيها مرة أو مرتين فقط. و بعدما قابلتها بعد ثلاثين سنة قالت لي "أنا ربيتك!"

حرب "عاصفة الصحراء" التي تمت بمساهمة ٢٨ دولة ، حرّرت الكويت من براثن الغزو العراقي سنة ١٩٩١ بقيادة الولايات المتحدة و التي كان لها نصيب الأسد في تخطيط و تنفيذ العملية العسكرية بكاملها. بعد التحرير صادفت بعض الإخوة العرب المنتمين لبعض الدول المشاركة. قالوا لي "نحن حرّرناكم!".  

عندما كنت طالباً في المدارس الحكومية في الكويت كانت مهمة أستاذ التربية البدنية آنذاك تسليمنا الكرة و إطلاقنا لنلعب كرة القدم في الملعب حتى نهاية الحصة. صادفت أحد أساتذة التربية البدنية في السوق فقال لي "أنا أتذكرك. أنت كنت تلميذي. أنا درّستك". ما شاء الله عليه. قارَن نفسه بأساتذة المواد الدسمة الذين درّسوني الرياضيات و الفيزياء و الكيمياء و البيولوجيا. 

خلال فترة تدريبي الباطني في المستشفى الأميري صادفت في مواقف السيارات رجلاً لبنانياً في الستينات من عمره يسير على عكاز. كان يبحث عن مدخل الطواريء. قال لي "على فكرة يا دكتور. نحن بنينا هذا المستشفى". 

وقفتُ مندهشاً فسألته "هل أنت من صمّم المبنى؟" قال "لا".   

"هل أنت المقاول الذي إستلم مقاولة البناء؟" قال "لا".

"هل كنتَ مدير شركة الإنشاء التي إستلمَت المناقصة؟" قال "لا".

"إذاً مالذي فعلته؟" 
قال لي "أنا كنت أحد العمّال الذين قاموا بتمديد أنابيب التكييف المركزي للمستشفى!"

  منذ فترة وجيزة توفّى شخص عزيز من أهلي بعد صراع طويل مع المرض. هناك من كان يزور هذا المريض و يجالسه يومياً لساعات طويلة و يعتني به. و هناك من كان يزوره لخمس دقائق مرة واحدة في الشهر. طبعاً نمط الزيارة يعتمد على عوامل مختلفة منها: درجة صلة القرابة مع المريض ، و طبيعة شخصية الزائر ، و قوة العلاقة بين الزائر و المريض ، و ظروف الزمان و المكان. ما لفت نظري بعد الدفن أن أعلى أصوات البكاء و النحيب في العزاء كانت من أقل الناس زيارةً للمريض! 

في مجال عملي قابلت أطباء كويتيين مخضرمين إنجازاتهم الجبارة في تخصصاتهم ترفع رأس كل كويتي. لكنهم يكرهون الظهور الإعلامي و يفضلون العمل تحت الظل. حتى انني لا أجد أسماؤهم أو صورهم في الجرائد و المجلات. و عندما سألتهم عن سبب تخفّيهم المتعمّد قالوا لي "نحن لا نتكلم. و إنما إنجازنا يتكلم عن نفسه". 


من هذه القصص الواقعية التي حدثت لي لدي ملاحظة. لا قاعدة و لا قانون و إنما مجرد ملاحظة...

هؤلاء الأقل نشاطاً يلفتون الأنظار بأعلى صوت و أقوى دراما.

بينما "الزلم" الحقيقيون عادةً يعملون في صمت. التغطية الإعلامية من آخر أولوياتهم.